ومن ثمرات الأوراق عن الأجوبة الهاشمية وبلاغتها في المحل الرفيع؛ فمن أجل ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، ﵁، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ابعث إلى الحسن بن علي ﵄ يحضر لدينا، قال لهم: ولم؟ قالوا: كي نوبخه ونعرفه أن أباه قتل عثمان. فقال لهم معاوية: إنكم لن تطيقوه ولن تنتصفوا منه، ولا تقولوا له شيئًا إلا كذبكم ولا يقول لكم ببلاغته شيئًا إلا صدقه الناس. فقالوا: أرسل إليه فإنا نكفيه.
[ ٢٧ ]
فأرسل له معاوية، فلما حضر قال: يا حسن! إني لم أرسل إليك، ولكن هؤلاء أرسلوا إليك، فاسمع مقالتهم.
فقال الحسن ﵁: فليتكلموا ونحن نسمع.
فقام عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا حسن، هل تعلم أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك، فكيف رأيت صنع الله تعالى به؟ ثم قام الوليد بن عقبة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا بني هاشم! كنتم أصهار عثمان بن عفان، فنعم الصهر كان لكم لقربه من رسول الله ﷺ، يقربكم ويفضلكم، ثم بغيتم عليه وقتلتموه، وقد أردنا قتل أبيك فأنقذنا الله منه، ولو قتلناه ما كان علينا ذنب.
ثم قام عتبة بن أبي سفيان فقال: يا حسن، إن أباك قد تعدى على عثمان فقتله حسدًا على الملك والدنيا، فسلبهما الله منه، ولقد أردنا قتل أبيك، حتى قتله الله تعالى.
ثم قام المغيرة بن شعبة، وقال كلامًا سبا لعلي وتعظيمًا لعثمان.
فقام الحسن، ﵁، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: بك أبدأ يا معاوية! لم يشتمني هؤلاء ولكن أنت تشتمني بغضًا وعداوة وخلافًا لجدي رسول الله ﷺ ثم التفت إلى الناس، وقال: أنشدكم الله إن الذي شتمه هؤلاء أما كان أبي، وهو أول من آمن بالله وصلى إلى القبلتين، وأنت يا معاوية كافر تشرك بالله؟ وكان مع أبي لواء النبي ﷺ يوم بدر، ولواء المشركين مع معاوية؛ ثم قال: أنشدكم الله تعالى، أما كان معاوية يكتب لجدي ﷺ، فأرسل إليه يومًا فرجع الرسول، وقال: هو يأكل. فرد إليه الرسول ثلاث مرات، كل ذلك يقول هو يأكل فقال النبي ﷺ: لا أشبع الله بطنه، يا معاوية! أما تعرف ذلك من بطنك؟ ثم قال: وأنشدكم الله أما تعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه، وهو على جمل، وأخوه هذا يسوقه؟ فقال رسول الله ﷺ ما قال، وأنت تعلم ذلك. هذا كله لك يا معاوية.
وأما أنت يا عمرو. فقد تنازعك خمسة من قريش. فغلب عليك شبه الأبهم، وهو أقلهم حسبًا وأسوأهم منصبًا، ثم قمت وسط قريش فقلت: إني شانيء محمدًا بثلاثين بيتًا من الشعر. فقال النبي ﷺ: اللهم إني لا أحسن الشعر. اللهم العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة، ثم انطلقت إلى النجاشي بما عملت وعلمت. فكذبك وردك خائبًا، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام. فلا نلومك على بغضك الآن.
وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف نلومك على سبك لأبي، وقد جلدك أبي في الخمر ثمانين جلدةً، وقتل أباك صبرًا بأمر جدي، وقتله جدي بأمر ربي، ولما قدمه للقتل قال:
[ ٢٨ ]
من للصبية بعدي يا محمد؟ فقال جدي: لهم النار، فلم يكن لهم عند جدي غير النار، ولم يكن لهم عند أبي غير السوط والسيف.
وأما أنت يا عتبة فكيف تعيب أحدًا بالقتل ولا تعيب نفسك، فلم لا قتلت الذي وجدته على فراشك مضاجعًا لزوجتك؟ ثم أمسكتها بعد أن بغت.
وأما أنت يا أعور ثقيف، ففي أي شيء تسب عليًا؟ أفي بعده من رسول الله ﷺ، أم لحكم جائر في رعيته في الدنيا؟ فإن قلت في شيء من ذلك كذبت وكذبك الناس، وإن زعمت أن عليًا قتل عثمان فقد كذبت وكذبك الناس، وإنما مثلك كمثل بعوضة وقعت على نخلة فقالت لها: استمسكي فإني أريد أن أطير. فقالت لها النخلة: ما علمت بوقوعك فكيف يشق علي طيرانك؟ فكيف يا أعور ثقيف يشق علينا سبك؟ ثم نفض ثيابه وقام. فقال لهم معاوية: ألم أقل لكم لا تنتصفوا منه، فوالله لقد أظلم علي البيت حتى قام.