أمه أم عصام بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، فهو تابعي جليل. قال الإمام أحمد بن حنبل: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز. كان، ﵁ عفيفًا زاهدًا ناسكًا عابدًا مؤمنًا تقيًا صادقًا، أزال ما كانت بنو أمية تذكر به عليًا ﵁، على المنابر وجعل مكان ذلك قوله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " الآية، ولما ولي الخلافة ﵁، وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أيامًا لا يؤذه لم فبينما هم كذلك إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان جليس عمر فلما رآه جرير دخلًا قام إليه وأنشد يقول أبياتًا منها:
يا أيها الرجل المرخي عمامته هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
فدخل ولم يذكر شيئًا من أمرهم ثم مر بهم عدي بن أرطاة فقال جرير أبياتًا آخرها قوله:
لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
قال: فدخل عدي على عمر، وقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة.
فقال: ويحك يا عدي ما لي وللشعراء؟ قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ قد امتدح وأعطي ولك في رسول الله ﷺ أسوة.
قال: كيف.؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها لسانه.
قال: أو تروي من قوله.
قال: نعم، وأنشد:
[ ٦٨ ]
رأيتك يا خير البرية كلها نشرت كتابًا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا عن الحق لما أصبح الحق مظلما
ونورت بالبرهان أمرًا مدنسًا وأطفأت بالإسلام نارًا تضرما
فمن مبلغ عني النبي محمدًا وكل امرئ يجزى بما كان قدما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه وقد كان قدمًا ركنه قد تهدما
فقال: ويلك يا عدي، من بالباب منهم؟ قال: عمر بن أبي ربيعة.
قال: أوليس هو الذي يقول:
ثم نبهتها فمدت كعابًا طفلةً ما تبين رجع الكلام
ساعة، ثم إنها لي قالت: ويلتي قد عجلت يا ابن الكرام
فلو كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه لكان أستر له: لا يدخل علي والله أبدًا، فمن بالباب سواه؟ قال: الفرزدق.
قال: أوليس هو الذي يقول:
هما دلتا في من ثمانين قامةً كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فما استوت رجلاي في الأرض قالتا: أحي فيرجى أم قتيل نحاذره؟
لا يدخل علي والله أبدًا، فمن سواه منهم.
قال: الأخطل.
قال: يا عدي، أوليس هو الذي قال:
ولست بصائم رمضان يومًا ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنسًا بكورًا إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير أدعو قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولًا وأسجد عند منبلج الصباح
والله لا يدخل علي أبدًا وهو كافر، فمن بالباب سوى من ذكرت؟ قال: الأحوص.
قال: أوليس هو الذي يقول:
[ ٦٩ ]
الله بيني وبين سيدها يفر مني بها وأتبعه
فمن بالباب دون من ذكرت أيضًا؟ قال: جميل بن معمر.
قال: أوليس هو الذي يقول:
فيا ليتنا نحيا جميعًا، وإن أمت يوافق موتي موتها وضريحها
فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بعد صالحًا لكان أصلح. والله لا يدخل علي بدًا، فهل أحد سوى من ذكرت؟ قال: جرير.
قال: أوليس هو الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة، فارجعي بسلام
فإن كان ولا بد فهو الذي يدخل. فلما مثل بين يديه قال: يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقًا.
فأنشد قصيدته الرائية المشهورة التي منها:
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا من الخليفة ما ترجو من المطر
جاء الخلافة، أو كنت له قدرًا كما أتى موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حيًا لا يفارقنا بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فقال: يا جرير لا أرى لك فيما ههنا حقًا.
قال: بلى يا أمير المؤمنين! أنا ابن سبيل منقطع.
فأعطاه من طيب ماله مائة درهم وقال: ويحك، يا جرير، لقد ولينا هذا الأمر ولم نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام: أعطه المائة الأخرى.
فأخذها جرير وقال: والله لهي أحب مال اكتسبته في عمري. ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ما يسوءكم. خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض وأنشد يقول:
رأيت رقي الشيطان لا تستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا
[ ٧٠ ]