فمن ذلك ما حكاه ابن المهدي عم الرشيد، وهو إبراهيم المعروف بابن شكلة، وكانت شكلة أمة سوداء، وقد ذكر أن إبراهيم كان أسود شديد السواد، وكان من الطبقة العليا في صنعة العود قال: قال لي جعفر يومًا: يا إبراهيم: إذا كان غد فأبكر إلي.
فلمام كان الغد مشيت إليه بكرة، فجلسنا نتحدث. فلما ارتفع النهار أحضر حجامًا فحجمنا، ثم قدم لنا الطعام فطعمنا ثم خلع علينا ثياب المنادمة، وقال جعفر لخادمه: لا يدخل علينا أحد إلا عبد الملك القهرماني.
فنسي الحاجب ما قال فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان رجلًا من بني هاشم ذا ملاحة وعلم وحلم وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة، فظن الحاجب أنه الذي أمره بإدخاله عليهما، فلما رآه جعفر تغير لونه ورآهم عبد الملك بن صالح على تلك الحالة، وظهر له أنهم احتشموه فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم في فعلهم فقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم.
فجاءه الخادم فطرح عليه ثياب المنادمة ثم جلس للشراب، فلما بلغ ثلاثًا قال للساقي: لتخفف عني فإني ما شربته قط.
فتهلل وجه جعفر فقال له: هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة لما صنعت.؟ قال: بلى، إن أمير المؤمنين علي غاضب، فسله الرضا عني.
قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين.
[ ١٦٧ ]
قال: علي أربعة آلاف دينار.
قال: هي لك حاضرة من مال أمير المؤمنين.
قال: وابني إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين.
قال: قد زوجه أمير المؤمنين بابنته عائشة.
قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه.
قال: نعم، قد ولاه أمير المؤمنين مصر.
قال إبراهيم بن المهدي، فانصرف عبد الملك بن صالح وأنا أتعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان. فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر فلم نلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وكتب سجل إبراهيم على مصر وخرج جعفر فأشار إلي فلما سار إلى منزله ونزلت بنزوله التفت إلي وقال: لعل قلبك معلق بأمر عبد الملك بن صالح فأحببت معرفة خبره.
قلت: نعم.
قال لي: لما دخلت على أمير المؤمنين وتمثلت بين يديه وابتدأت القصة من أولها إلى آخرها، كما كانت، قال الرشيد: أحسن والله أحسن والله. ثم قال: ما صنعت؟ فأخبرته عما سأل وبما أجبته في ذلك فقال: أحسنت. وخرج إبراهيم واليًا على مصر من يومه والله تعالى أعلم.
[ ١٦٨ ]