يظهر المؤلّف امتعاضه الشديد من الأوضاع المتردّية التي آلت إليها أحوال دولة المماليك على مختلف الصعد، السياسية، والاقتصادية، والإدارية، وخاصّة بعد وصول الجراكسة إلى السلطنة، وهو يرى أن عهد الترك المماليك قبلهم كان أفضل بكثير، ويشير في أكثر من موضع في كتابه «نيل الأمل» إلى ضياع هيبة القضاة وهم أعلى سلطة في الجهاز الدينيّ، وتقدّم الأمراء العسكريين عليهم، بل إن تجرّؤ مماليك الأمراء على قاضي
_________________
(١) الروض الباسم ٣ / ورقة ١٦٠ ب، ١٦١ أ.
(٢) الروض الباسم ٤ / ورقة ١٧٥ ب.
(٣) الروض الباسم ٤ / ورقة ١٨٠ ب.
(٤) الروض الباسم ٤ / ورقة ٢٣٥ ب.
(٥) الروض الباسم ٤ / ورقة ٢١٦ ب و٢١٧ أ.
[ ١ / ٦٤ ]
القضاة أضحى واضحا في أواخر القرن التاسع الهجريّ، وللمقارنة بين هيبة القاضي في القرن الثامن، وضياعها في القرن التاسع، يذكر في أول حوادث سنة ٧٧٨ هـ. ما يلي: «في محرّم طلب قاضي القضاة البرهان بن جماعة دوادار أقتمر النائب ووبّخه ونهره في مجلس حكمه، ووضع من أقتمر بسبب ما يحدث من أحكامه بين الناس، وذكر له أنه بلغه عنه أنه ضرب ربّ دين بحضور مديونه، فتلطّف الدوادار وترفّق به حتى خلّص منه، وقد خاف منه».
ثم يعقّب بعد ذلك بقوله: «فانظر إلى ذلك الزمان وزماننا هذا، هل يتجرّى قاضي قضاة عصرنا أن يطلب غلام الأتابك أزبك، فضلا عن دواداره» (١)!؟
وفي حوادث سنة ٧٨١ هـ. (شهر جمادى الأول) ذكر أنه خلع على قاضي القضاة الحنفية جار الله بأن يقرّر مودع حكم الأيتام وأن يلبس الطرحة كالقاضي الشافعيّ، ويقيم أمين حكم، ويولّي قضاة الحنفية بالبلاد، فقام الشافعية في ذلك أشدّ قيام، واستمال العلاّمة الكمال البدر في ذلك. ولا زالوا حتى بطّلوا هذا الأمر بعد أن عقد مجلس عند الأتابك برقوق بسبب ذلك.
فعلّق المؤلّف على هذا بقوله: «وهذا أمر لا طائل تحته حتى يتنافس فيه في الحقيقة، فإنّ قاضي القضاة في هذا الزمن اسم لا مسمّى له، إذ كان في العصر الأول منفردا كأبي يوسف فهو قاضي قضاة الإسلام حقيقة. ولي في هذا كلام طويل لا يسعه هذا المختصر» (٢).
وفي سنة ٧٨٣ هـ. كانت كائنة نفي الجمال محمود العجمي المحتسب في شهر شعبان، حيث أمر الأتابك برقوق بذلك، وسببه أنّ كلاما وقع في مجلس برقوق وهو حاضر، وذكر فيه الهنديّ بن منصور القاضي الحنفيّ، فقال برقوق: «القضاة ما هم مسلمون»، وكان ذلك بالتركية، فنقل العجميّ قوله لابن منصور الهنديّ فشقّ عليه ذلك وركب إلى ابن جماعة الشافعيّ، وقال له: إني قطعت عمري بالاشتغال بالعلم بدمشق، [و] في آخر عمري أنفى بمصر عن الإسلام! وذكر له ما نقل عن برقوق، واستشاره في عزل نفسه، فتغيّر ابن جماعة من ذلك جدا، وركب من فوره إلى برقوق، وفاوضه في ذلك، فغضب من محمود العجميّ وعزله وأمر بنفيه حتى شفع فيه.
ويعقّب المؤلّف على ذلك بقوله: «وهذا أيضا مما حدث في دولة الجركس، وإن القضاة والعلماء كانوا في غاية الأوج من العظمة حتى على تقدير شيء فيهم، لكن لكونهم وعاء العلم كانوا يعظّمون ويقبّل السلطان والأمراء الأكابر أياديهم، ويخشون من
_________________
(١) نيل الأمل، أول حوادث سنة ٧٧٨ هـ.
(٢) نيل الأمل ١ / ورقة ١٤١.
[ ١ / ٦٥ ]
ألسنتهم، ويرون أنهم ما عرفوا دين الإسلام إلاّ بهم، وأنهم عسى ما كانوا هم في بركتهم، فعاد الأمر بالعكس حتى وصلوا [إلى] الوقيعة فيهم، ثم تزايد الأمر بعد ذلك لا سيما في أزماننا هذه حتى صار أقلّ الناس فضلا عن الأماثل والأكابر يتكلّمون في القضاة والعلماء وينسبونهم إلى المعايب والمثالب والمصائب، حتى أقبل الغلمان وأراذل العامّة وسفلة الناس، وما ذاك إلا عقوبة من الله تعالى لهم لامتهانهم العلم وخضوعهم لبني الدنيا في طلبها، وليتها وصلت إليهم، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون» (١).
أمّا رأيه في دولة الجراكسة فكان أشدّ قسوة حين تحدّث عن «برقوق» فقال: «وكان جنديا من المماليك اليلبغاوية لا ذكر له، وهو من غير جنس العسكر الموجود لكونه جركسيّ الجنس وهم ترك، ولكن أذلّ الله تعالى به دولة الترك حتى قامت به دولة الجركس وكانت شرّ دولة قامت في الإسلام على ما سيأتي لك بيانه، وعلى ما هو ظاهر لمن له أدنى بصيرة ونظر بنور الحق والاعتبار» (٢).
وقال في موضع آخر في حوادث سنة ٧٨٢ هـ: «وقامت دولة الجراكسة وأمرها لم يتمّ، فإنها من أسوأ دولة وشرّها، وعلى يديها كان زوال محاسن مملكة مصر وقواعد سلطنتها، وتغيّرت الأحوال، وظهرت الأهوال. وبالله المستعان» (٣).
ويعقد في حوادث سنة ٨٣٩ هـ. مقارنة بين النفقة السلطانية على الأمراء والجند الذين عيّنوا للتجريدة إلى بلاد الشام في شهر شعبان، وبين ضخامة النفقة ذاتها في سنة ٨٩٥ هـ. ليؤكّد على تدهور الوضع الاقتصاديّ وتضخّم الإنفاق المالي في أواخر القرن التاسع الهجري، كدليل على تردّي الأوضاع العامّة في دولة المماليك الجراكسة، فيقول: «وفي شعبان كانت النفقة السلطانية على الأمراء والجند الذين عيّنوا للتجريدة للشام، وبلغت النفقة سبعة عشر ألف دينار، حتى استكثرها البعض من الناس». (هذا في عام ٨٣٩ هـ).
«فلو نظر إلى زمننا هذا وما فيه من النفقات فإن في هذه الأيام التي نحن بها في عصرنا حين تصنيفنا هذا التاريخ في سنة خمس وتسعين وثمانمائة، خرج العسكر إلى قتال ابن عثمان، فكانت النفقة فيه على الأتابك وحده أربعة وعشرين ألف دينار، وزادت النفقة بأسرها على الألف ألف دينار فيما أخبرت» (٤).