وصفه المؤلّف بشيخنا المحقّق (٦).
وبالإضافة إلى هؤلاء الشيوخ فقد سمع المؤلّف من أخيه «أبي الفضل» في شهر رجب سنة ٨٨٧ هـ. وهو ينشد لنفسه في مدح خطيب مكة محمد بن محمد بن أحمد العقيلي النويري المكي الشافعي، المتوفى سنة ٨٧٣ هـ:
سألت حداة العيس أين تيمّموا مطاياكم ظاعنين عن الأهل
فقالوا: إلى بحر العلوم ومن غدا الزمان خطيبا في محاسنه علي
وفاض على كل الورى نور فضله وليس عجيبا فيضها من أبي الفضل (٧)
_________________
(١) نيل الأمل ٢ / ورقة ٢٢١ أ.
(٢) نيل الأمل ٢ / ورقة ١٣٣ أ.
(٣) الروض الباسم ٢ / ورقة ٥٤ أ.
(٤) الروض الباسم ٢ / ورقة ٩٢ أ.
(٥) نيل الأمل ٢ / ورقة ٣١٠ أ.
(٦) الروض الباسم ٣/ ١٨٧ ب.
(٧) الروض الباسم ٤/ ٢٤٣ ب.
[ ١ / ٤٥ ]
وسمع أيضا من الإمام المؤرّخ جلال الدين السيوطيّ شعرا يرثي فيه «المناوي» كما سيأتي. وله شيوخ غير الذين ذكرناهم أورد «السخاوي» بعضهم في ترجمته الآتية بعد قليل.
* * *
وفي العودة إلى وقائع رحلة المؤلّف، وقائمة شيوخه، يمكن أن نؤكّد على تنوّع مصادر ثقافته، واتصاله بعلية القوم وكبار العلماء في كل مدينة أو بلدة دخلها، وهذا يدلّ على وجاهته وعلوّ قدره، بحيث أكسبته التجارة موقعا اجتماعيا محترما، مع ما كان له من رصيد اجتماعيّ وثقافيّ اكتسبه من والده الذي وصل إلى رتبة الوزارة في مصر، وغير ذلك من المناصب الرفيعة في مصر والشام وغيرها، فضلا عمّا صنّف من مؤلّفات، فجمع بين المكانة السياسية والمكانة العلمية، حتى عرف المؤلّف في بعض المصادر ب «ابن الوزير»، فلا غرابة إذن أنّ نراه يجتمع بالملوك والسلاطين والولاة والقضاة والمفتين والخطباء والعلماء، وكبار التجار والوجهاء، وأن ينسج علاقات وصداقات واسعة مع رجالات عصره في البلاد التي ينزلها ويقيم فيها. ولم تصرفه التجارة، بل لم تستحوذ على كل تفكيره واهتمامه، إذ جمع بينها وبين طلب العلم والاستزادة منه بالاجتماع بالعلماء والشيوخ، والتردّد على مجالس العلم، وميله إلى التصوّف وزيارة قبور الأولياء والصالحين، والعلماء الأقدمين.
ومن خلال العودة إلى شريط رحلته، مرة أخرى، نجده ساذجا تارة، وحريصا تارة أخرى، وذلك من خلال ما جرى له من مملوكه العاقّ الذي خدعه، ومن اليهوديّ الذي أراد قتله، ومن قائد طرابلس الغرب الذي ظلمه، وكبير التجار الذي تخلّى عن نصرته. وفي المقابل، نجد شريحة كبيرة من الأصدقاء والأصحاب الذين وقفوا إلى جانبه في أوقات الشدّة، وساعدوه، وعادوه أثناء مرضه، وتأثّروا لما أصابه عند محاولة اغتياله، وإضافة أهله في بيت أحدهم عدّة أشهر أثناء سفره إلى الأندلس بمفرده، وتأثّره من قاضي القضاة الحنفية بمصر الشيخ محمد بن المغربي الغزّي، الذي وثب على وظيفة التدريس في أحد جوامع القاهرة، حيث وقع بينهما شنآن - حسب تعبيره - وأخذ الوظيفة منه بغير طريق ظلما وعدوانا (١).
وتنوّعت معارف المؤلّف بين لغوية، وأدبية، وفقهية، وطبّية، وأصول، ونظم ومنطق، وهندسة، ومساحة وعن العلمين الأخيرين يتحدّث المؤلّف أن والده أخذه معه إلى مجلس شيخه بالمدرسة المؤيّدية قاضي القضاة الحنفية السعد بن الديري، وذكره عنده، فقال القاضي الديري: «قد سمعت به وإنه طالب علم حذق، ثم أخذ بعد ذلك يسألني عن مسألة العشر في العشر، فتكلّمت ببعض كلام فتح الله تعالى به في ذلك الحين
_________________
(١) الروض الباسم ١ / ورقة ٤٠ أ.
[ ١ / ٤٦ ]
فأعجبه إلى الغاية، ثم انتقلت إلى الكلام على طريقة أهل الهندسة والمساحة، فدعا لي، ثم حضرت بعض دروسه، وأجازني في سنة ٨٦٦ هـ» (١).
وتناقش مرة مع شخص حول البيت:
ما كل ما يتمنّى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فقال: إنّ الصحيح: «بما لا يشتهي السفن» (٢)، (بفتح السين المهملة وكسر الفاء).
ورغم ميل المؤلّف إلى الشعر ونظمه فإنه لم يكن بذاك المتمكّن من اللغة والنحو والصرف جيدا، فكتابته لا تخلو من الأخطاء والأغلاط اللّغوية والنحوية، وفي بعض الأحيان يستخدم ألفاظا عامّية، وفي أحيان أخرى يكتب كلمات بغير القواعد المتعارف عليها. وهذا يظهر واضحا في كتاب «الروض الباسم» الذي وصلنا قسم كبير منه بخطّه، أما كتابه «نيل الأمل» الذي بين أيدينا فلا يمكن أن يؤكد أو ينفي الحقائق التي نشير إليها، لأن النسخة الوحيدة التي وصلتنا هي نسخة منقولة عن أصل المؤلّف، ووزر الأغلاط يتحمّلها الناسخ.
أمّا نظمه للشعر فلا يرقى إلى مستوى الجيّد، بل هو شعر تقليديّ بحدود الوسط، ومنه رثاؤه لماهر بن عبد الله بن نجم بن عوض الأنصاري، المقدسي، القاهري، الشافعيّ عند وفاته في سنة ٨٦٧ هـ. فقال: ولما بلغني موته أنشدت في ذلك من غير تدوين بل على البديهة ارتجالا بحسب الحال هذه الأبيات:
أحييت بالعلم رسما قد كان قبلك داثر
وقد تمهّرت فيه فطابق الاسم ماهر
وزدته بصلاح لكم وخير المآثر
ودمت دهرا معينا للناس نفعك ظاهر
والآن غيّبت عنّا وصرت رهن المقابر
في أبيات أخرى (٣).
وله في مدح سلطان غرناطة أبي الحسن علي بن أبي النصر المعروف بابن الأحمر سنة ٨٧٠ هـ. قصيدة مطوّلة، أولها:
إلى أبي الحسن الأعناق تنخضع وعند سدّته الأملاك تتّضع
ومن شجاعته الأبطال قد فرقوا ومنه أفئدة الأعداء تنخلع (٤)
_________________
(١) الروض الباسم ٢ / ورقة ١١ أ.
(٢) الروض الباسم ١ / ورقة ٢٠، و٢١.
(٣) الروض الباسم ٢ / ورقة ٧٠ ب.
(٤) الروض الباسم ٣ / ورقة ١٠٨ أ.
[ ١ / ٤٧ ]
وقال يرثي أبا زكريا يحيى بن محمد بن مخلوف المناوي المتوفّى سنة ٨٧١ هـ. وقد نظمها ارتجالا حسب قوله وهو في الإسكندرية بعد دخوله إليها من السفر والتعب:
مات المناويّ الشرف فات المنى والشرف
نوحوا على فقده وابكوا بدمع ذرف
فهو الإمام الذي كلّ له اعترف
والبحر حاوي العلا فالفضل منه اغترف
والدرّ من علمه أهداه لا عن صدف
والشمس وقت الضحى والبدر تحت السدف
قاضي قضاة الورى غيث العطا والطرف
والجود ثم السخا واللطف ثم الظرف
ارحمه يا خالقي واتحفه منك بالتحف
وسق شربا له طول المدى والسلف
بوابل هاطل يذرف فوق الذرف
برحمة مع رضى وارفعه على الغرف (١)
و«المناويّ» هذا هو الذي رثاه الجلال السيوطيّ بقوله، وقد أنشده للمؤلّف:
قلت لما مات شيخ العصر حقّا باتفاق
حين صار الأمر ما بين جهول وفسّاق
أيّها الدنيا لك الويل إلى يوم التّلاق (٢)
وللمؤلّف شعر غير الذي تقدّم، سوف نستشهد به لاحقا.