على الرغم من حرصي الشديد وبحثي المتواصل - منذ سنين - عن نُسَخ من كتاب "نيل المنى" في العديد من المكتبات والكثير من فهارس المخطوطات فإنّني لم أعرف منه غير نسخة واحدة حُفِظتْ بالمكتبة السليمانية بإسطنبول (شهيد علي باشا) رقم ١٩٦١. لم يذكرها من الباحثين المعاصرين غير عدد محدود جدا، منهم محمد صالح الطاسان في رسالته التي حقّق فيها نصّ كتاب الأرج المسكي.
وهي نسخة تقع في ١٩٨ ورقة من القطع المتوسط مسطرتها ٣١، خطها نسخي عادي، ليس فيه جمال ولا ضبط، تتخلّله بياضات كثيرة بسبب عدم تمكن الناسخ من قراءتها من أصل المؤلف.
وعلى الجانب الأعلى الأيسر من ورقات المخطوطة ترقيمان، قديم وأحدث منه، فقد كان المخطوط يشتمل على ١٩٩ ورقة حسبما يدل عليه الترقيم القديم، ثم ضاعت منه الورقة رقم ٩ فأصبح بعد ذلك يشتمل على ١٩٨ ورقة كما يدل عليه الترقيم الحديث.
والملاحظ أنّ النسخة قديمة وقريبة عهد بالمؤلف حيث كُتِبتْ بعد سنة ٩٥٤ هـ، وعمو تاريخ وفاة المؤلف. فقد ورد في أول الكتاب على ورقة العنوان الترحّم على المؤلف. كما ذُكر الترحّم عليه أيضا في الورقة الأخيرة من المخطوط.
والثابت أيضا أنها كُتِبتْ قبل سنة ٩٩٠ هـ. أي قبل وفاة قطب الدين النهروالي، حيث أنّ المخطوط كان بين يدي قطب الدين المذكور، لأنّ ورقة العنوان
[ ١ / ٢٦ ]
مكتوبة بخطه الذي نعرفه في مخطوطات أخرى (^١). بالإضافة إلى العديد من العناوين الجانبية وبعض الجمل التوضيحية التي كتبها قطب الدين نفسه في الكثير من ورقات الكتاب. وفي الورقة ١٠٧ أ يصرّح باسمه في أحد الهوامش بما نصه "كتَبَه قطب الدين الحنفي".
على ورقة العنوان تملّكات منها:
تملّكان ممحوان تماما.
تملّك ثالث مُحِيَتْ بعض كلماته نصه: "الحمد لله"، صار ملك عبد العزيز الر … ثم صار لبنيه بطريق … سنة عشر … ".
تملّك رابع نصه: "من كتب الحاج مصطفى القاضي بطرابلس الشام سابقا.
بايَعْتُ ثم اشتريتُ في سنة أربع وتسعين بعد الألف".
تملّك خامس نصه: "من كُتب العبد الفقير إلى رحمة الله سبحانه وفضله وجيه الدين بن إبراهيم، كان الله له ولأسلافه".
نسخة المخطوط هذه نُقِلتْ مباشرة من مسودة المؤلف التي بخطه. يذكر ذلك الناسخ للمخطوط ويصف المسودة المنقول عنها بقوله في أول الكتاب: "نقلتُ من المسودة وهي كثيرة الخبط والتخاريج والتقليب، والله الموفق".
وعلى الرغم مما وصف به الناسخ مسودة المؤلف فإن قراءة النص المنسوخ يدل بلا شك على أن الناسخ محدود الثقافة قليل المعرفة بالقواعد اللغوية والنحوية مع كثرة الأخطاء في الرسم وجَهله بالكثير من أسماء الشخصيات التاريخية المعاصرة له، وجّهله أيضا بكثير من الألفاظ الحضارية المتداولة في النص. وهي أخطاء لا يمكن أن
_________________
(١) انظر مثلا تذكرة النهروالي التي جمع فيها رحلاته للمدينة وتركيا وبعض الأخبار التاريخية والنصوص الأدبية. وهي نسخة على ملك الشيخ حمد الجاسر الذي وصف الكتاب وصوّر منه بعض الورقات في مقدمته لكتاب البرق اليماني تأليف قطب الدين النهروالي ص ٤٧ - ٥٣.
[ ١ / ٢٧ ]
تُنْسَب إلى المؤلف فإن الذي عرفناه عن ثقافة المؤلف أنها واسعة، كما لم نعرف عنه هذا المستوى من الأخطاء اللغوية والنحوية في ما اطلعنا عليه من مؤلفاته المكتوبة بخطه (^١). ورغم أنها لا تخلو من أخطاء فإنها لا تصل أبدا إلى مستوى ما وجدْنا في المخطوط.
وإنّ كثرة هذه الأخطاء وتعدّد البياضات مع عدم وضوح الكثير من الكلمات التي إذا عَمِيَتْ على الناسخ كتبها غير معجمة تقارب ما وجده في مسودة المؤلف. إنّ كلّ ذلك جعلني مضطرا إلى ضبط ما وجد في المخطوط من هذه الهنات وهو ما اضطرني أيضا إلى وضع الكثير من الهوامش التي تتشابه في أحيان كثيرة وتبدو في أحيان أخري بسيطة. ولكن عمل التحقيق يفرض عليّ إيراد هذه الهوامش، ولو شعر القارئ بثقلها وتشابهها عند قراءته للنص بهوامشه.
وفي النص بعض الأخطاء التي تكاثرت وتعددت لذلك اكتفيتْ بذكرها عند ورودها أول مرة مع التنبيه إليها في هذه المقدمة، وهي:
وردتْ في نص المخطوط أخطاء كثيرة في أسماء الأعداد وفي القواعد النحوية والرسمية البسيطة أصلحتها. كما وردت الألفاظ التالية مكتوبة على هذا الوجْه من الخطأ فأصلحتها دون التهميش عليها:
أصْرف = صرف
أبيع= بيع
أخْلَع= خلع
وقد أصلحتُها في كامل النص، رغم أنّ مثل هذه الأخطاء كانت ترد في بعض كتب مؤرخي العصر مثل كتاب مفاكهة الخلان لابن طولون وكتاب بدائع الزهور
_________________
(١) منها كتاب النكت الظراف، وكتاب حسن القرى في أودية أم القرى وغيرهما.
[ ١ / ٢٨ ]
لابن إياس، ولو أنّ هذا المؤلف الثاني كان كثيرا ما يكتب نصوصه مختلطة بلغة عصره العامية المستعملة في مصر.
أما تعاملي في التحقيق مع هذه الأخطاء الكثيرة فإنني لجأتُ إلى:
(أ) تصحيح الأصل وإيراده في النص عندما أتيقّن من صحته، مع الإشارة الخطأ في الهامش.
(ب) إيراد الخطأ في النص عندما لا أجد مرجّحا لكلمة أو كلمات معيّنة تقوم مقام الخطأ، وذلك عندما تتعدد إمكانيات الإصلاح، فأقترح ما أراه تصويبا في الهامش.
إنّ وجود خط قطب الدين النهروالي على ورقة العنوان وعلى الكثير من ورقاته الأخرى جعلني أرجّح ما أراه من أنّ هذه النسخة كانت ضمن مكتبته، بدليل أنه تصرف فيها بوضع ورقة العنوان والهوامش والإضافات الكثيرة. فلو كانت على ملك غيره ما كان يتجرّأ على فعل ذلك في كتاب ليس على ملكه.
[ ١ / ٢٩ ]
ورقة عنوان المخطوط وقد كتبت بخط قطب الدين النهروالي وعليها التملكات وختم مكتبة السليمانية ورقم المخطوط فيها
[ ١ / ٣٠ ]
ورقة من المخطوط لتكون مثالًا على خط الناسخ
[ ١ / ٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
هذا ما وُجد من تاريخ الشيخ جار الله بن فهد الذي سمّاه نيل المني بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى. وقد جعله ذيلًا على تاريخ والدِهِ المسمّى بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى، وهو ذيل على تاريخ الشيخ عمر بن فهد المسمّى بـ إتحاف الورى، بأخبار أم القرى نَقلْتُ من المسودة وهي كثيرة الخبط والتخاريج والتقليب، والله الموفق.