مؤلف كتاب "نيل المنى" هو جار الله بن فهد من عائلة مكيَّة عريقة في العلم والنسب إذْ اشتهر من أبنائها علماء كثيرون وترجع أصولها إلى محمد ابن الحنفية ثالث أولاد الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -.
أقامت العائلة بأصفون في صعيد مصر أمدا، ثم انتقلت إلى مكة المكرمة في أوائل القرن الثامن الهجري أو قبله بقليل. فإن بعض الفهود ترجمهم الفاسي في العقد الثمين - الذي خصّصه لأهل مكة - وكان بعض المترجمين فيه من بني فهد قد توفي في الثلث الأول من القرن الثامن مثل أبي الخير بن فهد الذي توفي سنة ٧٣٥ هـ (^١) وجمال الدين بن فهد الذي توفي أيضا في سنة ٧٣٥ هـ (^٢).
وشارك أبناء هذه العائلة - وهم كُثْرٌ - في مختلف المجالات العلمية وخصوصًا الحديث والتاريخ والآداب واشتهرت بين العوائل المكية الكبيرة المعروفة بالفضل فتصاهرت معهم ووجدت منهم التقدير نظرا إلى أن الفهود أنصرفوا - غالبا - عن الوظائف الدينية والسياسية وغيرها.
امتدت حياة هذه العائلة إلى أواخر القرن العاشر الهجري. فإن آخر مَن عُرف من علمائها هو عبد الرحمن بن عبد القادر بن العز بن فهد الذي توفي سنة ٩٩٥ هـ وبه انقطع ذكرهم (^٣). وبذلك امتدت الحياة العلمية للفهود ثلاثة قرون كان لهم فيها العطاء الثقافي والتعليم والتأليف.
_________________
(١) الفاسي: العقد الثمين ٢: ٢٩٦.
(٢) الفاسي: العقد الثمين ٢: ٧٩.
(٣) مرداد: المختصر من نشر النور والزهر ص ٦١؛ الكتاني: فهرس الفهارس ص ٦٠٩، ٧٣٤.
[ ١ / ٥ ]
وقد اشتهر منهم حُفّاظ أربعة هم الحافظ التقي بن فهد وابنه الحافظ النجم بن فهد وابنه الحافظ العز بن فهد وابنه - مؤلفنا - الحافظ جار الله الحافظ جار الله بن فهد. قال عنهم محدث المغرب الشيخ الكتاني " وأنت إذا تأملتَ قلّ أن تجد في بيت في الإسلام أربعة من الحفّاظ في سلسلة واحدة من بيت واحد يتوارثون الحفظ والإسناد غير هذا البيت العظيم" (^١).
وقد عرّف بهذه العائلة بعض أبنائها وغيرهم:
- فألّف النجم بن فهد كتابا سمّاه "بذل الجهد في مَن سُمِّيَ بفهد أو ابن فهد".
- وألّف حفيده جار الله بن فهد كتابا جمع فيه المدائح التي قيلتْ في بني فهد وعنوانه "حفظ المساق والعهد، في مدائح بي فهد". وكتابًا ذكر فيه وقف بيت بني فهد بمكة وعنوانه "حفظ العهود على حكم وقف دار الفهود".
- وانتخب عمر الشمّاع من مؤلفات الفهود كتابا سماه "عرف الند، في المنتخب من مؤلفات بني فهد".
وعرّف الدكتور ناصر بن سعد الرشيد بجهود هذه العائلة في الكتابة التاريخية من خلال بحث عنوانه "بنو فهد مؤرخو مكة" ضمن كتاب مصادر الجزيرة ٢: ٦٩ - ٩٠.
وعرّفتُ بهذه العائلة في كتابي "التاريخ والمؤرخون بمكة" ص ٩٩ - ١٠٨.
فمؤلف كتاب "نيل المنى بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى" الذي نقدمه محققا - بإعانة من الله - هو:
جار الله محمد تقي الدين بن العز عبد العزيز بن النجم عمر بن تقي الدين محمد بن فهد المكي الهاشمي الشافعي.
_________________
(١) الكتاني: فهرس الفهارس ص ٩١٠ - ٩١٢.
[ ١ / ٦ ]
ولد بمكة يوم ٢٠ رجب سنة ٨٩١ هـ / ٢٣ يوليو ١٤٨٦ م.
أمّه من عائلة بني فهد واسمها كمالية بنت المحبّ أبي بكر أحمد بن محمد بن فهد الهاشمية المكية.
اهتم به والده العز من عهد طفولته فوجّهه نحو العلم والدرس، حتى أنه كان يصطحبه الحلقات العلم بالحرم المكي والطفل لم يتجاوز الرابعة من عمر (^١).
حفظ جار الله القرآن وأخذ عن والده كتبا كثيرة منها الكتب الحديثية الكبيرة ولازمه في الإقامة والرحلة إذْ رحل معه إلى المدينة وإلى الطائف، فكان فيها آخذا ومتعلما. ومن بين الكتب التي أخذها عنه مجموعة من كتب السيرة والتاريخ من بينها تاريخ مكة للأزرقي.
وتوجّه بعد ذلك جار الله إلى الرحلات العلمية خارج الحجاز فكانت رحلته الأولى إلى القاهرة سنة ٩١٣ هـ لطلب الحديث (^٢). ثم تعددت بعد ذلك رحلاته إلى القاهرة كلما رحل إلى الشام أو قصد بلاد العثمانيين.
ورحل في ربيع الأول سنة ٩١٤ هـ إلى اليمن وبقي بها أربعة أشهر لازم فيها المؤرخ عبد الرحمن الديبع الذي قال عنه "لازمني مدة إقامته بزبيد وحمل عني كثيرا" (^٣).
وكانت لجار الله بن فهد ثلاث رحلات إلى الشام. الأولى منها كانت خاصة بزيارة بلاد الشام والأخذ عن علمائها. والرحلتان الباقيتان كان فيها جار الله مارًا ببلاد الشام عندما كان قاصدا بلاد العثمانيين، بورصا وإسطنبول.
الرحلة الأولى: سنة ٩٢٢ هـ. وفيها أقام بدمشق وحلب. ثم غادر الشام راجعا إلى مكة في شهر جمادى الثانية سنة ٩٢٣ هـ. بعد أن نال من العلم زادا مفيدا
_________________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ٣: ٥٢.
(٢) جار الله بن فهد: تحفة الناس ص ١٥٢.
(٣) ابن الديبع: الفضل المزيد، على بغية المستفيد ص ٢١٥.
[ ١ / ٧ ]
جمعه عن شيوخ الشام. وخلال مدة هذه الرحلة توفي والده وهو غائب عن مكة. وقد قدّم لنا تفاصيل عن رحلته هذه صديقه الوفي ابن طولون في كتابه مفاكهة الخلان (^١).
الرحلة الثانية: سنة ٩٢٨ هـ. زار فيها دمشق وحلب أيضا واتصل بعلمائها وهو في طريقه إلى بورصا وإسطنبول. وفيها ألّف كتابه "الجواهر الحسان، في مناقب السلطان سليمان بن عثمان".
الرحلة الثالثة: سنة ٩٣٤ هـ، عاد فيها إلى دمشق وحلب فأقام بهما مدة وهو قاصد بلاد الأتراك، فجمع من كل بلد دخله بالشام أو بدولة العثمانيين علما وكتُبا وإجازات وعلاقات علمية مثمرة.
وكان جار الله يعود من كل رحلة علمية من هذه الرحلات بعلم غزير وبزاد يجمعه من لقاءات الشيوخ وإجازاتهم ودروسهم. وربما يعود إلى موطنه مكة ومعه الكتب الهامة التي يضيفها إلى مكتبة بني فهد الشهيرة. ففي إحدى رحلاته عاد إلى مكة ومعه مجموعة من كتب الحديث والطبقات واللغة، مثل تاريخ بغداد للخطيب وكتاب فتح الباري وكتاب لسان الميزان وكلاهما لابن حجر العسقلاني وكتاب الشفاء للقاضي عياض وكتاب تهذيب الأسماء واللغات للنووي، وغيرها من المؤلفات المفيدة (^٢).
أما شيوخه الذين أخذ عنهم والتقط من علومهم ثقافته وتكوينه فهم كثْرٌ جمعهم في ثبته وفي فهرسته وفي معجم شيوخه، وهي كتب ثبتتْ نسبتها إليه لورودها في إخباره عن نفسه ولثبوت ذكرها في المصادر الأساسية لترجمته. ولكنها - ثلاثتها - فُقدت المكتبات ولم نعثر على شيء منها. إلا أن تأليفه لها يقوم
_________________
(١) ابن طولون: مفاكهة الخلان ٢: ٦ - ١٠، ١٤، ١٧ - ١٩، ٥٨، ٦٣.
(٢) جار الله بن فهد: الجواهر الحسان ورقة ٤٦، ٥٣، ٦٢.
[ ١ / ٨ ]
دليلا على كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم.
نُشير في ما يلي إلى عدد محدود من مشاهير هؤلاء الشيوخ فمنهم:
- المحدث المؤرخ والده العز بن فهد الهاشمي المكي (ت ٩٢٢ هـ / ١٥١٧ م).
- المحدث المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (٩٠٢ هـ /١٤٩٧ م).
- الفقيه القاضي زكرياء بن محمد الأنصاري (ت ٩٢٥ هـ / ١٥١٩ م).
- الفقيه النحوي عبد الله باكثير المكي (ت ٩٢٥ هـ / ١٥١٩ م).
- القاضي المحدث برهان الدين بن أبي شريف المقدسي (ت ٩٢٣ هـ / ١٥١٧ م).
- الفقيه الإمام عبد الحق السنباطي (ت ٩٣١ هـ / ١٥٢٤ م).
- المؤرخ عمر الشمَّاع (ت ٩٣٦ هـ/١٥٢٩ م).
- المحدث أبو بكر العيدروسي (ت ٩١٤ هـ / ١٥٠٨ م).
- الفقيه مؤرخ المدينة، النور علي السمهودي (ت ٩١١ هـ / ١٥٠٥ م).
- المؤرخ عبد الرحمن العليمي المقدسي (ت ٩٢٨ هـ / ١٥٢٢ م)، وغيرهم.
مع مجموعة من الشيخات الراويات للحديث مثل:
- أم سلمة بنت محمد الطبرية المكية (ت ٩١٣ هـ /١٥٠٧ م).
- فاطمة بنت الكمال بن سيرين (ت ٩٤١ هـ / ١٥٣٤ م).
* * * * *
[ ١ / ٩ ]