استهلتْ وهي متتابعة الغلاء فقاسى أهل مكة لذلك شدة البلاء فالله تعالى يُرْخيها، ويكتب السلامة فيها، فإن حوادثها مظلمة، وللأنفس مؤلمة، وتحتمل كتابتها
_________________
(١) بالأصل: أبي.
(٢) بالأصل: أميري.
[ ١ / ١٠١ ]
مجلدة، والمطوّلات في الصّحف مخلَّدة، ورحم الله بعض الناس، حيث قال في هذا القياس:
ولو كتْبتُ كلَّ ما علمتهُ … لضاقتْ الأنفاس والقرطاس
لكنني أذكرُه مختصرًا … مبتغيًا (^١) لما عليه الناس
كان أول شهر الله المحرم الحرام بالإثنين. واستهل ناقصًا مع أن السماء مغيّمة، والآفاق مظلمة. ووصل الخبر في أوله إلى مكة المشرفة أنه حصل في بندر جدة سيْل عظيم طالب (^٢) من غير مطر امتلأت منه الصهاريج جميعها ثم دخل البحر من جهة اليمن وانتفع به أهل البلد كثيرًا بعد قحطهم من الماء وبلوغ (^٣).
وحصلت في وادي مَرّ سيول كثيرة وكذا في هدّة بني جابر (^٤) بحيث ذكر الأكابر الذين شاهدوا ذلك أنهم لم يعهَدوا مثله. وتهدّم كثير من الأصائل (^٥) الكبار وقَلعتْ الزرع، وقُتِل في السيل أكثر من سبعين نفسا غرقا، وكثرَ الجراد في مكة وضواحيها بحيث جُلِب إليها في شطائر من جلود وبِيعَ في السوق كل كومٍ عدَّتُهُ ثماني جرادات بدرهم، واستعاذ الخلق من ذلك، فالله يَقِينا وإياهم المهالك.
وفي يوم السبت سادس الشهر ازداد غلو الأقوات بمكة بعد انحلال سعر الحَبِّ يسيرًا لكون الحب وصل إلى مكة. فإن الحكّام بجدة وذوي الشوكة من الأروام اشتروا جُلّاب الحبّ الواصلة إليها فتقاسموها بينهم خلا البعض فبقي للناس واشتراه السوقة بالجاه أيضًا
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعل صوابها "متبعا".
(٢) كذا وردت الكلمة بالأصل.
(٣) بياض بالأصل بمقدار كلمة.
(٤) هدة بني جابر: تقع في بداية مر الظهران، ذكرها الفاسي في العقد الثمين ١: ٣١، ٢: ٩٠؛ البلادي: معجم معالم الحجاز ٩: ١٦٨.
(٥) الأصائل: جمع أصيلة وهي الحديقة.
[ ١ / ١٠٢ ]
وأدخلوها الحواصل، فضجَّ الناس لذلك وتكلموا مع الحاكم القائد مبارك بن بدر بسبب ذلك، فأمر صبيانه بتلقّي الركبان والقوافل الواصلة من جدة ومنْعِهم إدخال الحَب الحواصل، جزاه الله خيرًا.
وفي يوم الأحد ثاني تاريخه عدِم الحَبُّ من السوق وبِيع بعض شيء في حلقة الأشرف قايتباي لأن صبيان الحاكم مسكوا بعض حمول من القافلة وأدخلوها هناك فبيعت الربعية الذرة بستة محلقة وزاد في آخر النهار محلقا وصارت في البيوت ولم يتظاهر السوقة بشيء من الحبوب وبِيعَتْ الربعية الدهلكية بثمانية محلقة ونصف، والربعية الشعير بستة محلقة، وربعية الحب السيّال الحجازي المسمى عند الأتراك بخشي طرى بخمسة محلقة، وزاد في آخر النهار محلقين فضجّ الخلق لذلك وأرادوا رجم صاحبه فأعاد سعرَه إلى خمسة، ونادى المحتسب في الشوارع بالنداء أن اللحم الضاني يُباع كل رطل بمحلق وربع، والرطل الماعز بمحلق، واللحم الجملي رطل ونصف بمحلق، واللحم البقري رطل وربع بمحلق، وأن اللبن يباع في السوق للأكالين ولا يشتريه الجبانة (^١) ومن خالف ذلك لا يسأل ما يجري عليه، فلم يلتفتْ أحد إلى كلامه.
وفي يوم الإثنين ثامن الشهر ولي الكمالي أبو الفضل بن أبي علي نظر المواريث بمكة عوض عثمان البوني واستناب الجمالي يوسف بن كحليها (^٢) في جمْع التركات بأمر السيد بركات.
واتفق يوم تاريخه أن مات شخصٌ حمّال على ظهره كان يُظهر الفقر ويُلحّ في
_________________
(١) الجبانة: صانعو الجبن.
(٢) كذا ورد الاسم في الأصل، وبعد اللام حرف غير معجم.
[ ١ / ١٠٣ ]
السؤال فوُجِد معه خمسة عشر دينارًا عتيقة وأشرفيتان (^١) مساعيد وبعض محلقة له مربوطة على وسطه، فتعجّبَ الناس لذلك وقستْ (^٢) قلوبهم لهذه الفِعْلة، وصار التجار يتحجّبون عن الفقراء بسبب ذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثاني تاريخه سافرتْ الشريفة أم الكامل ابنة عجل وأختها الشريفة بيدح إلى الفريق (^٣) بطلب السيد الشريف بركات لهما على ما يُقال.
ووصلت إلى مكة قافلة من اليمن فيها سمن، فنزل سعر السمن إلى عشرة محلقة ونقص عن سعره الأول محلقين، فالله تعالى يرخّص الأسعار.
وفي يوم الأربعاء عاشر الشهر بِيعَ الأرز كلّ ربعية بعشرة محلّقة ونصف وعُدِم بقية الحبوب. ووصلتْ قافلة من اليمن فيها سمن فاشتراه بعض سوقة جدة لكون السعر بها بلغ ثلاثة أرباع دينار فعُدِم السمن من السوق، فلله الأمر من قبل ومن بعد ذلك.
وفي يوم الخميس ثاني تاريخه أشيع بمكة وصول جلبتين من الشام وجلبتين من اليمن فيهما حبّ وأن الوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح أمر بفتح شونة (^٤) مخزون فيها حب للبيع على أهل جدة فرخص الحب بها وبيع كل إردب بستة عشر دينارا ذهبا (^٥) وكل ربعية بأربعة محلقة ونصف وبخمسة.
_________________
(١) بالأصل: أشرفيتين.
(٢) بالأصل: قَسِيت.
(٣) الفريق: المكان الذي يضرب فيه الشريف خيامه عندما يكون خارج مكة.
(٤) الشونة: هنا معناها مخزن الغلة. وأقدم شونة بمصر بناها صلاح الدين لتُخزن فيها الغلال الواردة من الصعيد والموجهة للحرمين وغيرها، وعليها موظف اسمه أمين الشون. وقد تستعمل الكلمة للدلالة على نوع من المراكب المعدة للجهاد في البحر. وجمْعُها شواني انظر الزبيدي: تاج العروس. مادة "ش ون" ٩: ٢٥٧. وقد استعملها المؤلف للمعنييْن في كتابه.
(٥) بالأصل دينار ذهب.
[ ١ / ١٠٤ ]
وفي يوم الجمعة ثاني عشر الشهر جُلِبَ حمول حَبّ إلى مكة فوُضعتْ عند الحناطين في السوق فتباشر الناس بها وبيعت الغرارة المصرية بألف محلّق وأربعين محلقًا، جملتها ثلاثة وأربعون (^١) دينارًا، وباع السوقة على أيديهم كل ربعية حب مصرية بخمسة محلقة ونصف.
وفي ظهر تاريخه قرأتُ مع جماعة من الفضلاء جميع صحيح البخاري خلا اليسير في أجزاء مفرّقة ودعونا الله تعالى عقب ذلك برفع الشدة عن المسلمين وذهاب (^٢) الغلاء عن بلد الله الأمين، فالله تعالى يستجيب دعاءنا، وينصرنا على أعدائنا، ويؤمّننا في أوطاننا، وينصر سلطاننا.
وفي صلاة عصر يوم الجمعة المذكور قَنَتَ إمام الشافعية، ودعا الله تعالى بدفع البَلِية.
وفي يوم الإثنين خامس عشر الشهر حصل بمكة مطر غزير أرجو من الله تعالى حصول النفع به.
وفي يوم الخميس ثامن عشر الشهر ماتت المرأة الكامل شاذنة ابنة محمود الناخوذة أم الجمال محمد بن علي الفرّاش الشهير بالناخوذة، لجدّه لأمّه. فصلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة العصر وشيّعها جماعة من الفقهاء وغيرهم لأجل ولدها، فإنه عنده حشمة ومودّة للناس، وعمِل لها ختمًا بالمعلاة في صباح يوم الأحد رابع يوم وفاتها حضره القضاة والفقهاء.
وفي يوم السبت عشريْ الشهر وصل لمكة أحمال من السمن فبيع كل رطل بثمانية
_________________
(١) بالأصل أربعين.
(٢) بالأصل ذهب.
[ ١ / ١٠٥ ]
محلقة في السوق، ونادى المحتسب بأن يباع بسبعة محلقة، فتشوش أهل السوق لذلك وعزلوا دكاكينهم وقالوا: لا يخلصهم السمن من السوق، وصار يباع بالدس في البيوت بما أرادوا من الأسعار.
ثم في الإثنين ثالث تاريخه أنعم الله تعالى بوصول قافلتين من اليمن والشرق فيهما سمن كثير فبيع الرطل بسبعة محلقة ثم تناقص في هذه الجمعة إلى أن وصل لأربعة محلقة ونصف، وبأربعة.
وفي ليلة الثلاثاء ثالث عشريْ الشهر دخل الخواجا سلطان بن محمد بن علي الفومني العجمي على البنت البالغ زينب ابنة قاضي القضاة الحنفيّ المرحوم نور الدين علي بن أبي الليث بن الضياء القرشي العمري. وكان عقده في ظهر الجمعة تاسع عشر الشهر بمباشرة شقيقها القاضي أبي السرور بن أحمد وحضر ذلك عمّها فقط ولو كان أخوها الكبير بمكة ما فعّل ذلك ولا رضي به. وهنأهم بعض الناس في صباحية الدخول ولم يعمل لهم معمولا (^١) على عادة أهل مكة بل مرّ الطيب بمفرده. وبعد الفراغ عُملت سفرة صغيرة لأهل البنت. فالله تعالى يجعله مباركًا عليها ويثيب المرأة، ويجعله مباركًا عليها وعلى أهلها.
وفي يوم الثلاثاء المذكور وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة فيها الشيخ محمد بن مرزوق اليماني المعتقَد، وصحْبته جملة أوراق اطلعتُ على بعضها فيها الإخبار بغلو المدينة بحيث بيع فيها الحب المدني وهو ثلاث رباعي مكية بخمسة عشر محلقًا، والسمن كل رطل مصري بتسعة عشر محلقا، وعُدِمَ فيها الماء والخضَر، واشتد ذلك عند دخول الحاج الشامي. فالله تعالى يُرخّص أسعار المسلمين، ويكتب السلامة على الحجاج
_________________
(١) المعمول: نوع من الحلويات يصنعها أهل مكة في المناسبات إلى عصرنا الحاضر.
[ ١ / ١٠٦ ]
والمسافرين، في البر والبحر من المسلمين.
وفيها: أنه مات بالمدينة قاضيها الحنفي كان سعد الدين سعيد ابن قاضيها أبي الفتح الزرندي رحمه الله تعالى وهو مفصول عن القضاء مدة ثلاث سنين، وكان عاقلًا ساكنًا وبيْننا وبينه مودة ورفقة في السفر، وخلف والده وأخا غائبًا في الروم، عوّضهم الله تعالى فيه خيرًا.
وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصل الخبر لمكة أن جلْبَة من زْيلَع وصلتْ إلى جازان وأخبرتْ كُتُبُها أن الحب فيها رخيص ثمن كل طنم (^١) تسعة أشرفية، فتباشرَ أهل مكة بذلك ونزل سعر الحب الحنطة كل ربعية بخمسة محلقة واللقيمية والذرة والدخن بستة محلقة والربعية الزبيب بأربعة محلقة والرطل التمر بمحلقين إلّا ربعًا، وظهر كثير من ذلك في السوق، فالله تعالى يزيد من الرخص ويكثر الخير على المسلمين، خصوصا جيران بلد الله الأمين.
وفي يوم الخميس خامس عشريْ الشهر اتفقتْ (^٢) كائنة غريبة يجب علينا إيرادها ليُسْتفاد عن حكّام زماننا، وهي أن قاضي الشافعية الصلاحي بن ظهيرة المكي حكم لوالدي حكما في سنة ٩٢٢ هـ بِسبَب أنّ شخصا تاجرا يُقال له جلال الدين القرشي خاصَمنا في جِدار تحت ظِلّة لنا سقط من مدة ثلاثين سنة وأراد الوالد إعادته فتواصلا إلى القاضي المذكور وأثبَته الوالد عنده بحضور الخصم بشهادة خطيب المسلمين محب الدين النويري وثلاث نسوة غيره، وحكم بموجب ذلك، فاشتد شقاق الخصم لمجرد عناده لنا فلازم حكّام البلد وذلك مدة ثلاث سنين، فلما مات الوالد رحمه الله تعالى لازم الخصم
_________________
(١) الطنم: وحدة من المكاييل. استُعمل هذا اللفظ في غاية المرام للعز بن فهد ٢: ٥٧٧.
(٢) بالأصل: اتفق.
[ ١ / ١٠٧ ]
في ذلك فنقض حكمَهُ وطلبني وأشهد مَن حضر عنده أنه رجع عن حكمه، فسألته عن السبب فقال: لم يستوف (^١) الوجهَ، فقلتُ له: مذكور في المستند استيفاء ذلك. فقال: ظهر لي بعد ذلك عدم الاستيفاء. فطلبتُ منه كتابة مستند بسبب رجوعه، فتألم لذلك ثم مشى في الصلح بقسْم الجدار نصفين يترك أحدهما لمرور الخصم ويبقى لنا الثاني، فوافقتُ على ذلك كرهًا، وعند الله يجتمع الخصوم. وهذا حال حكّام هذا الزمان في بيع الدين بالدنيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريْ الشهر نزل سعر الحب المصرية فبيع كل ربعية بأربعة محلقة بل وثلاثة ونصف. وسبب ذلك وصول البحرية من جانب مصر واليمن، السبعة وصلتْ إلى مراسي جدة، وأن الأمير مرجان حاكم بندر عدن أمر أصحاب الجلّاب الذين عنده بالتوجّه إلى زيْلع وشحنتها حبًا لأهل مكة. جزاه الله خيرًا، وأعانه على فعل الخير.
وفي ليلة الجمعة ثاني عشريْ الشهر سقطتْ بيوت كاتب الأسرار الشريفة المقرّ الزيني بن مزهر التي في المروة الموقوفة بمكة، ومات تحت الهدْم رجلان مملوكان.
وفي يوم تاريخه طُلّقتْ زينب ابنة القاضي نور الدين بن الضياء المتقدم زواجها في يوم لكونها ما وافقتْ الزوج على بعض أغراضه الفاسدة، ووقعت بينهما مقابحات، نسأل من الله سترها وأن يعوّضها عوضه خيرًا منه وكذا أهلها.
وفي آخر الشهر سقط بيت القاضي برهان الدين بن ظهيرة الكبير الذي بحارة قريش طيْحَةً كبيرة في الزقاق، فسلم المارة والسكان لنقلتهم منه.
واتفق في أول الشهر هذا سقوط منزلي الذي أنا ساكن به، وقف الوالد ﵀،
_________________
(١) بالأصل: لم يستوفي.
[ ١ / ١٠٨ ]
وسلّمنا الله منه وعمّرتُه بسرعة ولله الحمد. وطاح بمكة جملة بيوتٍ من الأمطار.
ومات في هذا الشهر من الفقراء الطّرَحَاء في الأزقّة جوعًا وبردًا مائة وتسعون نفسًا كبيرًا على صغير، كما أخبرني بذلك الناظر على وقف الطّرَحاء الشيخ محمد الحطاب المالكي نفع الله به.
وفي يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر ماتتْ سيّدة التجّار أم الخواجا ولي الدين القويضي الشامي، وصلّى عليها بعد صلاة العصر، وشيّعها جماعة من الفقهاء والتجّار، ودُفنتْ بالمعلاة وولدها غائب بجدة، رحمها الله تعالى وإيانا.