في أوله هنا أهل مكة قاضيهم الشافعي الصلاحي بن ظهيرة على العادة وهو مريض بمنزله.
وتحرك سعر الحب فبيعت الربعية اللقيمية بأربعة محلقة والمصرية بثلاثة وربع والدخن والذرة بدون ذلك والرطل السمن بسبعة محلقة والرطل اللحم بمحلقين ونصف، وهو عزيز الوجود، والراوية الماء بمحلقين مع وجود العين في البلد والناس في ضرورة بسبب ذلك، فالله تعالى يرخّص أسعار المسلمين، ويلهم الحكام العدل في العالمين.
وفي فجر ليلة الثلاثاء سابع الشهر عمل الشيخ العلامة أحد أعيان فقهاء الحنفية شهاب الدين أحمد ابن المرحوم الشيخ جمال الدين محمد الحرازي العمري الحنفي أعزّه الله، زفة لطهور ولديه من الصفا إلى منزل سلفه بأجياد بالقرب من باب حزورة. وحضر ذلك جماعة من الفقهاء والأعيان كبني ظهيرة وغيرهم من الأعيان بدعواه لهم فحضروا الطهور وألصق غالب الحاضرين (^١) له ذهبًا وأرسل القاضي الشافعي الصلاحي بن ظهيرة عشرة أشرفية فاجتمع له قريب الخمسين دينارًا على ما يقال.
وفي ضحى تاريخه بعد الظهر مد سماطا لطيفا للحاضرين، فالله تعالى يخلفه عليه ويجعله مباركا على أولاده ويعيد نفعه إليه بجاه سيد الأولين والآخرين.
وفي يوم الخميس تاسع الشهر وصل الخبر إلى مكة من جدة في عدة رسائل من نائبها لبعض الأروام بأن ملك الأمراء نائب الديار المصرية أرسل إلى نائب جدة ستة أنفس على رواحل مراسيم فيها عصيان نائب الشام ملك الأمراء جان بردي الغزالي
_________________
(١) بالأصل: الحاضرون.
[ ١ / ٢٩٩ ]
بعد مكاتبته نائب الديار المصرية في التئامه عليه ويجتمعان على عصيان سلطان الروم وابن سلاطينها سليمان خان ابن عثمان عقب موت والده. فامتنع نائب مصر من ذلك وحذره من عاقبة فعله فقتل رسوله ونوى المسير إلى الديار المصرية، ودعا له على منابر دمشق الشام وأعمالها، وضُرِبت السكة باسمه فأمر نائب الديار المصرية حكام الأقطار المكية بالاحتراز (^١) منه وعدم تمكينه من ذلك، فالله تعالى يلطف بالمسلمين، ولا يصلح عمل المفسدين.
وفي ضحى يوم تاريخه عمل قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء القرشي الحنفي وليمة عظيمة فيها ألوان مفتخرة لأجل بلّ السكر لعقد شقيقته البكر المصونة سيدة قريش (^٢) على القاضي الأصيل زين الدين جار الله ابن القاضي أمين الدين ابن قاضي القضاة الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة القرشي الحنفي، فحضر جماعة من الفقهاء والتجار.
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه عُمل العقد في المسجد الحرام أمام الرواق الغربي من باب العمرة إلى باب الحزورة وأوقدت شموع الحرم وثرياته وقدة عظيمة وحضره خلق من الأعيان والعامة الرجال والنساء، وانتظر (^٣) قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة لأجل مباشرة العقد زمانا طويلا فلم يقدر على الحضور لعجزه عن الحركة لزيادة وجعه، عافاه الله تعالى، فباشر العقد بنفسه أخو الزوجة قاضي القضاة الحنفي على مائتي مثقال مهرها، فتوقف الزوج ووالده على ذلك، فوعد بترك مائة على العادة. وبعد الفراغ فرق السكر المذاب على الحاضرين وكذا البخور والماورد وأنشد القراء بعض القصائد، وكان العقد حافلا بهجا، جعله الله مباركا، وهُنّئ الزوج ووالده وأخو الزوجة، فالله تعالى يتمه لهم ويعيد نفعه عليهم.
_________________
(١) بالأصل: من الاحتراز.
(٢) بالأصل: على سيدة قريش.
(٣) بالأصل: انتصر.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفي ليلة الجمعة رابع عشري الشهر وصلت قافلة المدينة الشريفة وفيها الشيخ المعتقد عفيف الدين عبد الله بن مرزوق اليمني - نفع الله به - وصهرا الفقيه العالم فخر الدين أبي بكر ابن قاضي المسلمين نور الدين علي بن أبي بكر المرشدي الحنفي، وكان توجّه للزيارة شوقا لها وتسلية لما وقع بينه وبين والده من النّفْرة، فالله تعالى يحسن العاقبة لهما، والقاضي سعد الدين محمد ابن القاضي خير الدين بن ظهيرة الشافعي وعديله الشهابي أحمد بن أبي بكر الفتوحي جابي وقف (^١) والفقيه الأديب الكمالي أبو الفضل ابن شيخ الأدباء الشهابي أحمد بن الحسين بن العُلَيف وإمام الحنفية الزيني أبو الفوز محمد الخجندي المدنيان. وسبب وصول أولهما لزيارة محل قبر والده والاستيلاء على مخلّفه، وثانيهما لزواجه بابنة قاضي المالكية بمكة الزيني عبد الحق النويري.
وأخبروا أن المدينة مغلية في الأقوات، فبيعت بها الكيلة الحب بخمسة محلقة والرطل السمن بثمانية محلقة واللحم عزيز الوجود كمكة، وازداد ذلك عند وصول الشيخ مقرن بن زامل الجبري إليها، وكان تأخر عن الحاج الشامي عند عرب زُبيد لزواجه بابنة شيخهم مالك بن رومي وأعطاها ألف دينار وقسّم على أقاربها جملة وأعطى أهل المدينة صدقة وسافر ولم يقسّم. وواجه الحاج المصري الركب الشامي في وادي الصفراء عند افتراقهم الطريق إلى ينبع فأراد أمير الحاج الشامي خلاص الخواجا عباس من أمير الحاج المصري فامتنع من ذلك وأراد أن تقع بينهما فتنة من أجله فسأل الخواجا عباس أمير الشامي في تركه معهم فتركه وسكنت الفتنة، فالله يكتب سلامة الجميع.
وقيد عند باب السلام جماعة من رجال الحاج المصري لكبرهم ولاقاهم سيلٌ
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
[ ١ / ٣٠١ ]
بالقرب من المدينة (^١)، فسلمهم الله تعالى منه.
وفي هذه الجمعة غليت أسعار الحب بمكة فبلغت الربعية الحب اللقيمية بأربعة محلق ونصف والنخلية بأربعة والمصرية بأربعة إلّا ربعًا والدخن والذرة بثلاثة والرطل السمن بسبعة واللحم بمحلقين ونصف. وسبب الغلو عدم الواصل من الجلاب بحرا وإشاعة الفتنة بمصر بين نائبها ونائب الديار الشامية، فالله تعالى يصلح الأحوال ويرخّص الأسعار.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه توجّه قاضي المالكية الزيني عبد الحق النويري إلى فريق الشريف بركات في جهة اليمن بالقرب من جدة لأجل عقد ابن أخيه الشريف شرف ابن السيد قايتباي بن محمد الحسني على الشريفة … (^٢) ابنة السيد عرار بن عجل النموي، وأشاع أن الشريف طلبه، والله أعلم بحقيقة ذلك، واستمر بهم إلى أن عقد لهما (^٣) وحضر عرسهم وعاد إلى مكة بعد نصف شهر.
وفي عشاء تاريخه مات قاضي القضاة الشافعي بمكة المشرفة وناظر المسجد الحرام الصلاحي بن ظهيرة فصُليّ عليه صبح تاريخه عند الحجر الأسود على عادة بني ظهيرة، ونادى له الرئيس فوق ظلة زمزم بألقاب كثيرة على الألسنة شهيرة، وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم ودفن بالمعلاة في تربة سلفه بالحجون في قبر مبتكر بين جده القاضي برهان الدين وأخيه الخطيب فخر الدين بوصية منه، رحمه الله تعالى.
وعُملت له ربعة بالمسجد الحرام صباحًا ومساء وبالمعلاة كذلك ثلاثة أيام وختم له في اليوم الرابع. ووصل لأجله صاحب مكة الشريف أبو نمي ابن السيد بركات الحسني في صبح يوم الإثنين سابع عشري الشهر فحضر الشريف الربعة صباحًا ومساء في المسجد الحرام والمعلاة، وعزّى جماعته الرجال وتوجّه إلى النساء في
_________________
(١) بالأصل: المدرسة
(٢) بياض بمقدار كلمة بالأصل.
(٣) بالأصل: عقد بهم.
[ ١ / ٣٠٢ ]
منزلهن وجَبَر خاطرَ ابن أخيه القاضي محب الدين أحمد ابن القاضي بهاء الدين بن ظهيرة بتطمين خاطره وإعطاء ورقة له من أبيه بالتعزية ووعده بولاية قضاء الشافعية له عوض عمه فانجبر لذلك كثيرا وتشوش عمّاه بسببه.
وموجب ذلك نفور الميت منهما وميله إليه ووصية الشريف به وكان أسند وصيته إليه في حياته وإلى شقيقته الكبرى السيدة سعادة، وجعل الشريف ناظرا عليهما. وذكر أن عليه دينا سبعة آلاف دينار منها ألفان لأخيه بهاء الدين وألف (^١) الشرفي الصلاحي، وأن أملاكه تباع في ذلك وملك الوصي دار جَدِّه بالسويقة. ولم يرض أخواه بذلك وصارا يلازمان الربعة تجملا. وطلع الشريف إلى المعلاة ثلاث مرّات راكبا وصحبته صهره الشريف بساط بن عنقا النموي وجماعة من مماليك أبيه وعسكره وأتباعه وحفدته، وغالب من كان بمكة إذ ذاك من أتباعه.
وفي صبح يوم الثلاثاء ثامن عشري الشهر خُتِم له بالمسجد الحرام وبالمعلاة وأنشد عند قبره الفقيه الأديب الفرضي الشهابي أحمد بن علي الجِبلي اليمني مرثية حسنة مطلعها:
النائبات كثيرة الإنذار … واليوم طالب صرفها بالثار
فشكرها السامعون لها وذرفت أعينهم عند سماعها، وفُرّق على الحاضرين بالمسجد الحرام والمعلاة الريحان والبخور والماورد، على العادة، وتفرق الناس بعد ذلك، وسافر الشريف أبو نمي إلى فريق والده يوم تاريخه واستمر جماعة القاضي وبنو عمه يطلعون له المعلاة صباحًا ومساء مدة جمعة وزيادة نحو شهر.
وفي ليلة الخميس تاسع عشري الشهر مات الشيخ المعمر جمال الدين محمد بن حسان اليمني ثم المكي الدلال بعد ضعف طويل قل فيه نظره، وجهّزه في ليلته شيخ الفراشين نور الدين علي بن أبي الفتح بن بيسق لتربيته له في صغره، وصُلّي عليه في
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
[ ١ / ٣٠٣ ]
صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة، رحمه الله تعالى وأخلف من بعده خيرا. وخلّف ولدين ذكرين دلالين عاقّيْن له، وكان يذكر أنه تربى في دار صلاح عند ملوك بني رسول ورأى عندهم خيرا كثيرا، وبعدهم لازم بمكة جماعة من أكابرها رجالا ونساء وتزوج على عدة زوجات نال من بعضهن دنيا وأذهبها مع كونه حازما في أمره، وطُعِن في شهادته ومنعه بعض الحكام منها. وبطّل الدلالة لضعف حركته فلازم العبادة وجعل الصلاة والطواف له عادة، فختم الله له بخير.
وفي ظهر تاريخه ماتت خديجة ابنة المعلم فخري العجمي زوجة الشيخ عبد الرحمن المرجاني وأم ابنته كمالية زوجة الزيني عبد الواحد بن إبراهيم المرشدي. فجهّزها في يوم تاريخه وصُليَّ عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، ودفنت بالمعلاة في قبر والدها عند عبد الله بن عمر، وشيّعها جماعة من الفقهاء لأجل زوج ابنتها وأخذ العزاء فيها وصحبته أخوها الشهابي أحمد ولم يحضر أخوها الثاني علي، رحمها الله تعالى وإيانا.