في يوم الجمعة ثانيه وصل إلى مكة جماعة من المراكب الهندية الذين وصلوا في هذا العام وأخبروا أنّ مراكبهم وصلت بالرياضة قريب جدة وهم التبري من
_________________
(١) بالأصل: طول.
(٢) بياض بمقدار كلمتين في الأصل.
[ ١ / ٢٣٨ ]
كنباية و (^١) وتباشر الناس بهم وفرح التجار بقدومهم.
وفي ليلة الجمعة المذكورة تجرّأ عليّ قاضي المالكية عبد الحق النويري بقضية مشهورة يخزيه الله بها. وهي أني دخلتُ إلى المطاف الشريف بعد هجعة من الليل لأطوف ببيت الله المعظم المنيف فوجدته يصلي بحجر إسماعيل ﵇ فصليت ما يسره الله تعالى لي ثم توجّهتُ إلى جهة المستجار وصليتُ قريبًا منه بعض ركعات فجاءني القاضي المذكور وأنا بالصلاة ووقف خلفي وصار يسبّني بكلمات قبيحة وألفاظ شنيعة. فلمّا فرغتُ من الصلاة سألتُه عن كلامه وعرّفته بكثرة كلامه وجرْأته عليّ في المحل الشريف فولى عليّ معرضا ولم يكن بالطواف أحد فدعوتُ الله عليه بما أرجو من الله أن يعجل به إليه. فلما أصبحتُ أخبرتُ بفعله بعض أصحابه فأخبره بذلك فحلف وأنكر عليه وحلف هناك ونسب إليّ أني بدأتُه بالقبيح، والله مطّلع على القول الصحيح، ولله در الشاعر الأديب أبي (^٢) عبد الله الفيومي الأريب حيث قال:
قد تجرّى على اليمين فُتَيّ … زاد في فسقه وفي حمقه
وارتضى طبعه الخبيث له … أن تكون اليمين في عُنقه
فيا لله العجب كيف يكون مثله قاضيا على المسلمين مستبيحا لأعراض الخلق وحرمة بيت رب العالمين مع الكذب والأيْمان الباطلة، والأحوال التي كلها عاطلة، فالله تعالى ينتقم منه، ولا يخفف الرحمة عنه، بجاه سيّد المرسلين وآله والصحابة أجمعين.
وفي ليلة تاريخه ماتت المرأة المباركة كمالية ابنة أبي القاسم بن (^٣) الدميري
_________________
(١) بياض بمقدار ثلاث كلمات في الأصل.
(٢) بالأصل: أبو.
(٣) بياض بمقدار كلمتين.
[ ١ / ٢٣٩ ]
المكي زوجة الفقيه عبد الله بن (^١) الطنبداوي أم ولده وغيره (^٢) الحبشية موطوءة القاضي أبي عبد الله محمد ابن الشيخ زين الدين عطية بن ظهيرة القرشي. فصُلّي عليهما بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفنتا بالمعلاة، فالأولى عند تربة الخواجا الطاهر والثانية عند الشيخ الشولي بتربة أسلاف مولاها.
وفي ضحي تاريخه مات الشيخ المحدث عبد الغني الشاعر الريفي الشهير بالأعور ودفن بالمعلاة بالقرب من الحجون، وذُكر بكراماته مع كونه كان يظهر المخلعة والمجون وإنشاد الشعر والشحادة ﵀.
وفي يوم السبت ثاني تاريخه مات الفقيه المبارك شهاب الدين أحمد بن علي الشفتي المكي مؤدب الأطفال بالمسجد الحرام بعد توعكه أزْيَدَ من نصف سنة، فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة.
وفي ليلة الأحد رابع الشهر وصل إلى مكة قاضي القضاة الشافعي كان الصلاحي بن ظهيرة من عند الشريف بركات وهرع الفقهاء وغيرهم للسلام عليه كعادته في الولاية.
وفي يوم تاريخه مات الحاج بلال بن عبد الله الحبشي عتيق الشيخ أبي بكر بن إبراهيم العراقي شيخ البيمارستان المكي، وكان ملازما للطواف وصلاة الجماعة وخدمة ابن سيده البرهاني إبراهيم فخالف عليه فهجره، ولما مرض أدخله البيمارستان فمات فيه، وجهّز في يوم تاريخه وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودفن بتربة مواليه في المعلاة.
وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه مات الشيخ الأصيل زين الدين أبو الفضل ابن شيخنا السيد المعمر أبي اليسر محمد ابن الشيخ أبي الخير بن عبد القوي المكي خادم
_________________
(١) بياض بمقدار كلمتين.
(٢) بياض بمقدار كلمتين.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ضريح السيدة (^١) خديجة ابنة خويلد، ﵂، بالمعلاة فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة في تربة سلفه، وخلف ولدا صغيرا وابنتين إحداهما (^٢) مزوّجة.
وفي يوم الثلاثاء سادس الشهر وصلت من السيد الشريف زين الدين بركات صاحب الحجاز المنيف ورقة للحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر يأمره بمنع النورى علي بن راشد المقرئ بالمعلاة على تربة الأشراف بها تأديبا له لما يتكلم به في أمر قاضي القضاة الصلاحي بن ظهيرة من الإشلاء والتعرض لذكره في الطرقات وغير ذلك، فانقمع لذلك وتوجّه إلى السيد الشريف بجدة، فبلغني أنه لم يؤذن له في الاجتماع به وأقام في (^٣) وبَعُدَ مُدَّة ثم وَاجَهَهُ وأحال أمره على رضاء خصمه، فعاد له إلى مكة وتوسّل بالشيخ عبد الكريم بن ياسين الحضرمي في التكلم معه فامتنع من مواجهته ثم لازمه في الرضا عنه فأظهر الرضا عنه في الظاهر وطلب منه الكتابة بذلك للشريف فامتنع من ذلك وقال الشيخ يُخْبِره بالرضا، فتوجّه ابن راشد للشريف مرة ثانية، فالله تعالى يُصلح الأحوال.
وفي ليلة الأربعاء ثاني تاريخه مات الطفل المراهق أبو السرور محمد بن المحبي أحمد ابن الشيخ العلامة خير الدين أبي الخير بن ظهيرة القرشي بعد توعكه مع أبيه مدة أشهر. فجهّز في صباح تاريخه وصُلي عليه شروق الشمس عند الحجر الأسود على عادة بني ظهيرة وشيّعه جماعة كثيرون ودفن بالمعلاة، وعُزيَ والده في منزله لوجعه، فالله تعالى يعافيه ويعوضه في ولده خيرا وكذلك والدته وجميع محبيه وأقاربه.
وفي يوم الجمعة ثامن الشهر أرسل السيد الشريف بركات إلى مكة يطلب
_________________
(١) بالأصل: السيد.
(٢) بالأصل: أحدهما.
(٣) كلمة سقطت من الأصل.
[ ١ / ٢٤١ ]
محتسبها (^١) الجمالي محمد بن علي بن عوض المواز بشكوى السوقة منه وكذا غيرهم. فسافر في يوم تاريخه إلى الشريف بجدة فبلغنا عزله والأمر بحسابه عند حاكم جدة القائد بدر العراقي وأن الشريف ولي القائد شوفان بن بيشة عتيق جَدِّه السيد بركات بن حسن وهو مسنّ ومشهور عنه عوضه الخير والصلاح.
وفي يوم الأحد حادي عشر الشهر مات شخص رومي اسمه يوسف ويقال إنه مملوك للملك العادل طومان الأشرفي. وكان أوصى من مدة شهريْن أو أقل للشريف بركات بمائة وخمسين دينارا وللقاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر بمثلها وبحجة بمائة دينار وأنه يفرق ثلث ماله وهو أزْيَد من ألف دينار على من يختاره من أهل الحرم وغيرهم. فختمت (^٢) الدولة على بيته وجهّز في يومه وصلي عليه قبل صلاة العصر ودفن بالمعلاة، رحمه الله تعالى.
وفي ليلة الإثنين ثاني تاريخه ماتت المرأة المباركة المعمرة أم الحسين وتُسمى فاطمة ابنة إمام المالكية جمال الدين محمد بن أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن عبد العزيز النويري المكي وعمرها ثمانية وسبعون سنة، فجهزها ابن أخيها إمام المالكية الشرفي أبي القاسم بن أبي عبد الله النويري وصُلي عليها بعد صلاة الصبح ودفنت في المعلاة بتربة سلفها، رحمها الله تعالى.
وفي ليلة الخميس خامس عشر الشهر كسف ربع القمر بعد صلاة العشاء بساعة وانجلى بسرعة وصلّى له الشيخ فتح الله الناسخ صلاة متوسطة مع خطبة لطيفة أداها في ورقة بيده تأدية حسنة بصوته الجهوري وشكر الناس منه أكثر من مستنيبه، وكان تأخر لوجعه عافاه الله. وما علم الناس بوجود الكسوف إلّا في وقته وعُدّ ذلك من الغرائب لكونه في ليلة خمسة عشر بعد عادته بليلة ولم يتفق
_________________
(١) بالأصل: يطلبها محتسبها.
(٢) بالأصل: فختم.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ذلك إلّا في ليلة مات السيد إبراهيم ابن نبينا محمد ﷺ كما رأيتُ ذلك منقولا في … (^١).
وفي ضحى تاريخه وصل إلى مكة المشرفة الشريف ثقبة ابن السيد بركات الحسني صاحب مكة لأجل طواف الوداع والسفر للقاهرة صحبة قريبه الشريف عزار بن عجل النموي بأمر والده، فهرع الأكابر للسلام عليهما على العادة.
وفي يوم تاريخه مات النوري علي ابن نزيل الكرام أحمد بن محمد اليماني الأصل المدني البواب بالمسجد النبوي والده وعمره خمسون (^٢) سنة، فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة على قبر جده لأمه وهي أم الحسين ابنة الشيخ عطية ابن النجمي محمد بن أبي الخير محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي. وكان قدم بحرا الجهاز ابنتين له يريد زواجهما، فتزوج بمكة سرّا فخلفها وزوجة بالمدينة وأربع بنات وذكرا اسمه الجمالي محمد، رحمه الله تعالى وعوضهم فيه خيرا وجبرهم، ويُتّهَم بمعاملات وبيع ومشتروات، فلم يظهر له كثير فائدة إلّا سمنا ونقدا يسيرا.
وفي ظهر يوم الجمعة ثاني تاريخه ابتدأ الملك محمد بن شيخ علي القيلاني الهندي أمين الصدقة المظفر شاهية في قراءة البخاري بالمسجد الحرام بحضرة كاتبه وجماعة من الفقهاء والفضلاء بعبارة صحيحة (^٣) فصيحة، أفاد فيها وأمعن وحقّق ودقّق وحضر الفضلاء.
ووقف في القراءة آخر الشهر على العادة، وطلب مني الإجازة فالله تعالى يتقبّله ويكتب له السلامة في السفر والإقامة، فأجزتُ له وأرسل إليّ مبلغ من
_________________
(١) سقط عنوان المصدر الذي نقل عنه الخبر.
(٢) بالأصل: خمسين.
(٣) كلمة غير مقروءة بالأصل.
[ ١ / ٢٤٣ ]
إحسانه.
وفي مغرب ليلة السبت سابع عشري الشهر طاف الشريف ثقبة وقري الشريف عرار بن عجل وخرجا من باب عزورة (^١) للسفر إلى القاهرة فودعهما جماعة من الأعيان وسافر صحبتهما (^٢) قاضي المالكية بمكة الزيني عبد الحق النويري بسؤاله للسيد بركات والد الشريف ثقبة وتجَوّهِه (^٣) في ذلك بالشريفة أم المسعود ابنة عجل أخت الشريف عرار المذكور. ويقال إنها أخذت له من الشريف خمسين دينارا للإعانة بها على السفر وسألته في الوصية به عند ملك الأمراء بالديار المصرية والكتابة في مساعدته على ابن خصمه القاضي محيي الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات الأنصاري المالكي الذي أخذ الوظيفة عنه، لإشاعة أنه سعى في الوظيفة لوالده من القاهرة فأجيبت (^٤) ثم توقف ملك الأمراء وأحال الأمر إلى الخنكار بالروم لكون خصمه ولَي من هناك فامتنع الشريف من الكتابة له وقال: لا أدخل بين الفقهاء، وبينه وبين خصمه، فسافر إليه، فالله تعالى ينصر خصمه عليه ويأخذه من مأمَنِهِ ويخذله ويريح المسلمين منه، فإنه كثير ضرره وتعدّيه على الناس بالجهل والحمق والفجور وإثارة الفتن والشرور.
ورأيتُ بعض أهل مكة كتب فيه قصة بالشكوى منه وأرسلها لملك الأمراء نائب الديار المصرية صحبة جماعة ولد الشريف مضمونها: الفقراء إلى الله تعالى سكّان الحرم الشريف، وبلد الله المعظم المنيف، يقبّلون الأرض لدى المقر الأشرف العالي، صاحب المفاخر والمعالي، الأميري الكبيري العالمي القارئي الغوثي العتابي الكهفي الملاذي السيدي السندي الملكي المريدي المسددي المظفري كافل
_________________
(١) وهو باب حزورة من أبواب المسجد الحرام.
(٢) بالأصل: صحبتهم.
(٣) كذا بالأصل، ولعله لفظ عامي للدلالة على الاستجاهة.
(٤) بالأصل: فأحبت.
[ ١ / ٢٤٤ ]
المملكة العلية، وملك الأمراء بالديار المصرية، أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، وأيد بدولته السنة الشريفة، وأعزها بوجوده وجعلها مشرقة منيفة، ومتّع بحياته الإسلام والمسلمين، وأحيى به سيرة الخلفاء والسلاطين آمين.
آمين آمين لا يُرْضى بواحدة … حتى [تضاف] (^١) إليها ألف آمينا
ويُنهون أنهم ما زالوا رافعين أيديهم للمواقف الشريفة العثمانية، والصدقات المعظمة المظفرية، شرفها الله تعالى وعظّمها وثبّت قواعد مملكتها حول بيت الله الحرام، وفي ملتزم الذمام، وتحت ميزاب سُحب الأنعام، وفي مواطن الإجابة، بالأدعية الصالحة المستجابة.
ويعرضون على الأعتاب العالية، والرحاب المنيفة المتعالية، أن المتولي لقضاء المالكية بمكة المشرفة البهية، لا يصلح لمباشرة القضاء بها لانقياده لَهواه، واستيلاء الجهل عليه وكثرة خصامه ودعواه لأمور عظيمة، وارتكابه لأحوال غير مستقيمة، قادحة في الدين، مضّرة بالمسلمين.
ويسألون من الصدقات الشريفة، والمراحم المعظمة المنيفة، أن يكشف عنهم هذه النازلة العظيمة، والحادثة الأليمة، فإنه ورد في الآثار، وجملة من الأخبار، أن الملك يُسأل عن عماله، كما يسأل عن عمله وأحواله. وقد أجمع أهل الخير والصلاح، والرشد والفلاح، على بغض المتولي وكراهيته في الله، والثناء على مَن عزله بالقول المتناه، فإنه مشهور بالعلم والديانة، والعفة والنزاهة والصيانة، وقال فيهما بعض الفقهاء، والأدباء النّبهاء:
أتيتَ يا دهر بأمر عظيم … أصْخى به كل ذي علم عليم
الجاهل الناقص ولّيتَه … مَن حُكْمه ما زال حكما سقيم
عزلتَ بحر العلم حِبْر الورى … مَن نُطقه الفصل كدُرّ نظيم
_________________
(١) كلمة سقطت من الأصل سهوًا من الناسخ.
[ ١ / ٢٤٥ ]
أعني الجلالي الذي ما له … مثل على منهجه مستقيم
لا زال والسعد له خادم … ودحض مَن عانَدَه مستديم
وقال بعض المتقدّمين في واقعة حال تصلح أن تكون فيهما بِيَقين:
أقام الترجمان لسان حال … عن الدنيا يقول لنا جِهارا
زمانا فيه قد وضعوا جلالا … عن العليا وقد رفعوا حمارا
وقال آخر في المعنى، وذكر جَدّهُ المَحلّل هنا:
ومن عجب أن الفضالة حرمت … على بَعْلها في مكة وهو الولي
فحلّلها العاري عن العلم إنّه … هو المستعار التيس نجل المحلل
وجيران بيت الله (^١) الشريف، وسكان البلد المعظم المنيف، يكررون السؤال لمولانا ملك الأمراء - حرس الله مهجته، وبسط للأنام معدلته (^٢) - ويتوسلون إليه بوجه العظيم الذي لا يُسأل به إلّا الجنة ويتشفعون لديه بنبيّ أوجب الله قبول شفاعته، وتعظيم مكانته، أن يصون منصب الشرع الشريف، ويولّي ببلاد الله من له عقل ودين وفضل منيف، فإن المتولي الآن ممن سار سيرة وضيعة، وارتكب أمورًا شنيعة، وغرّه جهله بالجاه، وإبلاغ هواه، فالله تعالى يقابله عن ذلك، ويلقيه في أعظم المهالك، ويحمي الإسلام من بقائه في جميع الممالك.
أنْهَوْا ذلك داعين، وللإجابة منتظرين، والحمد لله وحده. وكتب أكثر الصلحاء من المجاورين والمقيمين.
وفي صبح يوم السبت المذكور مات خادم بئر زمزم المعلم أبو الخير بن عبد الله المصري بعد توعكه مدة يسيرة وأوصى أنّ له أخا وزوجة بالقاهرة وزوجة بمكة ودَينًا عليه. وجعل وصيّه شيخ المالكية محمد بن عبد الرحمن الحطاب المغربي
_________________
(١) بالأصل: بيت.
(٢) كذا بالأصل.
[ ١ / ٢٤٦ ]
الطرابلسي - نفع الله به - فجهّزه في يومه وصلّى عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة وعارضت (^١) الدولة وصيّه لغيبة وارثه، فراجع الشريف في أمره فسامحه وسأله الدعاء.
وفي صبح يوم الخميس ثاني عشري الشهر وصل إلى مكة محتسبا لها عوض الجمال محمد المواز ولاه الشريف بركات صاحب الحجاز، وهو قائد كبير مشهور بالعقل والدين اسمه شوفان بن بيسة (^٢) عتيق السيد بركات بن حسن جد المولّي له، فتوجّه إلى المدعى في طريق المعلاة وصحبته الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر فالبسه خلعة هناك على العادة وركب فرسا وعاد إلى منزله بلا طبل وزمر. فتباشر الناس به لبركته وظهرتْ نتيجته في يومه برخص الحب ونزوله عن سعره المعتاد، بحيث بيعت الربعية بمحلقين إلّا ربعًا، وأقلّ من ذلك وأكثر قليلا، فالله تعالى يتمّ ذلك ويزيد في الرخص.
وفي يوم الجمعة ثاني تاريخه أرسل نائب جدة حسين الرومي جماعة لفتح بيت النائب قبله الأمير قاسم الشرواني وضبط ما فيه بحضرة قضاة البلد، فحضروا وفتحوا حواصله فوجدوا فيها كثيرا من التّحَف والأقمشة والسلاح والنقدين، الذهب يقال إن مجموع ذلك نحو لكّين (^٣) فالفضة ثمان شكائر كبار، والذهب سبعة مراطبين (^٤) وكانت (^٥) تحت الأرض ودلَّهم عليها ولده الكبير لخوفه منهم وأن يوجد ذلك خفية بلا ضبط. فضُبط الجميع وخُتِم على البيت وأخرج أصحابه منه بسبب آخر،
_________________
(١) بالأصل: وعارض.
(٢) ورد اسمه سابقًا "شوفان بن بيشة".
(٣) اللّك: عدد يساوي مائة ألف بالهند وغيرها.
(٤) كذا بالأصل: جمع لكلمة "مرطبان" وهو إناء من الفخار، وقد ذكر العز بن فهد في غاية المرام ٢: ٤٤٤ أنّ عشرين ألف إفلوري وُضِعت في مرطبانين، وذكر المحقق (في الهامش رقم ا من نفس الصفحة) إنه مصطلح مكي.
(٥) بالأصل: وكانوا.
[ ١ / ٢٤٧ ]
فتشوّش الناس لهم ولو الدهم، فالله تعالى يُحسن خلاصهم.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشري الشهر طلب نائب جدة أولاد قاسم وعياله وماله النقد، فجهّزوا في يومهم وسافروا إلى جدة، فبلغ الشريف بركات ذلك وكان في طريق جدة فأرسل خيلًا لملاقاتهم وإتيانه بهم فتوجّهوا بهم، فوضع يده على المال وقال: أمر البلاد إلّى وهم في تسليمي حتى يأتي خبر الخنكار. وأنكر نائب جدة فعله بغير مرسوم وقال للأولاد: توجّهوا إلى جدة، فتوجّهوا إليها، وفات الناس غرضه منهم ونزلوا في بيت لهم ويقال إنّ المال معهم.
وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه ماتت المرأة الكامل فاطمة ابنة الخواجا عبد القادر بن أيوب الدمشقي فجهّزت في يومها وصلي عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة بتربة أبيها، وخلفت أخا وزوجا غائبين في الهند وأمّا بمكة. رحمها الله تعالى وعوّضهم فيها خيرا.
وفي يوم الخميس تاسع عشري الشهر وقف الملك محمد بن شيخ علي القيلاني الهندي، أعزه الله تعالى في قراء ته لصحيح البخاري في المسجد الحرام وصرف معلومًا لجماعة حضروا عنده جزاه الله خيرا. وفرّق على الصوفية والفقهاء المقرّرين في مدرسة السلطان مظفر شاه الكجراتي معلوم سنة تاريخه فتضاعف الدعاء له، وعزل بعض الصوفية عن القراءة بمكة لعدم ملازمته للحضور فشفع بعض الأكابر فأعاده، واشترى بيت الخواجا (^١) في القرارة بستمائة دينار وأوقفه على مدرسة موكّله السلطان مظفر شاه. ثم سافر إلى جدة في ثاني تاريخه، كتب الله (^٢) له السلامة في السفر والإقامة.
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل، ولعلها: الزين.
(٢) كلمة سقطت من الأصل.
[ ١ / ٢٤٨ ]