استهل كاملًا في ليلة الأحد.
_________________
(١) كلمة سقطت من الأصل.
(٢) كذا وردت الجملة بالأصل، ولعلها منقوصة.
[ ١ / ١٣٥ ]
وفي صباحه ولد للإمام خير الدين أبي الخير بن أبي السعادات الطبري المكي الشافعي ابنة مباركة -إن شاء الله- سمّاها أم الخير سُتيْت، وأمها ستّ الجميع ابنة الخواجا قاسم المغربي الشهير بالدّبّ نزيل مكة المشرفة، وله منها ولد غيره.
وفي ظهر يوم الإثنين ثاني تاريخه وصل قاصد من عند السيد الشريف بركات من جهة اليمن ومعه جملة أوراق الجماعة من الناس، وصُحبْته أربعة مراسيم لقاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء والمالكي الزيني عبد الحق النويري، اثنان منها للسيد الشريف بركات، واثنان مطلقان لكل واقف عليهما (^١) شاهدتُ مرسوم أولهما المطلق صورته.
في العنوان: الاسم الكريم. مرسوم كريم مطلق إلى كل واقف عليه من المقر الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري الشريفي الزيني أمير مكة المشرفة وشيخ الإسلام الشافعي بها والأكابر والأعيان والحكام الخاص والعام بالأقطار الحجازية أعزهم الله تعالى، بأن يتقدموا باعتماد ما تضمنه هذا المرسوم الكريم والعمل به
وباطنه بالخط الشريف: بسم الله الرحمن الرحيم، الملكي المظفري خائر بك.
المرسوم بالأمر الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري السيدي المالكي المخدومي الأعظمي السيفي خائر بك نائب السلطنة الشريفة بالديار المصرية وما مع ذلك، أعزّ الله تعالى أنصاره، وضاعف اقتداره.
إلى كل واقف عليه من المقرّ الكريم والجناب العالي والمجلس السامي الغالي الأميري والقاضوي والقضاة الكبيرية الشريفي الزيني نائب السلطنة الشريفة بمكة المشرفة والأقطار الحجازية والأكابر والأعيان والخاص والعام وولاة الأمور بمكة المشرفة أعزهم
_________________
(١) بالأصل: عليهم.
[ ١ / ١٣٦ ]
الله تعالى:
نعلمكم أن المجلس العالي القاضوي الكبيري العالمي العَلّامي البليغي المفيدي البارعي المجيدي الأوحدي الأكملي الأصيلي العريفي البديعي قاضي القضاة ابن أبي الليث ابن الضياء الحنفي تغمد الله تعالى روح والده برحمته وأدام نِعَمه. المشار إليه توجّه إلى جهة خدمة الأعتاب الشريفة المقام الشريف الخنكار الأعظم مالك رقاب الأمم، خلد الله تعالى ملكه وسلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه، وعاد إلى أبوابنا العالية من حلب المحروسة وعلى يده مرسوم شريف، مشمول بالخط الشريف، يعود وظيفة قضاء القضاة الحنفية بمكة المشرفة إليه على جاري عادته، ومستقر قاعدته.
ومرسومنا لهم أن يتقدموا بتمكين نائب المشار إليه من تعاطي الأحكام الشرعية وإقامة ناموس الشرع الشريف إلى حين توجهه من أبوابنا العالية وتقْوية يده وشد عضده ومعاملته بكل جميل وكل رعاية، ومساعدته على تنفيذ الأحكام الشرعية وإقامة ناموس الشرع الشريف من غير تهاون في ذلك ولا إهمال.
وليعتمدْ هذا المرسوم الكريم كل واقف عليه وسامع وناظر إليه وليعمل بمضمونه ومقتضاه، من غير عدول عن لفظه ولا خروج عن معناه، والخط العالي أعلاه، والحجة بفحواه، إن شاء الله تعالى.
بتاريخ مستهل شهر صفر الخير سنة خمس وعشرين وتسعمائة. والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
ومرسوم المالكي بمضمونه، وكذا مرسوما (^١) الشريف، وأرسل كل منهما ورقة للشريف والحنفي وورقة لقاضي القضاة الشافعي وورقة لأخيه أبي السرور بنِيابَتِهِ في
_________________
(١) بالأصل: مرسومي.
[ ١ / ١٣٧ ]
القضاء، وكذا لإمام الحنفية شهاب الدين أحمد بن البخاري، ولم يكتب له ورقة، وقال لأخيه العمدة في النيابة ولنائبهما ورقة لولده علي بالنيابة فقط.
فعند وصول هذا الخبر إليهم مع قاصد الحاكم مبارك بن بدر خلع على كل من أخي الحنفي وابن المالكي ثوب صوف عليه، ودقتْ النقارة على بابهما وهنأهما الناس بالولاية، وتألم كثير من الأخيار لعزل القاضيين اللذيْن قبْلهما لكِبَر سِنهما وعلمهما ودينهما، فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويُعينهم.
ووصل مع هذا القاصد عدة أوراق للناس فيها أخبار كثيرة منها غلو الحب بالقاهرة (^١)، بحيث بلغ الإردب بسبعين محلقًا ثم نزل إلى ستين محلقًا، والرطل السمن بأربعة محلقة.
وفي يوم تاريخه وصل الخبر من جدة أن مراكب الهند الأربعة دخلتْها في صباح السبت سلخ الشهر وهي الشاهي الكبير ويوسف التركي وطليعته وبركات الحلبي أربعتهم من كنباية، وظهر ففرح الناس بذلك فرحًا كثيرًا، فالله تعالى يديم أفراح المسلمين ويُرخّص أسعارهم.
وعرض عرْضة حسنة في ثاني يوم دخولهم، ونزل ناخوذة الشاهي حاملًا (^٢) على رأسه بالمصحف الشريف الذي وصل به معه بخط السلطان مظفر شاه صاحب الصدقة العظيمة الواصلة في سنة تاريخه جزاه الله تعالى خيرًا وأمر بوضع المصحف في المسجد الحرام. وقرر في تقدمته الخواجا الأصيل بدر الدين حسن قاوان، وكان في الهند عنده، وقرر كثيرًا من أهل مكة من صدقة مرسل بها في هذا العام، وهي كبيرة جدًا لم يرَ
_________________
(١) بالأصل: القاهر.
(٢) بالأصل: حامل.
[ ١ / ١٣٨ ]
مثلها، ومقدارها نحو من ستين ألف دينار غالبُها لأهل مكة والباقي لأهل المدينة الشريفة. وسمعنا أن غالبها قماش ولاك ونيل (^١)، ويعطي للمقررين ما قُرر لهم وللشريف خمسة آلاف وربطة قماش، والباقي يُبْنَى بها مدرسة بمكة المشرفة ويُجْعل فيها حضور عشرة أنفس كل واحد باثني عشر أشرفية وشيخهم إمام الحنفية، وتدريس لفقه الحنفية يباشره قاضيهم وغير ذلك مما لا يُتحقق، فالله تعالى يتقبل منه ذلك ويجزيه عليه الجزاء العظيم في الدنيا والآخرة. فإن ذلك وقع به عند أهل الحرمين موقعا كبيرا، لما هم فيه من ضيق (^٢) الحال لغلو الأقوات واستمراره مدة طويلة.
وفي ليلة الأربعاء رابع الشهر دخل الجمال محمد ابن الشيخ فخر الدين أبي بكر ابن سليمان الشيخ المكي على زوجته البكر المراهق ابنة الشيخ العلامة بدر الدين محمد ابن أحمد الجناحي (^٣) المالكي الأزهري نزيل مكة في بيت والدها. وبرز في صباحه ولم يُهنِه أحدٌ لاختياره لذلك. فالله تعالى يجعل كلًا منهما مباركًا على صاحبه. ومما قدره الله تعالى عليهما عدم الالفة والمنافع، فأقاما في خصام نحو الشهرين ثم تفارقا، فالله تعالى يُغنيهما من سعة فضله، ويعوض كلًا منهما خيرًا.
وفي يوم السبت سابع الشهر ابتُدئ في تفرقة حب صدقة السلطان (^٤) الأشرف قايتباي على أهل رباطه بمكة، الواصلة بحرًا في عام تاريخه ولها سنين منقطعة، جملته
_________________
(١) النيل: نوع من البهار يؤتى به من الهند والعراق. انظر مفاكهة الخلان لابن طولون ٢: ١٠٢، وربما كان المقصود هنا الأوراق التي تستخرج منها النيلة الصابغة باللون الأزرق.
(٢) بالأصل: ضيع.
(٣) ورد هذا الاسم في الأصل غير معجم.
(٤) بالأصل: الصدقة السلطان.
[ ١ / ١٣٩ ]
ثلاثمائة إردب، أصْرِف منها قدر أربعين إردبا (^١)، والباقي فُرق على أهل الرباط والأيتام وأهل المجمع من طلبة العلم وجملة من الوظائف غير الصوفية (^٢) لكل واحد خمسة عشر ربْعية عن كل شهر مجموع كل شهر ثلاثة وعشرين إردبًا، أعطي لكل واحد عن عشرة أشهر، فارتفق بها كثير من الناس وتضاعف دعاؤهم للواقف والناظر جزاهم الله خيرًا.
وفي مغرب ليلة الإثنين تاسع الشهر وصل إلي كتابٌ من جدة المحروسة أرسله صاحبنا الخواجا الأصيل بدر الدين حسن ابن الخواجا حسين قاوان المكي الواصل من الهند صُحْبة المراكب والصدقة المظفرية، وكان هو غائبًا في الهند في خدمة السلطان مظفر المذكور، مضمونه الإخبار بوصوله إلى بندر جدة في المركب الشاهي يوم السبت سلخ ربيع الثاني، ونزل منه ثاني شهر جماد الأول صحْبة أهل المركب والوكيل على الصدقة الملك محمد بن شيخ بن علي الكيلاني الشافعي والناظر عليها الخواجا صلاح الدين ومعهم المصحف الشريف بخط الملك مظفر شاه محمول على الرؤوس، فلما وصلوا إلى الساحل تلقاهم الأمير قاسم نائب جدة والجمالي محمد بن راجح الوزير بها وقاضيها الجمالي بن ظهيرة والتجار بها وخلق من العامة، فقبلوا المصحف ووضعوه على رؤوسهم ومشوا معه من باب الفرضة (^٣) وهو محمول قدامهم إلى أن وصلوا إلى بيت الوكيل بتهليلة عظيمة وأعلام ومعهم الشيخ عبد الرزاق المساوي وكان وصل معهم من الهند.
_________________
(١) بالأصل: إردب.
(٢) بالأصل: الصوفة.
(٣) باب الفرضة بجدة: هي مخازن الميناء وإدارته كما تدلّ عليه النصوص الكثيرة الواردة في هذا الكتاب. وقد عمرها الفقيه جابر الحارثي سنة ٨٠٦ هـ / ١٤٠٣ م. انظر العز بن فهد: غاية المرام ٢: ٢٦٨.
[ ١ / ١٤٠ ]
وأما الصدقة الواصلة صحبتهم فهي عظيمة لم يُسْبَقْ صاحبها، وهي كلّ لكّ بخمسة آلاف أشر في فمجموعها نحو ستين ألف دينار، منها ستة لكوك ونصف لأهل مكة، وأربعة لكوك ونصف لأهل المدينة الشريفة، غير قماش وبضائع وهدايا للشريف.
تفصيل ذلك لكّان (^١) عن سنتين ماضيتين، عن سنة اثنتين وعشرين والتي (^٢) بعدها، وأربعة لكوك ونصف خدمة لوصول المصحف الشريف. ولأهل المدينة لكّان عن سنتين ماضيتين، ولكّان ونصف خدمة للمصحف. وقُرر في خدمة المصحف بمكة كاتب هذه الرسالة وجعلوا له في كل عام معلوم ستين دينارًا ويوضع في المدرسة التي أمر السلطان بعمارتها بمكة، وأرسل السلطان لكين تَنْكة (^٣) غير الأحد عشر لكًّا يُشْترى بها بيوت وتعمر وتوقف على المدرسة ويُقَرر فيها عشرة أنْفس شيْخهم إمام الحنفية السيد عبد الله البخاري، وعشرة أنفس من الحنفية يدرسون (^٤) بها وشيخهم القاضي الحنفي، وقرر لكل واحد منهم أربعة وعشرين أشرفيًا، وشيخهم ثمانية وأربعين، وعشرة أنفس يقرؤون القرآن وشيخهم إمام الحنفية ورتب لكل واحد منهم اثني عشر أشرفيًا ولشيخهم عشرين (^٥) أشرفيًا، وللداعي عشرة أشرفية.
وكان السلطان اتفق مع الخواجا إبراهيم ابن الشيخ علي الشامي التاجر نزيل مكة وكان بالهند في مشترى دارهم (^٦) المجاورة للمسجد الحرام بجانب باب الصفا التي صارت
_________________
(١) بالأصل: لكين.
(٢) بالأصل: الذي.
(٣) التنكة: عملة فارسية كانت تستعمل بالهند، ذكرها ابن بطوطة في رحلته. انظر دوزي: تكملة المعاجم العربية تعليق النعيمي (مادة: ت ن ك) ٢: ٦٩.
(٤) بالأصل: يدرسوا.
(٥) بالأصل: عشرون.
(٦) بالأصل: دراهم.
[ ١ / ١٤١ ]
إليهم من الخواجا إبراهيم بن الزمن على إعطائه مائة وعشرة قِطَع لكّ، ويجعلها مدرسة، فقام بعض الناس عارض في ذلك وقال: إن البيت اشتراه أخوه ومات وله أولاد، فوقف الأمر ووُضع اللكّ تحت يد الوكيل حتى ينظر المشترى والمشاطر ويتأملهم، فإن كان البيت يساوي ذلك فيشترى وإن كان فيه غبن فاحش فلا يُشترى. وبلغ السلطان أمر اللكّ في العام الماضي وما حصل للناس فيه من النقص فاغتاظ غيظًا عظيمًا وأمر الوكيل أن يبيع العروض التي جمعها ولا يقسم الصدقة إلا ذهبا نقدًا، وعين السلطان، نصره الله تعالى، لصاحب مكة الشريف بركات أيده الله تعالى ستة آلاف أشرفي وهدية تساوي أربعة آلاف أشرفي، الجملة عشرة آلاف وسأل فضله في عدم التعرض للصدقة وأخْذ الثلث منها على عادته وقال السلطان لوكيله: إن سمع الشريف ذلك حمدناه على فعله وإلا لا يُعطى شيئًا وتُخلى الصدقة مرمية ونكاتب السلطان سليم شاه وصاحب مصر ونخبرهم بما وقع ومهما أمر به نفعله، فنسأل الله تعالى أن يُصلح الأحوال ويوفق ما بينهم.
وقُررَ جماعة كثيرون من الفقهاء في هذا العام بواسطة كاتب الرسالة، وأكثر ما يكون لكل واحد إلى المائة، وأقل ما يكون إلى الخمسين والثلاثين. [وكانت المبالغ الكثيرة للصفويين بواسطة الوزير خداوند خان] (^١).
وسُمَي جماعة منهم كاتب هذه الأحرف وابن أخيه وبعض أقاربه وأصهاره وغيرهم من أصحابه بواسطة ذكره لهم في رسالة أرسلها لكاتب الورقة وخاله الشيخ شرف الدين أبي القاسم بن فهد، وقال: كل مَن كان له اسم في القديم يقبض مرتين عن العام وهذه السنة، وأيضًا يقبض حصة في الخيرات العامة التي هي صحبة المصحف
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
[ ١ / ١٤٢ ]
الشريف المتجددة هذه السنة. فالله تعالى يتقبل من هذا الملك فعل الخيرات، ويغفر له السيئات، وينصره نصرًا عزيزًا، ويفتح له فتحًا مبينًا، فإنه انفرد بفعل هذا عن سلاطين زمانه، فصار بذلك أوحد عصره وأوانه، فقد فاض إحسانه على الحرمين الشريفين.
وفي عصر يوم الإثنين تاسع الشهر المذكور وقع في المدرسة الأشرفية خصام بين القاضي الحنبلي محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة والشيخ أبي الفضائل ابن الضياء الحنفي بسبب جلوس ثانيهما على طرف إيوان صغير بجانب أولهما مُعْتَلٍ عليه، فأمره بالنزول إلى جانبه فامتنع من ذلك فقام إليه وجره إلى أسفله، وتكالما كلامًا فاحشًا، فقام إليهما القاضي شرف الدين يحيى ابن القاضي عز الدين بن الفائز بن ظهيرة ومسك ابن الضياء وتوجه به إلى مجلسه فسكن الكلام. ثم بعد الحضور طلب القاضي الحنبلي خصمه بالتوجه إلى القاضي الشافعي، فتواصلا إليه ووقع بينهما خصام بحضرته ثم انفصلا على غير طائل. وانتقد الناس على كل منهما فعله فلا قوة إلا بالله. [والحنبلي شرير سفيه جاهل] (^١).
وفي مغرب ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه ماتت سيدة الجميع ابنة الخواجا جمال الدين محمد بن محمود الفومني، زوجها القاضي عز الدين الفائز بن ظهيرة، ولها معه سنة كاملة إلا يومًا، فجهّزتْ في بيت والدها بالشبيكة، وصلّي عليها بعد صلاة الصبح، وشيّعها الأعيان، ودُفنت بتربة سلفها عند الشيخ الزيلعي، وعُمل لها ربعة صباحًا ومساءً، وختم لها في يوم الجمعة رابع موتها رحمها الله تعالى. وخلفتْ زوجًا ووالدة وأخًا وأختًا شقيقين. وبلغني أنها أشْهدتْ قبل زواجها أنها ليس لها ملك بل جميع الذي معها لأمها، وما ورثتْه من أبيها ملك لأخيها، والله أعلم بحقيقة ذلك.
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
[ ١ / ١٤٣ ]
وفي عصر يوم الجمعة ثالث عشر الشهر ماتت عائشة شقيقة خوند زوجة الأشرف قايتباي زينب ابنة العلائي علي بن خاص بك بعد توعكها نحو جمعة بالحمى. فعمل لها فسقية جانب تربة الأمير تَنِبِك الجمالي (^١) في حضيرة مختص الخادم (^٢) بالمعلاة في يوم وليلة. واستمرتْ في منزلها إلى أن تغيرتْ وأرْوحت، فجهّزت في ظهر ثاني تاريخه وصلّي عليها عند باب الكعبة قبيْل صلاة العصر، وحصل على نعشها بشخانة خفيفة كعادة الخوندات بالقاهرة، وشيّعها جماعة قليلون لبروزهم بنعشها في هذا الوقت وخوفهم من ازدياد الرائحة الكريهة. فدُفنتْ في الفسقية التي أعِدتْ لها، رحمها الله تعالى وخلفتْ ابنة بالقاهرة من الأمير الدوادار وضُبِط موجودها بعد يومين وهو قليل بالنسبة إلى حالها، فإنها تزوجتْ ستة أمراء، مقدمين مات كل منهم معها وورثته، لكن الأروام صادروها وأخذوا منها نحو مائتي ألف دينار على ما يُقال.
وفي يوم الإثنين سادس عشر ضرب النويري علي بن عبد الحق المالكي الجديد الزيني عبدوه ابن الشيخ نور الدين بن ناصر بيده ورمى (^٣) عمامته من على رأسه بسبب أنه تكلم على بعض الرسل الذين أرسلهم القاضي المذكور خلف شخص هرب منه إلى الكعبة الشريفة ولزمها فقال للرسول: أنا أؤدي الخصم للقاضي، فلما توجّه به إليه سبه سبًا فاحشًا ومنعه من الشهادة على بابه. فتشوش كثير من الناس لفعله هذا وجرأته على الخصم وغيره من الناس بالضرب والسب الذي لا يليق فعله لأكثر منه، لكن الولد سر أبيه فالله يهلكهما ويُريح المسلمين من أحكامهما القراقوشية وأفعالهما الطاغوتية والجبروتية.
_________________
(١) هو تنبك الجمالي أمير المحمل المصري سنة ٩٠٣ هـ. انظر العز بن فهد: غاية المرام ٣: ٨٢.
(٢) ذكر في غاية المرام للعز بن فهد ٢: ٥٩٤.
(٣) بالأصل: وأرمى.
[ ١ / ١٤٤ ]
وفي عشاء ليلة الأربعاء ثامن عشر الشهر وصل إلى مكة ميتًا الوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح بن شُمَيْلة الحفيصي الجدي، وكان موته فجأة بخارجها في الليلة قبل تاريخه، وحُمل منها في صباحها فجهّز في ليلته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة وظهرت له رائحة كريهة فصار بعض الناس يُقلّ الرحمة عليه. وشيّعه جماعة من الأعيان ودُفن بالمعلاة في تربة أعدها لشيخه العارف بالله الجنيد بن محمد المشرع اليمني في حياته، ودُفن بجانبه لطلب بركته، نفع الله به وغفر للميت بسببه، فإنه كان كبير العشارين بجدة والمتسبب في الغلاء لأهل مكة لتحكيره لأقواتهم الواصلة بحرًا، وتقتْيره على المتسببين برأ فالله تعالى يسامحه، وإن شَمَتَ به خلق من الناس. وأنشد فيه بعض الشعراء الأكياس:
هلك الكلب فجأة … أيها الناس كبروا
وأشعلا قبره لظى … يا نكير ومنكر
وخلف ابنة صالحة وذكرًا مراهقًا اسمه إسماعيل يغلب عليه البَلهُ وبنتًا بالغًا، فخُتِمتْ بيوته وعُلقت الفرضة السلطانية، وتعطل أهل المراكب الهندية من التنجيل حتى تولى الشريف حمن (^١) وتولى عوضه.
وفي صبح يوم الجمعة عشرين الشهر عُمل له ختم بالمعلاة وتوجه ولده وأولاد أخيه إلى الشريف في جهة اليمن بسببه، فالله تعالى يعفو عنه ويعوضهم فيه.
وفي عصر تاريخه سافر قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة القرشي إلى جدة المعمورة بسبب موسم الهندي ووادَعَه جماعة من الأعيان في منزله وتوجه صحبته ابن أخيه المحيوي ابن القاضي بهاء الدين.
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعله يحيى بن سبيع الذي سيذكر في الصفحة ١٤٧.
[ ١ / ١٤٥ ]
وفي ليلة الأحد ثاني عشريْ الشهر وصلت إلى مكة الشريفتان (^١) أم السعود وبيدح ابنتا (^٢) السيد عجل أختا (^٣) الشريفة أم الكامل زوجة السيد الشريف بركات صاحب عند أختها بفريق زوجها في اليمن وأخبرتا (^٤) بتكلم الشيخ علي العماري الحجاز من صاحب حلي مع الشريف بركات في الصلح بينه وبين عرب القرب عبيد بن يعقوب على إعطاء أربعين درعا وأربعين فرسًا ويرجع عنهم وهو متوقف في ذلك، فالله تعالى يقدر له خيرًا ويُعامله بلطفه فإنه بركة الحجاز على الإطلاق، وملكه بالاستحقاق.
وفي ليلة السبت ثامن عشريْ الشهر ولد لقريبنا الإمام أبي اليمن محمد ابن الإمام أبي السعادات محمد ابن شيخنا قاضي القضاة الإمام محب الدين الطبري المكي الشافعي ولد مبارك إن شاء الله تعالى سماه (^٥) وأمه الشريفة (^٥) ابنة الشريف أبي الخير محمد الحسني الفاسي، فالله تعالى ينشؤه نشأً صالحًا، ويجعله ولد الحياة عالمًا فالحًا.
وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه ماتت المرأة الجليلة زينب ابنة الخواجا محمد بن عبد الرحمن المسيني البصري الأصل المكي بعد وجعها مدة طويلة فجهّزها صهرها زوج ابنتها صاحبنا الخواجا أبو الخير بن عبد القادر ابن فريوات الدمشقي في ليلتها، وصلّي عليها عند باب الكعبة الشريفة بعد صلاة الصبح، وشيعها جماعة من الأعيان ودفنت بتربة سلفها بالمعلاة، وخلفت بنتًا وأخًا وأختًا، وحضر جهازها الشرائف صاحباتها (^٦)
_________________
(١) بالأصل: الشريفتين
(٢) بالأصل: ابنتي.
(٣) بالأصل: أختي.
(٤) بالأصل: وأخبرا.
(٥) بالأصل: وقع تبييض الاسمين في الأصل.
(٦) بالأصل: أصحابها.
[ ١ / ١٤٦ ]
وأمعنوا في جهازها، وما وسع المتقدم في ذلك إلا الموافقة. فالله تعالى يخلف عليهم بها (^١) عمل خيرًا ويُعظم لهم الأجر، ويُجْزل لهم الثواب والصبر.
وفي يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة بولاية يحيى بن سبيع الجدي لوزر جدة عوض عمه الجمالي محمد بن راجح، وأشرك ابن عمه المراهق إسماعيل وجعل عليهم مالًا، يُقال سبعة آلاف دينار وأرسل الشريف معهم قاصدًا لتسلم المال، فدخلا جدة قبل تاريخه وباشرا الوظيفة وهنأهما الناس بها، فالله تعالى يعينهما ويوفقهما لفعل الخير.