وفي ضحى أوله وصل لمكة قاصد يقال له ابن مسلّم البدوي (^٣) وعليه خلعة ألبسها ابن السيد الشريف بركات بن محمد صاحب مكة عند مواجهته له بوادي
_________________
(١) بالأصل: والديه ومحبيهم.
(٢) هنا انقطعت أخبار المؤلف من شهر شعبان سنة ٩٢٧ هـ فلم يسجّل شيئا من أخبار مكة إلى التاريخ الموالي وهو شهر جمادي الثانية سنة ٩٣٠ هـ، فكانت مدة الانقطاع سنتين وعشرة أشهر، وهي الفترة التي كان فيها غائبا عن مكة في رحلة قام بها إلى بلاد الروم (تركيا) وفيها ألّف كتابه "الجواهر الحسان، في مناقب السلطان سليمان بن عثمان" (مخطوط) فقد أتمّه في مدينة بورصا في رمضان سنة ٩٢٨ هـ، انظر تفاصيل ذلك في كتابنا: التاريخ والمؤرخون بمكة ص ٢٠١ - ٢٠٤.
(٣) ورد الاسم بالأصل: "ابن مسلم" وذلك يخالف ما ورد في النص مرارا وهو "مسلم".
[ ١ / ٣٤٨ ]
أكرى (^١) جهة الينبوع، وتوجّه إلى سكن الشريف عرار بن عجل الحسني في بيت الجمالي البوني أمام الحناطين فوجده في عمارته بجانب سكنه فدخل معه إلى منزله وأرسل للقاضي الشافعي المفصول المحبي بن ظهيرة والكمالي بن أبي علي وزير الشريف بمكة فقرؤوا مراسيم (^٢) الشريف وغيرها من الأوراق الواصلة معه وتكتّموها ثم أجهروا النداء بالأمان والاطمئنان حسبما رسم به ملك الأمراء أحمد باشا نائب الديار المصرية والسيد بركات وأنّ البلاد بلاد الخنكار سليمان شاه ابن عثمان. ثم أبطل النداء باسم باشا وأشيع قتل صاحبه العواني إبراهيم البرقماني (^٣) ودفتر داره القاضي زاده العجمي، فخاط الناس في ذلك وماطوا، وكثرت القالات في سبب ذلك. ثم تحقق قتل أحمد باشا لعصيانه، ودُعي له على المنابر وضرب السكة باسمه نحو جمعتين في أوائل ربيع الثاني، وقيام شخص رومي كان في خدمته يقال له محمد بك ودخل معه إلى الحمام في سابع عشر الشهر فهرب منه إلى القلعة فتبعه مع جماعته الأروام إلى بَرّ الجيزة وضيّقوا عليه المسالك حتى ظفروا به فقبض عليه العرب وقتلوه في سابع عشريْ الشهر (^٤). وأطلق الجماعة الذين حبسهم ظلمًا من أرباب الوظائف والتجار وغيرهم ممن جعل عليهم مالا جزيلًا يقال نحو أربعة وعشرين ومائة ألف دينار [٨٣ أ] منهم مدّبر المملكة الأمير جانم الحمزاوي وكان أكبر العالمِين بقتله، وهو المرسل بالقاصد إلى مكة وأخبر الشريف بركات بجملة من أخباره: منها أنه أظهر العصيان، وكاتب الصوفي شاه إسماعيل الخارجي، وسعى في خراب المملكة المصرية، وساعده الجراكسة في قتل الأروام المخالفين له في العصيان.
_________________
(١) بالأصل: أكرة، وهو خطأ صوّبناه، فإن وادي أكرى في جهة ينبع على طريق الحاج المصري، البلادي: معجم معالم الحجاز ١: ١٣١.
(٢) بالأصل: مسراسيم.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) وردت أخبار أحمد باشا ونهايته في أخبار الدول للقرماني ص ٣١٨.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وأن الشريف محرم ابن أخيه السيد هزاع سعى عنده في ولاية إمْرة مكة عوضه وولد يحيى بن سبيع في إمْرة الينبع، وبذلوا له أموالًا جمَّة بقولهم يعجزون (^١) عن أدائها وغير ذلك مما لم يتحقق. وقد ظهر للشريف الفرح بقتله وكفاية مؤونته، وكان ذلك من سعده.
وفي عصر تاريخه أرسل الشريف عرار إلى جدة عبدًا له في طلب نائبها فرحات الرومي مملوك أحمد باشا المقتول ليسمع مراسيم أستاذه، فاجتمع به في ثاني تاريخه.
وأشيع بمكة عدم موافقته في المجيء وقال: تأتيني مراسيمي إلى جدة. ولما سمع بقتل أستاذه شحن (^٢) غرابا في البحر بأمتعته وعبث الأروام في السوق عند شراء القوت لسفرهم، وكانوا يظنون بطش جماعة الشريف بهم لأنّ حاكم جدة توجّه لهم مع جماعة الشريف فرماهم (^٣) الأروام بالبندق وقُتل من جماعة الشريف اثنان ومن الأروام واحد، على ما يُقال، وأنّ الحاكم نادى لهم بالأمان فمكثوا في محلّهم ينتظرون صحة ذلك من جماعة الشريف.
وفي ظهر يوم الجمعة ثالث الشهر وصل عبد الشريف عرار إلى مكة وأخبره بأن نائب جدة لم يوافق على عوده إليه فتوجّه له بنفسه وصحب معه نائب جدة الأمير حسين الرومي المشدّ على عمارة عين مكة الآن فوصلا إلى وادي جدة ولاقاهما بها قاصد أخبرهما بطاعة نائب جدة وأنه مقيم بها، فرجع الأمير حسين منها لعين مكة وتوجّه الشريف عرار لجدة فواجه نائبها وأمره بالتوجّه لمكة ليسمع مرسوم الخنكار، فعاد معه ووصل لمكة في ليلة الثلاثاء سابع الشهر وسكن في المدرسة الباسطية بعد فراغه من الطواف. فلما دخلها قُدّم له قيد من حديد وقالوا له
_________________
(١) بالأصل: يعجزوا.
(٢) بالأصل: أشحن.
(٣) بالأصل: فأرماهم.
[ ١ / ٣٥٠ ]
الشريف بركات رسم به فأجاب بالطاعة ووضعه في رجله بقية ليلته ويومه. ثم إنّ بعض مماليك الشريف ممن كان مترسما على نائب جدة مع الأروام تكلم في فَكّ القيد منه ويراجع الشريف في أمره، فَفُكّ عنه واستمر مرسّمًا عليه في محله.
وفي مغرب ليلة الأربعاء ثامن الشهر عقد القاضي عز الدين بن ظهيرة على ابنة ابن عمّه أم الحسين ابنة قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة طليقة أخيه القاضي جلال الدين بن ظهيرة، وكان في بيت ابن أخي الزوجة قاضي القضاة المحبي أحمد ابن القاضي بهاء الدين أحمد بن ظهيرة الشافعي، وباشر العقد قريبهما قاضي القضاة الحنبلي أبو (^١) حامد ابن الشيخ عطية بن ظهيرة لغيبة الولي القريب أخي الزوجة القاضي بدر الدين بن ظهيرة لأن مذهب الشافعي إذا غاب الولي القريب يكون القاضي مقدّما على الولي البعيد، فعقد بهما على ثلاثمائة دينار مقبوض منها مائتان ومائة منها مقسّطة والمهر مائتا مثقال، ولم يحضر أقارب الزوجين بل ولا ولد الزوج، وأنكر فعل ذلك عليه، وكثرتْ قالات الناس فيه [٨٣ ب] لأخذه زوجة أخيه بسرعة لغرضه فيها وكونه طلّقها طلقة واحدة على عوض بذلتْه له لكراهتها فيه. ويقال إنها كانت مباطنة للزوج الثاني وأنه قال لها: مهما دفعتِه (^٢) له أسَلِّمه لك، فظهر ذلك لزواجه بها (^٣) بسرعة وبذله المبلغ المعين لها، فإنها وأمثالها لم يُدفع لهن (^٤) ذلك وقت البكارة. ونسب زوجها الأول إليها قبائح، نعوذ بالله منها ونسأله الستر والسلامة.
وفي ثاني تاريخه شرعتْ الزوجة في عمل مُهمّ الزواج من المعمول وغيره لأجل الدخول في ليلة السبت حادي عشر الشهر، فقدّر الله تعالى وصول جماعة من القاهرة
_________________
(١) بالأصل: أبي.
(٢) بالأصل: دفعتيه.
(٣) بالأصل: لها.
(٤) بالأصل: لهم.
[ ١ / ٣٥١ ]