استهل في ليلة الإثنين ناقصًا.
وفي يوم السبت سادسه جاءت أوراق إلى مكة وإلى جدة (^٢) بأخبار تفرقة الصدقة المظفرية الهندية على يد وكيلها في يوم الخميس رابع الشهر، فهرع كثير من الفقهاء للتوجه إليها فلما وصلوا الجدة وجدوا جماعة الشريف منعوا الوكيل من التفرقة حتى وصل الشريف من اليمن. وكان قبض جماعة القاضي الشافعي بني ظهيرة وكثير من الأعاجم، فتشوش الناس لذلك وحصل لهم (^٣) بتكلفِهم للشخوص وطلبهم وعدم قضاء حوائجهم، وتوجه بعض الناس في الكتابة له عند باب القاضي الشافعي بجدة فبلغه ذلك فتكلم عليه ومنعه من الكتابة. فصار الناس لا يُخْلونه من المباطنة في المنع وتعليم
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) بالأصل: إلى مكة إلى جدة.
(٣) كلمة غير واضحة بالأصل.
[ ١ / ١٤٧ ]
جماعة الشريف ذلك، وكثر تشويش الناس معه خصوصًا وصار كثير من الفقهاء يتزاحمون في المجيء من مكة ويترددون إلى الوكيل، ويقول لهم: هاتوا لي خط القاضي الشافعي.
وفي يوم الإثنين خامس عشر الشهر وصل من مكة قاضيا القضاة الحنفي نسيم الدين المرشدي والمالكي الجلال الأنصاري وهما منفصلان عن القضاء لطلب استحقاقهما من المخاصمين لهما المتوليَيْن للقضاء عنهما لغيبتهما وحضور نوابهما، وجاء الخبر يوم وصولهما من عند السيد بركات بفتح الفرضة وتعشير الهندي ففرح الناس بذلك وتباشروا بوصوله خصوصًا وقد حصل الصلح بينه وبين أهل حلي عبيد بني يعقوب المشهورين بالقرب وأنهم بذلوا له أربعين فرسًا وثلاثين درعًا وعشرة آلاف دينار، وقصد العود إلى مكة، فالله تعالى يمن بوصوله ويفرج عن المسلمين ما هم فيه من التحير وعدم قضاء حوائجهم.
وفي يوم الجمعة تاسع عشر الشهر وصلتْ إلى جدة قافلة المدينة الشريفة وفيها أميرها السيد باز بن فارس بن شامان من طريق (^١) السيد بركات صاحب مكة المشرفة وتوجه إليه بها من خارج جدة ودخل هو ورفقاؤه وهم شيخ الحرم النبوي قاضي القضاة بالقاهرة كان شرف الدين يحيى بن البرديني الشافعي وصُحْبَته ولده، وقاضي القضاة الشافعي بالمدينة الشريفة الشرفي أبو (^٢) الفتح بن صالح وقاضي القضاة الحنفي شمس الدين بن الخجُنْدي، والشيخ شمس الدين محمد بن عمر وولده، وخادم الحجرة الشريفة عنبر الشجاعي الخازندار، وغيره لأجل الصدقة الهندية الواصلة لأهل
_________________
(١) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٢) بالأصل: أبي.
[ ١ / ١٤٨ ]
المدينة الشريفة الملك مظفر شاه صاحب الأعمال الكجراتية، نصره الله تعالى وأدام أيامه، فتوقف أمرهم حتى يحضر الشريف كأهل مكة، فلا قوة إلا بالله تعالى.
وفي هذه الجمعة فُتِحتْ شُونة الحَب الواصلة بحرًا من ملك الأمراء نائب السلطنة الشريفة بالديار المصرية للتوسعة على أهل مكة وبيعها على سعر الوقت ليرخّص في أسعارهم ومقدارها ألف وثمانمائة إردب، منها مائة إردب صدقة على أهل الحرم الشريف جعل أمرها للخواجا الأجل شرف الدين يحيى ابن شيخ سوق الدهشة الحلبي، فأخّر أمرها حتى توجّه إلى مكة، وبيع كل إردب بأحد عشر أشرفيًا وربع مصاريف، ثم زاد دينارًا آخر، فارتفق الناس به كثيرًا فصار يعطي كل شخص إردبًا واحدًا، فارتفق الناس به كثيرًا (^١) وجعل للسوق في كل يوم عشرة أرادب.
واتفق في هذه الجمعة إرسال الشريف بركات إلى جدة بغلو الفرضة السلطانية التسعير بها حتى يحضر أو يرد ما أخذه بواسطة موت الشخص الرومي الذي خلف حبا وضع يده عليه نائب جدة الأمير قاسم الشرواني لمساعدة ابن أخ له أوصى به عند موته مع ديون ذكرها. فعند وصول الخبر بذلك كاتب الشريف نائب جدة وأركان الدولة بها بأن (^٢) مخلف الرومي يُرد الجماعة الشريف وتُفْتح الفرضة لتفريج الهنود والتوسعة لهم لضيق الوقت عليهم في السفر. ففُتحت بعد رد جواب الشريف.
وفي صبح يوم السبت عشريْ الشهر دخل الشريف بركات إلى مكة المشرفة محرمًا وطاف وسعى وتكلم معه في الطواف بعض المغاربة المبارَكين المجاورين بمكة في أمر تحكير الأقوات بها وأنه ينظر في أمر الرعية فإنه مسؤول عنهم. فرده الشيخ نور الدين بن
_________________
(١) كذا تكررت الجملة بالأصل.
(٢) بالأصل: بأنهم.
[ ١ / ١٤٩ ]
ناصر الشافعي وقال له: ليس هذا محل ذلك، فأنكر عليه الناس ذلك فسكت، وأعجب الشريف فعله وأقبل عليه وسأله الدعاء وقال له الغلاء والرخص من الله وهذا ليس مختصًا (^١) بمكة، ووعده بالنداء وإظهار القوت فنُودِيَ بذلك في شوارع مكة، فقدّر الله تعالى ازدياد الأمر وارتفاع الأسعار خصوصًا الحب، فبِيعت الربعية الحَب المصرية بخمسة محلقة بعد أن كانت بثلاثة ونصف والربعية اللقيمية بستة محلقة، والأرز بخمسة ونصف، والذرة بخمسة، والرطل السمن بثمانية محلقة، والجبن بمحلقين ونصف، والعسل بثلاثة ونصف، واللحم كل رطل بمحلق ونصف ولا يوجد، والراوية (^٢) الماء بمحلقين إلا ربعًا، والقربة بمحلق وربع.
فتشوش الناس لذلك وكانوا يترجوْن الرخص لكن [كان] (^٣) أمر الله قدرا مقدورا، واستمر الشريف بركات بمكة هو وولده الشريف أبو نميْ وثانيهما متوعك وبعض الحكماء يتردد إليه حتى شُفيَ (^٤)، ثم توجّه إلى وادي مر بأرض حسان في يوم الثلاثاء ثالث عشريْ الشهر. ونزل السعر بعدهم بمكة قليلًا، وتكلم جماعة الشريف بجدة مع المسعر على حَب ملك الأمراء ومنعه من البيع حتى يحضر الشريف بركات وينظر في مُوجِبه فامتنع من البيع، وانحصر الناس لذلك وطلعتْ أسعار الحب بجدة، فلا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأحد ثامن عشريْ الشهر دخل إلى جدة أتراك الشريف نحو خمسين نفسًا وأخبروا بوصوله بعدهم فتباشر الناس بذلك.
_________________
(١) بالأصل: مختص.
(٢) بالأصل: الراواية. والراوية: قِرْبة كبيرة من جلد الثور أو الجمل.
(٣) إضافة تقتضيها الجملة.
(٤) بالأصل: شبه.
[ ١ / ١٥٠ ]
وفي صبح ثاني تاريخه وصل ركابة الشريف إلى جدة فنزل في ظاهرها عند صهريج الخواجا محمد بن يوسف القاري في جهة الشام فهرع الناس من أركان الدولة وغيرهم للسلام عليه أفواجًا أفواجًا، وعمل له نُوابهُ هناك سماطًا حسنًا حضره جماعته فقط.
وفي يوم تاريخه مات بمكة الشيخ العالم الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمار النوري الحلبي نزيل (^١) مكة المشرفة وقارئ الحديث بها، من غير وجع سابق، بل تحركتْ عليه دموية فأُدخل المارستان المنصوري في عشية يومه فبات به ليلة ثم مات. فجهّز ضحوة تاريخه وصلّي عليه عند باب الكعبة ودفن على والدته بالمعلاة، وخلف بعض كتب وولدا غائبًا ببلده، رحمه الله تعالى ونفع به.