في صباحه (^٣) توجّه الشريف أبو نمي ابن السيد بركات الحسني صاحب مكة وأخوه الشريف للسلام على أمير الحاج المصري أحد المقدمين جانم الأشرفي [كاشف] (^٤) الفيوم، فاجتمع عنده القضاة الأربعة وقُرئت مراسيم الشريف وغيرها على العادة، وخلع الأمير على الشريفين والقاضي الشافعي ونائب جدة وتكلم قاضي المحمل الشيخ العلامة فتح الدين أبو الفتح محمد بن أحمد الوفائي (^٥) المالكي في الوقوف بعرفة مرتين للاحتياط من جهة رؤية الهلال في الأول قبل تاريخه، فقال له بعض الشافعية:
_________________
(١) سقط الدعاء من النص، وبيّض الناسخ له سطرين ونصفا.
(٢) بالأصل: أنسا عظيما.
(٣) بالأصل: في صباحها.
(٤) كلمة سقطت من الأصل.
(٥) بياض بمقدار كلمتين، أكملناهما من ورود اسمه كاملًا في الصفحة السابقة.
[ ١ / ٢٩٤ ]
العبرة عندنا برؤية مكة، فلازم في ذلك لأجل مذهبه فقال له القاضي الشافعي: الرؤية ليس فيها خلاف، وانفضّ المجلس على ذلك وركب الشريفان (^١) إلى محلهما، والقاضي الشافعي إلى منزله لوجعه ودخل نائب جدة الرومي المسجد الحرام وهو لابس خلعته فخلعها في أثناء الطريق لزهده فيها وتوجّه الفقهاء للسلام على القاضي الشافعي في منزله لتهنئته بالخلعة على العادة.
وفي صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصل جماعة، على ما يقال، سبق من الحاج الشامي، ففرح الناس بهم وسُرّوا بقدومهم وألْبِست الكعبة الشريفة ثوبها الجديد على الثوب العتيق قبل وقت لُبْسها المعتاد، وذلك بإشارة شيخ السدنة وفاتحها الجديد الشيخ عفيف الدين عبد الله ابن الشيخ عمر الشيبي، وقال كانت هذه عادتها القديمة من زمن والده، فخاض الناس في ذلك وماطوا.
وفي يوم تاريخه طلع سعر الحب بزيادة نصف محلق وكذا اللحم والماء، فبيعت الربعية الحب المصرية بمحلقين ونصف والنخلية (^٢) بثلاثة والرطل اللحم (^٣) بمحلقين ونصف والراوية الماء بأربعة محلقة والسمن بثمانية محلقة بزيادة محلق.
وفي ظهر تاريخه … (^٤) أن بعض الأروام جاء بِسُلّمٍ إلى قبة مقام الحنفية وأمر المكبرين لإمامهم بالطلوع عليه والتكبير للصلاة فوقه (^٥)، فأنكر ذلك الشيخ المعتقد نور الدين علي ابن شيخ الشيوخ العارف بالله سيدي محمد بن عراق - نفع الله به وبابنه - وكان في المسجد فوقع بينه وبين بعض الأروام كلام فتركه وتوجّه إلى
_________________
(١) بالأصل: الشريفين.
(٢) النخلية هي ما نُخل من الحب بعد رحيه.
(٣) كلمتان تكررتا بالأصل.
(٤) كلمة سقطت من الأصل.
(٥) بالأصل: فوق.
[ ١ / ٢٩٥ ]
والده (^١) في منزله وأخبره بذلك، فأرسل والده إلى الخواجا شرف الدين الحلبي شاه بندر جدة يقول له: هذه بدعة وكذا صلاتهم في الحجر، وتضرر الطائفون بذلك، وأمره بالتوجه إلى أمير الحاج وإخباره بذلك، فتوجّه إلى الأمير وأخبره بقول الشيخ، فأرسل الأمير نائب جدة الرومي وقال له ذلك، فأمر أئمة الحنفية بالصلاة في مقامهم فقال بعض الأروام: يتأخر الأروام بتأخر الشافعية كذلك (^٢)، فتأخر كل من الشافعية والحنفية في صلاة العصر إلى مقاماتهم، فحصل بذلك النفع للطائفين وسكّنت المتعصبين، فالله تعالى يصلح المفسدين، ويزيل بدع المفسدين.
وفي يوم الخميس ثالث الشهر فُرّقت الذخيرة الشريفة على أربابها في المدرسة الأشرفية سكن أمير الحاج المصري، وكان قبضها هنيا، كل أشرفي بأربعة وعشرين محلقا ويأخذ الخازندار نصف محلق كل أشرفي، واستمر قبضها نحو ثلاثة أيام.
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل إلى مكة أول الحاج الشامي واستمروا ينجَرّون ليلتهم ويومهم مع كثرتهم، ونزل غالبهم وبعضهم دخل البلد وتحرك البيع والشراء في البهار والقماش بعد أن كان البيع جامدا (^٣) ودخل مكة أميرهم المقر الكريم العالي السيفي جان بلاط بن عبد الله الجاركسي نائب السلطنة الشريفة بغزة المحروسة ودوادار المقر الكافلي جان بردي الغزالي كافل المملكة الشامية كان وأمير الركب الشامي في سنة خمس وعشرين أيضًا. فطاف وسعى نصف الليل وعاد إلى الزاهر كعادته فخرج للقائه الشريف أبو نمي وأخوه ثقبة فخلع عليهما خلعة ودخلوا من الحجون بعرضة حسنة ولاقاهم بالمعلاة السيد الشريف بركات والد الرئيس أبي نمي وثقبة وأمير الحاج المصري وأمير جدة حسين بك، فسلم الشريف بركات عليه أمام قبة والده ثم عاد إلى منزله.
_________________
(١) بالأصل: والد.
(٢) بالأصل: بذلك.
(٣) بالأصل: جامد.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وتوجّه أمير الحاج إلى الأبطح للسلام عليه بعد أن وقف في الجبل المنسوب لعبد الله بن عمر ﵃ بالمعلاة ورمى مدافع النفط المزعجة لِيُرِيَه قوته. فعاد الشريفان (^١) أبو نمي وثقبة إلى منزلهما بعد إيصاله إلى محطته بالأبطح ومعهما عسكرهما فرسانا ورجلانا.
وفي ضحى يوم الأحد سادس الشهر فرقت الصرر الشامية على يد حاملها السيفي علي بالي دوادار أمير الحاج الشامي في زيادة دار الندوة من المسجد الحرام بمصلّى القاضي الشافعي بحضرة نائبه ابن أخيه (^٢) محب الدين أحمد بن ظهيرة وهي في صُرَر، فانبسط الفقهاء بها وانشرحوا بقبضها.
وفي ظهر تاريخه تكلم جماعة من أهل الأربطة مع صاحب البلاد الحجازية السيد بركات بن محمد الحسني في الصرف لهم من الصدقة الرومية لضيق الوقت عليهم، فأرسل معهم جماعة إلى الأمين على صرف الصدقة الرومية بالصرف لهم على يد مشائخهم، فإن بعضهم صُرف له بعد تعب كبير ومُنع كثير منهم لغيبته عن خلوته، ففرح الفقراء بذلك ودعوا للسلطان والآمر له.
وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه فُرّق الصر الحكمي والمستجد المحمول من شافعي مصر على يد أمير الحاج المحمل وسلّمَه الشافعي بمكة، فأمر بتفرقته في قبة الفراشين بحضرة نائبه القاضي محب الدين لوجع عمّه، ففُرّق على حكم الربع أزيد من السنة التي قبل تاريخه بقليل، فكثر الكلام على مرسله، فالله تعالى ينتقم منه بعدله.
وفي ظهر تاريخه خطب الخطيب بالمسجد الحرام خطبة السابع من ذي الحجة على العادة وتوقف فيها.
وفي ضحى تاريخه مات الشيخ العلامة شاعر البطحاء أحمد بن الحسين ابن
_________________
(١) بالأصل: الشريفين.
(٢) بالأصل: أخته.
[ ١ / ٢٩٧ ]
العُلَيْف المدنى ثم المكي الشافعي (^١) بعد وصيته لي لغيبة ولده، فجهّزتُه يوم تاريخه وصلّى عليه قاضي جدة الجمال محمد بن محب الدين المذكور بن ظهيرة عند باب الكعبة، وشيّعه جماعة إلى المعلاة ودفن عند الشيخ علي الشولي (^٢) بتربة الشيخ إسماعيل بن أبي زائد، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الثلاثاء ثامن الشهر رحل الناس إلى عرفة كعادتهم. وكانت الوقفة المباركة يوم الأربعاء تاسع الشهر.
وحدثتُ (^٣) بمؤلفي في عام تاريخه بأرض عرفات واسمه" القول المبرور في فضل عرفة والدعاء بها المأثور". وسمعه جماعة وأجزتُ لهم.
_________________
(١) هو أحمد بن الحسين بن محمد المكي المعروف بابن العليف الشاعر (شاعر البطحاء) أديب مكي لازم الشريف بركات ومدحه بقصائد كثيرة وبليغة حتى سُمّي بمتنبي زمانه، ألّف كتاب الدر المنظوم في مناقب بايزيد سلطان الروم) (مخطوط)، انظر مصادر ترجمته في كتابنا التاريخ والمؤرخون بمكة ص ١٧٩ - ١٨٢.
(٢) بالأصل: علي الولي، فقد أسقط الناسخ الشين من الشولي.
(٣) بالأصل: وحد.
[ ١ / ٢٩٨ ]