وفي ضحى يوم تاريخه شرع اليازجي على الرومية بزيادة دار الندوة من المسجد الحرام في محل أوراد الشيخ محمد بن عراق، نفع الله به، وحضره القضاة الأربعة وغيرهم من المستحقين ففرّق الصّرر على أربابها بسهولة مع الأسماء المتفرقة.
وفي ثاني تاريخه فُرقت البيوت وثاني تاريخه أكملتْ تفرقة ذلك مع تسليم معلوم الأربطة لمشائخها وفرّقوها على أصحابها.
وفي هذه الأيام الثلاثة فُرّقت صرر مصر على أربابها كوقف الحنفي والمالكي والحنبلي وغير ذلك، وأوقف صر الشافعي كالحكمي والمستجد
_________________
(١) اليازجي: الكاتب باللغة التركية، محمد أحمد دهمان: معجم الألفاظ التاريخية ١٥٧.
[ ١ / ٤٢٧ ]
للحوالة على البرج والغازية الواصلة مع الركب الشامي كالعام الماضي وفرق في ربيع الأول.
وفي ظهر يوم الخميس المذكور وصل سبق الحاج الشامي وأخبروا بمفارقته من رابغ وأنهم وصلوا من دربهم القديم الذي بطّلوا سلوكه من مدة سبع وعشرين سنة وعجلوا عن عادتهم بيومين. كتب الله سلامتهم وجميع الحجاج من المسلمين.
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه دخل مكّة أمير الحاج الشامي واسمه إبراهيم جلبي الرومي نائب عينتاب (^١) الآن فطاف وسعى وعاد إلى الزاهر وبات بها [إلى] (^٢) الصباح، فخرج لملاقاته أمير مكّة بعسكره فخلع عليه بمفرده على عادته. ولاقاهم أمير الحاج المصري من بين الحجونين وفارقهم من المعلاة، وتوجّه الشريف أبو نمي صاحب مكّة معه إلى محطته بالأبطح ثم عاد إلى منزله وشقّ المسعى بعرضته ثم قلع خلعته وعاد إلى المسجد الحرام وجلس بالحطيم ومعه القضاة الأربعة وأمير الحاج المصري تنم الجاركسي، فقرئت مراسيمه الواصلة صحبته من ملك الأمراء كافل المملكة المصرية الخادم سليمان الخصي الرومي وعدتها أربعة مراسيم.
مضمون أولها الشكر من الشريف أبي نمي ووصيته بالحاج. واثنان يتعلقان بأمير الحاج أحدهما فيه الإعلام بولايته على عادته وإجرائه على عادته وثانيهما يتضمن نظره على المدرسة الأشرفية عوضا عمن كان فيه وهو قاضي جدة كان شهاب الدين أحمد بن علي بن ناصر وهو في الروم لطلب وظيفته. ورابعها يتعلق بالقاضي الشافعي واستمراره على وظائفه من قضاء جدة ونظر المسجد الحرام وغيره.
ثم خلع أمير الحاج على الشريف أبي نمي والقاضي الشافعي والشريف عرار
_________________
(١) وردت الكلمة غير معجمة بالأصل، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) أضفنا حرف الجر ليتمّ المعنى.
[ ١ / ٤٢٨ ]
ابن عجل ودعا لهم وتفرقوا من مجلسهم ووصّل الفقهاء الشريف إلى باب أجياد ثم القاضي الشافعي إلى زيادة دار الندوة وقلع خلعته فيها، كان الله في عونه بجاه سيد المرسلين.
وفي يوم تاريخه كان انتهاء لبس ثوب الكعبة الشريفة الجديد من داخلها الواصلة من القاهرة صحبة أمير الحاج وكان يحضر لبسها كل يوم مع الشيبيين، ثم اقتسموها على عادتهم. وظهر منهم خصام لشيخهم الشيخ إبراهيم بن أحمد بن علي الشيبي ونسبوه لخيانتهم في قطع تعلقهم وعدم إيصاله إليهم مع شبك بعض قناديل الكعبة وغيرها، وشكوه لأمير الحاج ومنعوا ولده الكبير الجمالي أبا (^١) السعود من قبض تعلقهم في الرومية وبدا منهم ومن الخدام جرأة وإقدام على شيخهم وكان بينهم كلمات قبيحة وأحوال شنيعة أنكرها عليهم العُقّال، وباللَّه المستعان.
وفي ظهر يوم الجمعة رابع الشهر باشر الخطبة الخطيب الجديد المحيوي العراقي لأن له ثلثي الوظيفة وكان نائبه إمام الشافعية أبو (^٢) اليمن محمد بن أبي السعادات الطبري باشر الخطبة قبلها لوصول الخبر قبل صاحبها. واختلف الخطيبان في خطبة يوم سبع ويوم عرفة فاتفقا على أن الخطيب عبد الرحمن بن أبي بكر النويري يخطب يوم السابع وشريكه يوم عرفة، وباشر كل منهما ذلك في يومه.
وفي ظهر يوم الجمعة المذكور بالمسجد الحرام أنشدني الشيخ العلامة الأديب زين الدين عبد اللطيف بن إبراهيم الأنصاري الديربي الأزهري نزيل مكّة، أعزه الله تعالى، من لفظه قوله مهنئا لي بقدومي من سفرتي هذه وهي:
قدِمتَ جار الله من سفْرَة … قد أكمدتْ منك العدو المريب
وكنتَ في الغربة خير امرئ … عين ذوي العلم الحسيب النسيب
_________________
(١) بالأصل: أبي.
(٢) بالأصل: أبا.
[ ١ / ٤٢٩ ]
لا يدع إن كنت ابن فهد الذي … قد قلد الناس الجميل العجيب
مُدَوّن التاريخ في مكّة … ومكرم الضيف ومُؤوي الغريب
يا من أبوه العز من قبله … عون ذوي البعد وعون القريب
ألستَ في أم القرى مُسْندا … شيخ الحديث الأوحدي المنيب (^١)
تختبط الأعداء في بعضها … منك وتزكو فرح الحبيب (^٢)
أنت أخذت العلم عن شيخةٍ … كان لها مجد المعالي نصيب
بقيتَ جار الله في مكّة … خير إمام أفْضَلي نجيب
فيك قدوم بر كل الورى (^٣) … وأصبح الجو به ينشر طيب
يا خير مَن بالفضل في وصفه … ثمار أشجار المعاني تطيب
يا ذا الفُتُوات ويا مَن به … يفتخر الأهل ويعلو الصحيب
دُمْتَ سيوف الله مسلولة … لكل مَن كان بغيضا رغيب
فخذ وقار العلم وافخر ولا … تخش كما لا أختشي من رقيب
قد كتب السعد على بابكم … نصر من الله وفتح قريب
وفي يوم الأحد سادس الشهر وصل لمكة حجاج الشرق والبصرة ووقع بينهم قتال مع أهل نخلة وقُتل بعضهم وجُرح آخرون، ونُهب قماش الحاج.
وفي ليلة الإثنين ثاني تاريخه فُرقتْ الصرر الشامية في زيادة دار الندوة من المسجد الحرام بحضرة قاضي القضاة الشافعي وحاملها قاضي محمل (^٤) الشامي وشخص رومي جاء قبل تاريخه، ورفقته الشمسي محمد السكندراني فوصلت الأوقاف كاملة وهي الصندوق القديم والمعتصرة وخربة روحاء ووقف سيدي
_________________
(١) كذا وردت الكلمة بالأصل.
(٢) كذا ورد عجز البيت بالأصل.
(٣) كذا ورد صدر البيت.
(٤) بالأصل: محمد.
[ ١ / ٤٣٠ ]
وبطران. وتأخرت تفرقة الأخير بعد الحج. وكتب أهل مكّة محضرا بالثناء على ناظرها.
وفي يوم تاريخه وصل حاج اليمن من البر صحبة الشيخ المعتقد عفيف الدين عبد الله بن مرزوق كعادته. وخطب خطبة السابع بعد الظهر الخطيب عبد الرحمن النويري وتوجّه الحاج إلى عرفة في اليوم الثامن.
فكانت الوقفة المباركة بالأربعاء والحج هنيء والأسعار متحسنة بحيث بيع الكبش بدينارين وأزيد وأقل وأما البطيخ والفاكهة واللبن فغالٍ.
ونفر الناس من عرفة بخير، لكن وقع بين جماعة أمير الحاج المصري والشامي هوشة تضاربوا فيها بالحجارة لتقدم. . . . (^١) أحد المحملين، فكف أمير المصري جماعته وقدم محمل الشامي فانحسمت مادة الشر ولله الحمد. وبات الحاج بمزدلفة إلى الصباح وتوجّهوا إلى منى ونزل أمير الحاج المصري لطواف الإفاضة وحضر كسوة الكعبة الشريفة من خارجها مع بني شيبة كعادتهم، وعادوا إلى منى وأقاموا بها ثلاثة أيام ونفر غالب الناس في الأول بعد توقفهم من أجل. . . . (^٢) أمير مكّة الشريف أبي نمي في يوم تاريخه أن لا يرحل أحد إلى مكّة إلّا في اليوم الرابع ذلك خاصا بعسكره لأمور تتعلق به وقصده السفر بهم إلى جهة الشرق لغزو بعض العرب، ثم نأى عن ذلك إلّا بعد سفر الحاج وتأخر هو وإياهم إلى اليوم الرابع.
ونزل المحمل المصري من منى في ليلة الرابع وأميره مع بقية الحاج والشريف وعسكره في صبح تاريخه وحط الركبان المصري والشامي عند باب المعلاة لقرب من بعضهم وأقام الحاج المصري إلى ليلة الأربعاء سادس عشري الحجة ثم رحل وتلاه
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
(٢) كلمة غير مقروءة بالأصل.
[ ١ / ٤٣١ ]
بقية الحاج في يوم تاريخه وتأخر أميرهم إلى الصباح. وسافر مع الحاج جماعة من أهل مكّة ومُنِع آخرون منهم القاضي أبو البقاء ابن القاضي عفيف الدين بن ظهيرة القرشي لتخيّل الشريف أبي نمي منه لصحبة عمه الشريف أبي الغيث، ويقال لتخيّل قريبه القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة للسعي عليه في وظيفة القضاء بمكة. وكان اكترى وحمّل جماله فأرسل إليه الشريف وطلبه فواجهه بالمنع. وأما غيره كالحنفي المتولي القاضي بديع الزمان ابن الضياء والخطيب عبد الرحمن النويري فبالإشاعة من غير تحقيق. ومن المسافرين الزيني عبد الرحمن ابن القاضي نور الدين علي بن ناصر الشافعي والمحيوي عبد القادر ابن المعلم علي بن المزين والجمالي محمد ابن الفقيه عبد الله الخرفان مكبر الحنفية وكتب له محضر بالثناء عليه. وأما الأولان فخفية كما أشيع ذلك، والله أعلم بما هنالك.
وفي يوم تاريخه فرّق قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة صدقة قماش من شاشات وبيارم ومناديل عال وصلتْ من الشرق مع جنازة قاضي بلاد اللار (^١) من العجم ودفن بالمعلاة في أيام. . . . (^٢) وأوصى بها لأرباب الوظائف كالقضاة الأربعة وأئمة المسجد الحرام والخطباء وفاتح الكعبة، وحصّل كل قاض سبع قطع منها والأئمة ستة وكذا الخطباء وفاتح البيت الشريف، ووصلت معها دراهم تفرق على أهل مكّة تسلمها القاضي الشافعي وقدرها أربعمائة دينار ذهب صكة بلاده، صرف كل دينار ثلاثة أشرفية وثلث، مجموعها ألف وثلاثمائة وثلاثون أشرفيا. وأضيف إليها ما وصل من بلاد حلب مع أمير الحاج الشامي وقدره ألف وخمسمائة أشرفي. وفُرقت في يوم الإثنين حادي عشري الشهر على الأعيان وأرباب الوظائف وغيرهم من أهل البلد والغرباء، فأعطي لكل قاض متول ومعزول أربعون أشرفيا ولكل نائب
_________________
(١) بلاد اللار من العجم، جزيرة كبيرة قرب سيراف. ياقوت: معجم البلدان ٥: ٧.
(٢) كلمة غير مقروءة بالأصل.
[ ١ / ٤٣٢ ]
عشرون وكذا فاتح الكعبة ولكل خطيب سبعة وعشرون ولكل إمام أربعة عشر، وبقية الناس على حسب اختيار المقسّم، وأعطاني منها ثمانية أشرفية وللأخ ستة ولبقية الناس أكثر من ذلك ودونه، وسخط بعض الناس منه وردّ عليه جماعة ولم يلتفت لهم، ولله الأمر.
وممن سخط عليه فاتح الكعبة الشيخ إبراهيم لعدم إعطائه حصة الخدام ليفرقها عليهم كعادته بل أعطاها لأحدهم ممن ارتضوه لأنفسهم. وترك شيخهم سدْل ثياب الكعبة نحو ثلاث جُمَع ثم سَدَلها في ثامن المحرم.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريْ الشهر سافر حاج الشامي جميعه وكانت إقامته بمكة ثمانية عشر يوما كحاج المصري وابتهجوا بالبيع والشراء وخدم حاج الشامي أميرهم بمبلغ لأجل تأخرهم ليبيعوا ويشتروا كعادتهم.
وفي يوم تاريخه سافر من مكّة أميرها الشريف أبو نمي بعسكره للتوجّه إلى جهة اليمن ونزل في وادي الآبار (^١) نحو مرحلتين من مكّة. ورافق حاج الشامي قاصده إلى الروم القائد شهاب الدين أحمد بن محمد بن نصر الحسني ليتوجّه إلى ينبع ويرافق منها الحاج المصري بعد زيارتهم ومعه هديتهم للخنكار ملك الروم، يقال قدرها نحو لاكٍ من المال منها ثلاثون ألف نقدا (^٢) وسبعون ألف عروضا (^٣) من البهار والقماش، فالله تعالى يصرفها بالقبول، ويبلغ صاحبها غاية السول والمأمول، ويكتب سلامة المسافرين، ويردّهم إلى أوطانهم سالمين، بجاه سيد المرسلين.
وفي ليلة الأربعاء ثاني تاريخه ماتت السيدة الكبرى الأصيلة المعمّرة الجليلة أم الخير واسمها شقراء ابنة أقْضى القضاة جمال الدين محمد ابن القاضي نجم الدين محمد بن أبي البركات محمد بن أبي السعود بن ظهيرة القرشية المكية والدة القاضي أبي
_________________
(١) وادي الآبار: يقع جنوب مكّة في طريق اليمن على مسافة ٩٠ كلم.
(٢) بالأصل: نقد.
(٣) بالأصل: عروض.
[ ١ / ٤٣٣ ]