استهلّ كاملا بالأحد. في صباحها اجتمع السيد الشريف بركات سلطان مكة المشرّفة وابن سلاطينها وولده الشريف أبو نميّ أمير مكة المشرفة وقاضي القضاة
_________________
(١) كُداء: ثنية بمكة بين الحجون وقعيقعان. وكَداء -بفتح الكاف- وكُدّى، وكُدَىّ وجميعها بمكة. عرّفها وبيّن مواقعها البلادي في معجم معالم الحج ٧: ١٩٦ - ٢٠٣.
[ ١ / ٩٧ ]
الشافعي وناظر المسجد الحرام الصلاحي بن ظهيرة ونائب جدة الأمير قاسم الشرواني وغيرهم من التجار والأعيان عند أمير الحاج الزيني بركات بن موسى ناظر الحسبة الشريفة بالديار المصرية وغير ذلك للتهنئة للشهر على العادة. فتكلّم الشريف على نائب جدة بحضرته وتهددّه بأمور كثيرة بلغَتْهُ عنه، فلم يردّ له جوابا، وإنّما قال له: إيش قصْدك يا شريف؟ فقال له: قَصْدي قطْع رقَبتِك وإراحة المسلمين منك، فقال له: لو كان اليسق العثماني (^١) النائب يسافر من محلّ نيابته بلا طلَب من السلطان كنْتُ سافرْتُ من بلَدك! فتكلم أمير الحاج في الصلح بينهما فاصْطلَحا بعد ذلك، وخلع وخلع أمير الحاج على كلّ من الشريف وولده ونائب جدة والقاضي الشافعي كالعادة وتوجّهوا إلى منازلهم.
وفي يوم الثلاثاء ثالث الشهر فرّق أمير الحاج الذخيرة الشريفة بسكنه مدرسة الأشرف قايتباي بحضرة قاضي القضاة الشافعي والخواجا شمس الدين ابن شيخ سوق الدهشة الحلبي، وذلك بإشارة ملك الأمراء خائر بك المظفري نائب الديار المصرية، وأنّه من المقرّبين عنده، وكانت تفْرِقَتُها هنيّة، أصرِف كل دينار ثلاثة وعشرين مُحَلّقًا على العادة، وأكْمِلتْ تفرقتها في ثاني تاريخه.
وفي يوم الخميس خامس الشهر وصل سْبق الحاج الشامي فتباشر الناس به بعد إياسهمْ منه، وكان وُصُولُه على التجّار من الفرَج بعد الشدة.
وفي صبْح يوم الجمعة ثاني تاريخه توجّه الشريف بركات زعيم الحجاز لملاقاة أمير الحاج الشامي وولده الشريف أبو نمي وهو دوادار نائب الشام المقرّ الكافلي
_________________
(١) اليسق العثماني: كلمة تركية معناها: قوانين التعامل الاجتماعي والسياسي والإداري مع الدولة. وأصل الكلمة كما ذكره المقريزي في الخطط أن جنكيز خان لمّا غلب على الحكم قرر قواعد وعقوبات في كتاب سمّاه "ياسا" وهو الذي يسمّى "يسق" كانت منه نسخة في المدرسة المنتصرية. الزبيدي: تاج العروس مادة (ي س ق) ٧: ٩٧. وأصبحت كلمة "يساق" تعني الممنوع في بلاد شمال إفريقيا. ولعل في الجملة الواردة في نص الكتاب كلمتان سقطتا لتكون الجملة مستقيمة كما يلي "لو كان النسق العثماني يُجيز للنائب أن يسافر".
[ ١ / ٩٨ ]
جان بردي الغزالي المسمى أصلان (^١) ورفيقه استدار نائب الشام عماد الدين إسماعيل ابن الأكرم العناني وهو حركة أمير الحاج وليس له حركة إلّا به. فلاقوْه في الزاهر على العادة وليس كل منهما خلعةً ومشوا معه إلى محطته في الأَبْطح، وعاد الشريف وولده إلى منزلهما ومعهما جميع عسكرهما.
وفي صبح يوم السبت سابع ذي الحجة الحرام فُرقتْ الصرَرُ الشامية عند مقام الحنفية بحضرة ناظِرها الشيخ العلامة مفتي المسلمين أقْضَى القُضاة تقي الدين أبي بكر ابن محمد بن يوسف القاري ثم الدمشقي الشافعي، متّع الله بحَياته، وأدام النفعَ به وبركاته، وكتبَ له السلامة، في السفَر والإقامة. وقد وصل صحْبة الركب الشامي وحضر تفْرقة ذلك قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام الصلاحي بن ظهيرة الشافعي، أجلّه الله تعالى، وكثير من أعيان الفقهاء، فقبَضَ الجميع عن سنتين ماضيتين وهما سنة اثنتين وعشرين والتي تليها، لكون الحاج الشامي لم يطلعْ فيها، فحصل جبْرُ أهل مكة بذلك وتضاعف دعاؤهم للناظر وملك الأمراء نائب الديار الشامية لهمّته في ذلك وذمّوا المصريين لتساهلهم في صرْف استحقاقِهم وكوْنهم وصَلوا قبل الشاميين ولم يفرقوا الحكمي والمستجدّ (^٢) وتأخيرهم في صرف أوقاف بقية القضاة الثلاثة بمصر، والعادة يفرّقون (^٣) عند وصول الحاج.
وفي ظهر تاريخه خطَب الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النّويري خطبة السابع ولم يُشْكَرْ فيها وكان غائبًا عن مكة في الشام مدة ثلاث سنين متوالية. ووصل صحْبة الركْب عام تاريخه متوليًا لاستحقاق عمّه في الخطابة وهو الثلثان، وله
_________________
(١) جان بردى الغزالي المسمى أصلان أمير الحاج الشامي: انظر تفاصيل أخباره التي عرضها ابن إياس في الجزء الخامس من بدائع الزهور، ارجع إلى الجزء الأول من فهرس الأعلام ص ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٢) الحكمي والمستجد: وقف يصل ريعه إلى أهل مكة من الشوافع كل سنة، وهو يعود إلى العصر المملوكي ثم استمرّ في بداية عصر العثمانيين.
(٣) بالأصل: يفرقوا.
[ ١ / ٩٩ ]
قبْل ذلك السدس، وعجِب أهل مكة من تأخير الخطابة له مدّة غيبته مع كثرة طالبيها والساعين فيها ومعرفتهم بتقصيره عن القيام فيها لعدم فضيلتِه، لكن ذلك لأمر يريده الله، وكان أمر الله قدَرًا مقدورا.
وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه فُرِّق صَرّ الشافعي بمصر المعروف بالحكمي على يد مباشر أمير الحاج المصري المسمى .. (^١) صهر المقرّ الشهابي بن الجيعان في منزل قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وتأخرت (^٢) تفرقته بالمسجد لضيق الوقت وكانت رسالته مفقودة لكون المباشرين بمصر غفلوا (^٣) عن إرسالها صحبة أمير الحاج ثم أرسلوها بحرًا صحبة الإمام جمال الدين. المدعو عبد البر الطبري فوصل إلى ينبع ثم ركب في البر إلى مكة فدخلها يوم سابع ذي الحجة فاطمأن خاطر (^٤) أهل مكة بوصول الرسالة صحبة الإمام عبد البر الطبري، وأخّرَتْ تفرقة المسجد إلى منى لضيق الوقت.
وفي صباح ثاني تاريخه صعد الحاج إلى عرفة وأقاموا بها إلى الغروب، وكانت الوقفة المباركة بالإثنين تاسع الشهر، والحج هنيا، مع وجود الغلاء في جميع الأقوات، بحيث بِيعَ (^٥) الرطل السمن بعشرة محلقة والكبش بدينار وأكثر من ذلك والبطيخ الأخضر كل واحدة قيمتُها نحو ربع دينار وأكثر، والشكْوة اللبن الصغيرة بقريب دينار. فقاسي الحاج من ذلك شدة، أزالها الله بوجود الأمن والبركة.
ووقف أمير الحاج المصري والشامي ومحملهما تحت الجبَل في الموقف الشريف
_________________
(١) بياض بمقدار كلمتين بالأصل
(٢) بالأصل: وتأخّر.
(٣) بالأصل: غلقوا.
(٤) بالأصل: حاضر.
(٥) بالأصل: أبيع، وقد أصلحناه وأصلحنا غيره مثله في النص، ولعل ذلك من عامية أهل مكة في ذلك العصر.
[ ١ / ١٠٠ ]
على العادة، وصحْبَتهما سلطان البلاد السيّد بركات وولده الشريف أبو (^١) نمي وإمام الموقف قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وجميع الخلق. واستمروا واقفين إلى الغروب ثم نفروا مسْتجابي الدعاء إن شاء الله سالمين غانمين فرحين مستبشرين بالغفران ودخول الجنان. ودفعوا إلى مزدلفة وباتوا بها إلى الإسْفار ثم دخلوا إلى منى في يوم الثلاثاء عاشر الشهر وعَيدُوا بها. وعمل أمير الحاج المصري حرّاقة نفط عظيمة وفرّق على المتفرّجين لها عِلَب حلوى وسكرًا مُذابًا، ولم يُعهَد فعل ذلك لغيره، ورموا بها جمرة العقبة، وتوجّه أمير الحاج المصري والشامي وغيرهما إلى مكة وألْبسوا الكعبة الشريفة ثوبْها على العادة وطافوا وسعوْا ثم عادوا إلى منى وأقاموا بها ثلاثة أيام.
وفي يوم الثاني من تاريخه فرّق أمير الحاج المصري صرّ أهل مكة المستَجدّ في منزله.
وفي يوم الخميس ثاني عشر الشهر كان النفر الأول ورجع الخلق إلى مكة إلا اليسير، على العادة، وتأخر أميرا (^٢) الحاج المصري والشامي وركْبهما إلى النفر الثاني، ثاني تاريخه على العادة.
وفي يوم الجمعة المذكورة ثالث عشر الشهر سافر الحاج المصري من مكة.