وكان الهلال خفيًا ورآه بعض الحاج في ليلة الخميس وذلك يدل على أن رؤية
_________________
(١) هو أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن البكري الصديقي المصري الشافعي (ت ٩٥٢ هـ / ١٥٤٥ م) اشتهر بالعلم والصلاح وحسن الخلق وكانت صلته بمكة وأهلها كبيرة، ذكرته أغلب كُتب تاريخ مكّة. انظر مصادر ترجمته في معجم المؤلفين ٧: ٢٠٨.
(٢) بالأصل: وذكروا الحاج.
(٣) اليرق = اليراق: السلاح، وقد يستعمل لتجهيزات السفر. محمد أحمد دهمان: معجم الألفاظ التاريخية، صفحة ١٥٧.
[ ١ / ٤١٨ ]
الهلال كانت قبله بالأربعاء. وتوقف بعض الناس في ثبوته ليلة تاريخه، ويحصل بذلك ضرر حالٌ في الوقفة الشريفة. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه العظيم.
وفي صبح يوم الجمعة شرع الأروام في تقسمة المبرة الرومية الواصلة من الحضرة الشريفة السليمانية الخندكارية العثمانية، خلّد الله ملكها، وأدام دولتها، وذلك في زيادة باب إبراهيم في الجهة الغربية أمام رباط الخوزي بالقرب من القصر مسكن الأمناء في عام تاريخه. وجلسوا لها جميع النهار حتى أكملوا الصرّ.
وفي ثاني تاريخه شرعوا في البيوت واستمروا خمسة أيام حتى قسموا الأربطة في اليومين الأخيرين وداروا بأنفسهم عليها وأعطوا المبلغ مشائخها. وحصل في مجلسهم أول يوم تخاصم بين قاضي الشافعية المحبي بن ظهيرة وقاضي الحنفية بديع الزمان ابن الضياء بسبب قبض ثانيهما معلوم نظر المسجد الحرام والمنّ الزيت المرتب فيه وقدره ثلاثون دينارا، وترافعا إلى صاحب مكّة فلام الحنفي لسعيه على وظيفة الأول في النظر وقضاء جدة والموقف بعرفة، فقال له إنه تعدى عليه ومنعه من وصية الخواجا الحياني (^١) واستولى على تركته وأنكر عليه ذلك. ويقال إن الشريف وفق بينهما في رد الوظائف، ولم يتحرر صحة ذلك ومنع الحنفي من مباشرة النظر على المسجد الحرام والموقف كما سيأتي.
وفي صبح يوم الجمعة ثاني الشهر توجّه الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري إلى صاحب مكّة السيد أبي نمي وأراه مرسومه بعود جميع الخطابة إليه وعزل المحيوي العراقي عن ثلثها، فكتب له الشريف استمراره فيها وسأله الخطيب في أخذ الأعلام من المفصول فأمره بأخذها منه، وبلغه ذلك فأراد الاجتماع بالشريف فلم يأذن له.
وتوجّه الخطيب عبد الرحمن إلى نائب جدة مصطفى الرومي وذكر له امتناعه
_________________
(١) وردت الكلمة بالأصل غير معجمة والإعجام مقترح.
[ ١ / ٤١٩ ]
من إعطاء الأعلام فأرسل لخصمه وطلب منه الأعلام فتوقف في إعطائها وأراه مرسومه، فقال له: تاريخ مرسومك مقدم وتاريخ مرسومه مؤخر على مرسومك وأمره بإعطاء الأعلام للمتولي فوعد وقام من المجلس فأرسل له أربعة أنفار (^١) لأخذها منه فكان الجزاء من جنس العمل. فإنه أخذها من الخطيب القديم بالدهلكي صبي الحاكم بعد إعطاء مبلغ له نحو عشرة أشرفية كما تقدم ذكره.
وباشر الخطيب عبد الرحمن الخطابة يوم تاريخه فكان مشهدا عظيما بحيث إنّ العامة تهالكوا على التبرك به وبأعلامه من المسجد إلى منزله، ووقع بفعل ذلك اعتبار لمن اعتبر، فإن العراقي تعدى على الخطيب عبد الرحمن في أخذ خطبته يوم العيد وهي في. . . . (^٢) وانتزاعه عنه في يوم عرفة فحرمه (^٣) الله تعالى خطبة هذا اليوم وهو خاص به من غير نزاع، ومُكّنَ خصمه من جميع الخطب. فسبحان الفعال لما يشاء ويريد. وفرح كثير من الأخيار لعود الخطابة لصاحبها القديم وهنؤوه بذلك، فالله تعالى يكفيه شر خصمه ويجعلها خالدة تالدة في نسله كما كانت مع سلفه.
وفي صبح يوم الأحد رابع الشهر أوكب الشريف أبو نمي صاحب مكّة من منزله ومعه عسكره ركبانا ورجالا بالسيوف والرماح حتى دخل إلى المسجد الحرام ووقف غالب العسكر محتاطين بحاشية المطاف بأسلحتهم ودخل هو إلى الحطيم وجلس فيه ومعه القضاة الثلاثة ما عدا الحنفي ثم جاء هم أمير الحاج المصري تنم مشد الشون وصحبته قليل من جماعته ومعه الخلع والمراسيم. فقرئ في المجلس خمسة مراسيم اثنان للشريف بالثناء عليه والتوصية بالحاج وثالث لأمير الحاج ورابع للقاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة باستمراره وخامس للشريف عرار والوصية بكل
_________________
(١) بالأصل: انفا.
(٢) كلمة غير مقروءة بالأصل.
(٣) بالأصل: فأحرمه.
[ ١ / ٤٢٠ ]
منهم.
ثم بعد الفراغ لبس الشريف والقاضي خلعا وتوجّه الشريف إلى منزله والخلق أمامه والقاضي الشافعي إلى جهة الزيادة والفقهاء أمامه وخلع الخلعة وتوجّه لبيت الشريف لتهنئته، وأبْطلت العادة في قراءة المراسيم أول الشهر في منزل أمير الحاج. ويقال ذلك لتخيّل الشريف منه لكلام بلغه عن نائب جدة مصطفى الرومي، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي صبح يوم الثلاثاء سادس الشهر وصلت لمكة قافلة المدينة الشريفة وفيها جماعة من أهلها منهم قضاتها الثلاثة ما عدا الحنفي فكان بمكة من قبل تاريخه وجاءه خبر عزله بخصمه خضر الرومي ووصل صحبة الحاج الصامهري (^١) الرومية في آخر يوم تاريخه ومُنع الباقون إلى منى فقبضوا فيها غالب تعلقهم.
وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه دخلت لمكة قافلة الشيخ عبد الله بن مرزوق من حج اليمن في البر وهم كثيرون. وتتابع حاج الشرق وفيهم سلطانهم الجديد وهو الشيخ راشد بن مغامس بن صقر بن محمد بن فضل. . . . . (^٢) سلطان البصرة والحسا والقطيف ورفقته نحو خمسة آلاف نفس على رواحل وبركوا في الأبطح على عادتهم. وكانت ولاية سلطانهم للشرق في سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة (٩٣١ هـ / ١٥٢٥ م) وكان بالبصرة فاستعان به الباقي من بني جبر لضعف حالهم وقوي عليهم وأخذ منهم الحسا والقطيف وأعمالهما، وذلك لما استولى الفرنج المخذولون (^٣) على بلدهم وقتلوا سلطانهم الشيخ مقرن بن زامل بن أجود بن زامل بن حسين بن ناصر الجبري في سنة سبع وعشرين وتسعمائة (٩٢٧ هـ / ١٥٢١ م). ثم وليها بعده عمه علي بن أجود نحو شهرين فأخذها منه ابن أخيه ناصر بن محمد بن
_________________
(١) كذا وردت الكلمة بالأصل.
(٢) كلمة غير مقروءة بالأصل.
(٣) بالأصل: المخذولين.
[ ١ / ٤٢١ ]
أجود فأقام به ثلاث سنين وأعطاها بيعًا لقطن بن علي بن هلال بن زامل فأقام فيها نحو سنة ثم مات فخلفه ولده ثم عجز عنها ودفعها لعضيب بن زامل بن هلال، وأقام بها نحو سبعة أشهر فأخذها منه بالحرب الشيخ راشد بن مغامس المذكور وولّى البصرة لأخيه محمد وأقام هو بالحسا والقطيف.
وخرج الحج منها صحبة الشيخ يحيى ابن أخيه محمد والشيخ مهنا وقاضيهم الشيخ العلامة جمال الدين محمد بن عبد العزيز الشهير برقرق المكي البصري الشافعي وغيرهم من أكابرهم ولحقهم الشيخ راشد في الطريق بعد نصف شهر.
وقدم مكّة خلق من الحاج متفرقين من عدة من البلدان ووافقت البركة في أسعار القوت والماء بعد أن كان الماء عزيزا واكتفى الحاج ببركهم وأهل البلد بالعين والآبار ورخيّت جميع الأسعار، ولله الحمد والمنة.
وكانت الوقفة المباركة في يوم الجمعة والحج هنيئا. ووقف بالموقف قاضي القضاة المحبي بن ظهيرة ومنع الشريف القاضي بديع الزمان الحنفي منها لمنعه من ولاية النظر. وزيّن صاحب مكّة الهوادج المتعلقة بحريمه وابتهج الناس برؤيتها. وكُسيتْ الكعبة الشريفة في يوم الأضحى على العادة والباقي يوم النفر الثاني وأقام الحج بمنى ثلاثة أيام متوالية ورحل بمحالهم في يوم النفر الأول.
واجتمعتُ بمنى في عصر يوم الأحد حادي عشر الشهر بقاضي الشرق الشيخ محمد بن رقرق وسمعتُ عليه الحديث الشريف "كثلاثيات ابن ماجة" وحديث من "صحيح البخاري"، وأنشدني من لفظه جملة أبيات من نظمه ونظم غيره. قوله في تعداد الجمعة:
الحمد لله وصلّى ربّنا … على الرسول المصطفى نبينا
وبعد فالجمعة إن تعددت … في بلد بغير عسر قد ثبت
خمسة أحوال لها فالأول … أن يعلم السابق ثم يذهل
[ ١ / ٤٢٢ ]
والثاني علم السبق دون من سبق … يعاد ظهرا فيهما على الأحق
ثالثها أن يقع الكل معا … والرابع الشك لما قد وقعا
ففيهما تعاد جمعة وإن … تعلم سابقا فحكمه زكن
والاعتبار السبق بالتقدم … ومن بعده تراه يقدم
وهذه جاءت بنحو الغرفي (^١) … فالإرث في الأول أوقف
ففي الثلاث اللات بعدهن معا … تزار بأسهما (^٢) يا من وعى
في الخامس الإرث لمسبوق ثبت … وهي بأنكاح الوليين بنت
فأوقفن عندهما في الأول … وفي الثلاث التاليات أبطل
والعقد في خامسها قد ثبتا … لسابق من غير شك يا فتى
وأجاز لي روايتها مع جماعة ممن حضر سماعها.
ونفر الحاج من منى في اليوم الثالث يوم الإثنين ثاني عشر الشهر. وسافر سلطان الشرق على جهة المدينة الشريفة لزيارة القبر الشريف. وأقام الحاج بمكة جميع هذه الجمعة.
وفي يوم الجمعة سادس عشر الشهر سافر الركب المصري من مكّة وتبعه الركب الشامي والغزاوي، ورحل المصري من وادي مر ليلة السبت ثاني تاريخه ولحقه الشامي في ضحوة يومه وسافرتُ صحبته إلى المدينة الشريفة على نية التوجه إلى بلاد الروم (^٣). بلغني الله من الخيرات ما أروم، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) يذكر المؤلف هنا رحلته الثانية إلى بلاد الروم، ولذلك توقف عن كتابة تاريخ مكة من يوم ١٦ ذي الحجة سنة ٩٣٣ هـ إلى يوم ١٨ ذي القعدة سنة ٩٣٤ هـ.
[ ١ / ٤٢٣ ]