وكان في ليلته أمر أمير الحاج المصري القاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر بطلوع جبل أبي قبيس لرؤية الهلال فاعتذر لضعفه وكِبر سِنّهِ وأمر أولاده بذلك فطلع معهم شهود باب السلام فقط، فجلس هو عند باب الصفا، فلما رأوا الهلال نزلوا إليه وأدّى عنده بعض الشهود برؤيته فتوجّه بهم إلى أمير الحاج في المسجد الحرام وأخبره بذلك. فاستخف الناس به واستنقصوه لفعله حيث أزرى المنصب لأنه ليس بأهل له، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي صباح تاريخه توجّه غالب الفقهاء لقاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي
[ ١ / ١٩٩ ]
ابن ظهيرة لتهنئته بالشهر وغير ذلك. وعزم القاضي الشافعي الجديد لأمير الحاج المصري لمنزله في المدرسة الأشرفية القايتبائية وحضر معه القضاة الثلاثة المتولون (^١) وجلسوا على ميْسرة أمير الحاج وهو على ميمنته وتخلّف الشريف وأولاده عن الحضور يقال بواسطته. والذي يظهر أنّ أمير الحاج طلب حضور الشريف بركات بنفسه فامتنع من ذلك لتخيّلِهِ الشر هناك منه، وعادته يرسل أولاده فيلبسهم خلعة فلم يتفق ذلك. وقرئ في المجلس مرسوم للقاضي الجديد وفيه الشكر منه والعلم والدين وولايته لقضاء الشافعية عوض مَن كان قبله من غير تعرّض لقضاء جدة ونظر المسجد الحرام. فاستقبل القاضي القبلة عند سماع ذلك وسجد شكرًا الله تعالى لولايته لمنصب القضاء، فَمَقَتَه جميع مَن حضر المجلس وكذا من سمعه. وكان السلف الصالح يكرهون التلبّس بالقضاء ويستحيون بسببه وهو فرح، فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
وقُرئ في المجلس مرسوم مطلق للشريف والحكام بمكة وتوصيتهم بالأوقاف وعمارتها وتنْزيه المسجد الأقذار والبدع. وبعد ذلك لبس القاضي الجديد خلعة قفطان مدنّر، وخرج من عند أمير الحاج وصحبته القضاة الثلاثة وهم حاجبون له ففارقه الحنفي والمالكي من باب المدرسة وتوجّه الحنبلي معه إلى مجلسه بباب السلام وذلك لتشويشه من قريبه القاضي المفصول. وسجد المتولي بعد وصوله إلى منزله سجدة شكر ثانية فمُقِتَ لها أيضًا وبالله المستعان. وهنأه قليل من الناس بولايته واغتمّ لها كثير منهم، وتوجّه بعد لبْسه للشريف بركات صاحب البلاد للسلام عليه فمنعه من الدخول إليه ازدراء به.
_________________
(١) بالأصل: المتوليين.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وفي عصر تاريخه اتفقتْ (^١) واقعة بين جماعة الشريف والأروام ثم أخمدها الله تعالى. وسببها أنّ شخصًا روميًا من جماعة نائب جدة اشترى من بعض العبيد بأجياد حشيشًا للدواب، فلم يوافقه على المبيع، فسطا به الرومي فحمي له جماعته فاجتمع الأروام وبنو حسن لذلك وتقابلوا (^٢) ومدافع النفط وغير ذلك من بعد العصر إلى قرب العشاء. فتشوّش الشريف وأمير الحاج المصري لذلك فقام ثانيهما بنفسه وتوجّه إليهم بعد إرساله للشريف الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي والخواجا عباس المصري فوجداه متألمًا لذلك وهو مقيم في منزله ويحفظ جماعته. وكان يظن أن الفتنة لها أصل من أمير الحاج ونائب جدة. فلما تحقّق الشريف عدم ذلك وعدم رضاهما بذلك ركب بنفسه وردّ جماعته وردّ أمير الحاج جماعته الأروام وأصابتْه (^٣) نشّابة في يده لكنّها سليمة. ثم أرسل الشريف لأمير الحاج والي مكة علي الجنيدب ويقول له: هذه الفتنة أصلها من الأروام وأنا لا يعجبني ذلك ومهما حدث من جماعتي أنا أقوم وأنا طائع الخنكار. ونادى في البلد بالأمان والاطمئنان وعَسّ جماعة الشريف الحاج الشامي في الأبطح وأرسل خيلًا إلى درب جدة لحفظ حمل أمير الحاج الواصل بحرًا. وكان في فعل ذلك لطفٌ كبير، ولله الحمد. والذي يظهر أنهم أرادوا أن يمكروا فسلّم الله تعالى.
ومات في هذه الوقعة من جماعة بني حسن وجرح خلق منهم ومن الأروام.
فممن مات عبد العزيز بن الحسني أحد الفرسان الشجعان، ومحمد بن علي بن
_________________
(١) بالأصل: اتفق.
(٢) كلمة ممحوة بالأصل، ولعلها "بالسلاح".
(٣) كذا وردت الجملة بالأصل.
[ ١ / ٢٠١ ]
عبد الكريم بن سكر، وجُرح ولد للشريف حميضة، والعفيف عبد الله النغر وغيرهما، ولولا ظلام الليل وخمود الفتنة لكان ما لا خير فيه، لكن كفى الله المؤمنين القتال، والله تعالى يؤمّننا في أوطاننا.
وفي يوم الجمعة ثاني الشهر وصل حمل كثير من جدة لأمير الحاج ورخصتْ الأسعار به بحيث بيع الرطل الدقيق بمحلق ونصف والربعية (^١) بخمسة محلقة وبأربعة محلقة وبأقل.
وفي ظهر تاريخه فُرّقت الذخيرة عند أمير الحاج المصري بالمدرسة الأشرفية وكان القبض لها هنيًا وكملتْ تفرقتها في ثالث تاريخه. وتنازع القاضي الشافعي الجديد مع القاضي المفصول في قبض الثلاثمائة دينار (^٢) المرتّبة في الذخيرة للقاضي صلاح الدين بن ظهيرة وكانت باسمه ومن قبله باسم أبيه وجده (^٣) فكُتب في الدفتر اسم القاضي الشافعي من غير تعيين. فأظهر القاضي المفصول مربعة باسمه وأنه تلقاها عن أبيه وجده، وليس لها علقة بالقضاء. وساعده على قبْضها الخواجا شرف الدين ابن شيخ سوق الدهشة أحد المقربين لنائب الديار المصرية، وعرّف أمير الحاج باستحقاقه لها بحضرة المتولي، ولم يحضر المفصول لكن أخواه البدري والتاجي حضرا التكلّم ووعد أمير الحاج بإقباضها للمفصول. وتألّم المتولي وأولاده لذلك ولم يتوصلوا للكلام هناك.
وفي يوم السبت ثالث الشهر وصل الخبر إلى مكة بقتل دوادار نائب جدة الرومي مع ثلاثة أنفس معه في وادي جدة. يقال إن القاتل لهم جماعة الشريف عوض مَن قُتِل من
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
(٢) بالأصل: الدينار.
(٣) بالأصل: باسم جده أبيه وجده.
[ ١ / ٢٠٢ ]
أصحابهم، وأخذوا أمْتِعَتَهم وتوجهوا بها إلى اليمن. والله أعلم بحقيقة ذلك. [ولم ينتطحْ في ذلك عنزان] (^١).
وفي ليلة الأحد رابع الشهر فُرّق الصر الشامي في قبّة الفراشين حضره جماعة من الفقهاء وبعض القضاة. وكان المتولي لتفرقته حامله الجناب العالي علي باي دوادار أمير الحاج الشامي، وهي في خرَقٍ مصرورة على العوائد القديمة. وكانت بطلتْ من مدة طويلة، وطلع مع الصر المعتاد هذا العام وقفٌ جديد من الشام يقال له وقف فرمة المعتصرة أوقفه المرحوم بكتمر بن عبد الله الحسامي. وكان الجراكسة وضعوا (^٢) أيديهم ولم يوصلوه لمستحقيه من أهل الحرمين الشريفين. وقَرّر فيه الناظر القاضي تقي الدين القاري جماعة منهم كاتبه، وحمل لهم على حكم الصر المتقدم ذكره وقدره مائتا دينار منها ستون لسكان الأربطة بمكة غير منهم عشرون (^٣)، فحصة كل رباط ديناران (^٤) ونصف، وعشرة للشيخ أبي تراب في فقرائه في دار الخيزران بمكة، جزاه الله تعالى والواقف خيرًا بمحمد وآله.
وفي عصر يوم الإثنين خامس الشهر فُرِّق المبلغ الواصل من الشام من جهة البرج والغازية في قبة الفراشين بالمسجد الحرام، ولم يحضره أحد من القضاة، وكان مضافًا إلى الصرّ المصري.
وكان قاضي مصر الشافعي ومباشره زين الدين أبو (^٥) بكر الظاهري كَتَبَا
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بالأصل: وضعون.
(٣) كذا وردت الجملة بالأصل.
(٤) بالأصل: دينارين.
(٥) بالأصل: أبي.
[ ١ / ٢٠٣ ]
مرسومًا من نائب الديار المصرية لقاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي بن ظهيرة بإضافة هذا المبلغ إلى صرّهم المحمول من القاهرة ليكمل به، فإن أصل الوقف بالشام يُحمل إلى مصر، فامتنع الحامل له وهو أمير الشامي جان بلاط نائب غزة وأمر بتفرقته وحده على يد دواداره علي باي الأحدب. ففرّق على قائمة الحكمي والمستجد، ووصل مبلغ ستين دينارًا تفرقتْ شذر مذر على جماعة تجاهَوْا في تفرقته عليهم، وهذا أول تفرقتها على هذا الحكم، فلا قوة إلا بالله.
وفي مغرب ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه ماتت المرأة الجليلة المحترمة أم هاني ابنة المرحوم الشيخ العلامة فخر الدين أبي بكر بن عبد الغني المرشدي الحنفي بعد توعّكها أزيد من نصف سنة بالحمى والسعلة ووصيّتها لأخويْها شقيقيها الجمالي محمد والبرهاني إبراهيم بتمليك ما يخصّها في العقار من زمن طويل وتَبَرّيها لذلك مع وجود ولدها الشهابي أحمد ابن الخواجا شمس الدين الحلبي وتخصيصه بالمصاغ وأثاث البيت، وإعطاء أخويها النقد الذي معها قرب موتها وهو خمسمائة دينار، على ما يقال.
فجهّزها ولدها وحزن عليها مع إخوانها الأربعة، وصلّي عليها صبح تاريخه عند باب الكعبة. ودُفنت بتربة أسلافها بالشعب الأقصى من المعلاة جوار السيدة خديجة والفضيل بن عياض وعبد الله بن أسعد اليافعي، ﵃ ونفع بهم. وعاشت إحدى وخمسين سنة، ومولدها في سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وتزوجتْ الخواجا الحلبي ورزقتْ منه ولدها الماضي، ثم طلقها وتألمت بعده وأقامتْ عند والدها وإخوانها، مع عقلها وحسنها وتوددها وكثرة عبادتها وخيرها، رحمها الله تعالى وإيانا.
وفي عصر تاريخه وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة فيها جماعة من الأعيان وقضاتها وغيرهم مع قضاتها الأربعة الشافعييْن المتولي والمفصول والحنفييْن أيضًا. فالرومي خضر
[ ١ / ٢٠٤ ]
الجديد وصل مع الركب المصري والمالكي المتولي والحنبلي المفصول، وأقام بها الحنبلي الجديد وتوجّه الجميع عند وصولهم للشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد بن عراق فسلّموا عليه وأضافهم ورحّب بهم، نفع الله به وكثّر من أمثاله.
وفي يوم تاريخه قبض الشافعي الجديد النوري ابن ناصر معلوم الذخيرة المنازع فيه بواسطة انحراف أمير الحاج المصري من القاضي المفصول الصلاحي بن ظهيرة بتعليم أخيه القاضي بدر الدين بن ظهيرة له لما رآه متشوشًا من مكافأته لهديته بنزْر يسير، فقال له الدوادار الثاني: كون (^١) لما حج أعطاه خمسمائة دينار وأعطاك نصفها وهديتك بقدرها، فأصبح حينئذ أمير الحاج وأعطى ابن ناصر القاضي الجديد معلوم الذخيرة المذكورة ودفع له مفتاح حاصل الزيت والشمع وفوّض إليه نظر المسجد الحرام وقضاء جدة وصار مساعدًا له بعد أن كان متوقّفًا. وأثبت ذلك عند قاضي المحمل زين الدين بشر الحنفي بشهادة جماعة على ملك الأمراء وغيره بعزل المفصول عن جميع الوظائف وتولية القاضي الجديد لها. وموجب ذلك تعاظُم المفصول وعدم إرضائه للأمير وقاضي المحمل.
وذكروا أن بَدْوهم وقع فيها قتال بين سلطانهم مقرن بن زامل وبين قريبه في قرية قريبة منه (^٢) وكان دُعِيَ له في بعض البلدان، فغيّب الشيخ مقرن على القاضي محمد بن فرق (^٣) فخشي وفرّ إلى بلدة أخرى خارجة عن أعمال بلاده، فالله تعالى يحميه.
وهادى أمير الحاج الشريف بركات بهدية قيمتها أزْيَد من ألف دينار فأعْطِيَ ضعفها من التحف الهندية ومن النقد سبعة آلاف دينار، فسبحان قاسم العقول.
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) بالأصل: عنه.
(٣) كذا بالأصل.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وفي يوم الأربعاء سابع الشهر وصل جماعة قليلون من بني خير لأجل الحج. وفيه خطب الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري بعد صلاة الظهر خطبة السابع على العادة وخرّفَ فيها.
وفرّق القاضي الشافعي الجديد المبلغ الواصل من نائب طرابلس وهو خمسمائة دينار يقال إنها بدل وقف جعله لأهل مكة يصل لهم في كل عام، والله أعلم بحقيقته، فحصل لكل قاض خمسة أشرفية ولغالب الناس أرباب الشعائر وغيرهم من أهل البيوت كل واحد ديناران أو نصفهما وبعض الناس نصف دينار ودونه. وتصدّى لذلك شيخ الفراشين النوري علي بن بيسق المكي وأولاد القاضي الشافعي الجديد وفرحوا بأنفسهم وصار لهم أمر ونهي، فسبحان المعْطي.
وفي يوم الجمعة تاسع الشهر كانت الوقفة المباركة وهي هنيّة حسنة مع أن الناس كانوا خائفين وجلين، فطمّنهم الله تعالى وأمّن خوفهم ولله الحمد بعد أن كادت الفتنة تقع.
وموجب ذلك أن الشريف بركات سلطان الحجاز وقف بعيدًا عن الموقف الشريف درءًا لوقوع الفتنة بينه وبين أمير الحاج ونائب جدة الرومي. وطلع على الجبل القاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر ودعا بالناس وهو لابس ثيابه مقنّع بالطيلسان. ولما نفر الناس بعد الغروب تقرّب الشريف بركات إلى جبل الرحمة ووقف به جماعته فكان مأنوسًا بالخيرات محفوفًا، فالله تعالى يحرسه ويحميه، ومن الأسواء يقيه، ببركة جده ﷺ.
وبات الحاج بمزدلفة ودفعوا منها إلى منى صباح يوم السبت عاشر الشهر ورمى أمير الحاج جمرة العقبة وتوجّهوا إلى مكة لكسوة الكعبة على العادة وطافوا وسعوا
[ ١ / ٢٠٦ ]
وعادوا إلى منى.
وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه نزل الشريف بركات إلى مكة وطاف وسعى وعاد إلى منى. وأقام أمير الحاج المصري بمنى إلى رابع أيام التشريق، وكذا الشريف وكان نوى مواجهة أمير الحاج المصري في صباح تاريخه ظنًا لسفر نائب جدة إلى مكة فتخلف هو بمنى وترك الشريف ذلك وأقام بها إلى الليل ثم دخل مكة بعد العشاء في ليلة الأربعاء رابع عشر الشهر وهو في غاية الحذر والتّوَقّي.
وفي صباحها سافر أمير الحاج المصري وتوجّه الشريف بركات لموادعته بالزاهر فوجده رحل إلى الوادي فتبعه ولحقه بالقرب منه فنزل في خيمة له واعتذر له من عدم مواجهته بأمور قَبِلَها وقال له: أنا طائع للخنكار وملك الأمراء وإذا طلبتَ التوجّه صُحْبَتك توجّهْتُ معك فأعجبه ذلك وانشرح به. وكان في فعل ذلك درء فتنة كبيرة، فإن الأمير تخيّل منه وكان قصده التكلم فيه والشكوى منه، فزال ذلك منه ولله الحمد.
وسافر مع الركب المصري قليل لغلو كراء الجمال، فإن الجمل وصل إلى أربعين دينارًا وأكثر وأقل وذلك لقلة الجمال وضعفها. ورافق الحاج إلى القاهرة القاضي محيي الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات الأنصاري المالكي لأجل السعي في وظيفة قضاء المالكية لأبيه، فالله تعالى يقضي حوائجه ويحْميه.
وفي ثاني تاريخه سافر الحاج الشامي والغزاوي وكتب معهم محضرًا بالشكر من نائبها ملك الأمراء جان بردي الغزالي والناظر على أوقاف الحرمين الشريفين القاضي تقي الدين القاري بها والحطّ على المتكلم بالأوقاف المصرية زين الدين الظاهري. وأرسل ذلك صحبة الشمسي محمد السكندراني المدني ورافق الحاج الشامي وهم في
[ ١ / ٢٠٧ ]
غاية الخوف والوجل من عرب جغيمان وبني لام.
وفي صبح تاريخه سافر القاضي بدر الدين بن ظهيرة أخو قاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي بن ظهيرة وردّ في ثالث يومه إلى مكة، ويقال إن السبب في ردّه جماعة الشريف بركات لأمره لتكلم (^١) أخيه معه وخوفه من شكواه لملك الأمراء بالديار المصرية.
وقيل إنّ الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي المسافر معهم أشار عليه بعدم سفره في هذا العام وأنه يقضي له حوائجه على ما يريد ويأخذ له منصب القضاء.
وفي يوم الجمعة سادس عشر الشهر سافر إلى جدة نائبها الأمير حسن بك الرومي ووادعه بعد صلاة الجمعة القاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر وفوّض إلى ولده الثالث الشهابي أحمد قضاء جدة بحضرته ووصاه به فقال له: إذا فعل الشرع لا يحتاج مني وصية. فقال له والده: أولادي مكمّلون بحمد الله تعالى، فضحك لذلك هو والحاضرون، وأرسل معه ولده الثاني عبدوه الذي استخلفه ليكون موثقًا عنده في بندر جدة.
وكان نائب جدة تكلّم مع قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء في النزول إلى جدة والحكم بها أو نيابة حنفي فيها فمال لفعل ذلك، فبلغ الشافعي الجديد ذلك فوقعت (^٢) منه كلمات في حقه فترك لكون العادة جرت بحكم جدة للشافعي وحده. وكان مترددًا في تفويض ذلك إلى نائبها الأصلّي القاضي جمال الدين محمد ابن القاضي محب الدين بن ظهيرة وغيره. فامتنع من القبول مراعاة لقريبه المفصول، مع أن نائب جدة
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) بالأصل: فوقع.
[ ١ / ٢٠٨ ]
كان له ميل إليه ويودّ تكلّمُه في ذلك لعقله ومداراته. ولكن الأمور بيد الله تعالى، ولكلّ أجل كتاب.
وفي يوم الثلاثاء عشريْ الشهر ولدتْ سيدة الكل ابنة القاضي تقي الدين بن ظهيرة القرشي توأمين ذكرًا وأنثى من الخواجا تقي الدين أبي بكر بن قرموط الحلبي، وكان توجّه إلى الهند مع المراكب، كتب الله سلامته وجمع الشمل به.
وفي يوم الإثنين سادس عشريْ الشهر فُرّق الصر المصري المحمول من القاضي الشافعي بها المعروف بالحكمي والمستجد، وهما من أوقاف القاهرة، وكان مالهما رُصد عند الأديب المحبي بن عبد القادر العراقي المكي لكونه حمل ناقصًا على حكم النصف من القاضي الماضي، وذلك من تصّرف الشيخ زين الدين الظاهري المتحدث على الأوقاف بالقاهرة وأعمالها، لكون وقف البرج والغازية حُمل من الشام في هذا العام والذي قبله إلى مكة وفُرّق على أربابه، وقال: إنه كان من مضافاته في الزمن الخالي ثم استولتْ (^١) عليه الدولة، واستنجز مرسومًا بإضافة ما يُحمل من الشام إلى ما أرسل من مصر ويُفرق جميعه، فامتنع أمير الحاج الشامي من ذلك وقال: كل واحد يفرّق وحده، كما تقدم ذكره.
وقصد الفقهاء بتأخير تفرقته الإشلاء على مُرسله وأنه لم يفرّق لنقصه ثم اتفقوا على تفرقته بعد سفر الحاج، وكان ذلك في منزل قاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي بن ظهيرة لكون مرسله فوّض إليه ذلك وأرسل له مرسومًا من ملك الأمراء نائب الديار المصرية بذلك وأضرب عن القاضي الجديد، ففرق على حكم النصف، ولله
_________________
(١) بالأصل: واستولى.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الأمر من قبل ومن بعد، [وفرح الناس بتكلّم القاضي المفصول] (^١).
وفي ليلة الثلاثاء سابع عشريْ الشهر مات الطفل نور الدين علي ابن الإمام أمين الدين أبي اليمن الطبري المكي الشافعي، فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر بساعة ودفن بالمعلاة بتربة أسلاف والده، وحزن عليه مع أمه وأصحابه لكونه ليس معه غيره إلّا ابنة واحدة، فالله تعالى يحييها له ويرزقه ذكرا معها بمحمد وآله.
وفي ظهر يوم الخميس تاسع عشريْ (^٢) الشهر توجّهت صحبة سيدي الشيخ القدوة العارف بالله تعالى مرشد السالكين، بقية السلف الصالحين، ناصر الدين محمد المهاجر ابن الشيخ المسند المعمر علاء الدين علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف بن صالح بن أبي بكر بن موسى الكناني الموسوي الدمشقي الشافعي الشهير بابن عراق، نفع الله به في جميع الآفاق، وأعاد علينا من بركته وأرشدنا لسيرته، لزيارة جبل حراء المعظم ورفقته جماعة من الإخوان منهم ابن الشيخ المشار إليه سيدي الأخ السالك الناسك المقرئ المؤلف ذو (^٣) الفضل الجلي نور الدين علي. وبِتْنا فيه إلى الصباح، والشيخ جمال الدين محمد الحدب والسيد زين العابدين الحسني المالكيان والشيخ أبو السعود المسيري والخواجا أحمد بن محمد القاري والشيخ يونس نقيب الشيخ وغيرهم، ثم في صبح تاريخه توجهنا من خلفه إلى جهة التنعيم، لنفوز بالعمرة والنعيم.
فأنشدني في الطريق أعزّ الأحباب الذي هو كالأخ الشقيق سيدي نور الدين علي ابن الشيخ محمد بن عراق المشار إليه، أدام الله نعمه وأعاد عليّ من بركتهما، وحشرني
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بالأصل: عشر.
(٣) بالأصل: ذي.
[ ١ / ٢١٠ ]
في زمرتهما، قوله بديها في المعنى وعمرتنا من التنعيم بعد زيارة غار حراء:
تدانى لنا التكريم بالأنس في حِرا … وكيف بغار حله سيّد الورى
وسرنا إلى التنعيم بالفتح تلوه … فحرم حتما ما سوى الله لو يرى
فقلنا جميعًا حقّق الظن واتركن … لصرفك وامدد سفرة البِشْر للقرى
ولقد شاهدتُ وجميع الجماعة الذين كانوا صحبة الشيخ محمد بن عراق منه
الكرامة عند توجّهِنا للعمرة واعتمارنا منها وإدراكنا لصلاة الجمعة وتحققنا أنه (^١) زيدَ في الوقت لأننا ذكرنا للشيخ أنّ وقت الجمعة فات ولا ندرك صلاتها، فقال لنا وعزة ربّي لا أتوجّه للنافلة وتفوتني الفريضة، فتقدم الشيخ مع بعض الجماعة وطُويت له الأرض حتى طاف وسعى وأدرك الخطبة وأرسل لبقية جماعته فأدركوا الصلاة عند إقامتها. وعَدَدْنا ذلك من كرامته فيها.
_________________
(١) بالأصل: أن.
[ ١ / ٢١١ ]