وفي يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة مات نائب جدة مصطفى الرومي فجهّز في ليلته وصلّي عليه صبح يوم الجمعة ثاني تاريخه عند باب الكعبة وشيّعه جماعة منهم أمير مكّة الشريف أبو نمي ودفن بالمعلاة تحت الحجون و(^١) له قبّة لطيفة هناك، وضُبطتْ تركتُه ووجد فيها عدة مراسيم تتعلق بأمور يحصل بها الضرر على صاحب البلد وغيره، فكفى الله همه.
وفي يوم الإثنين ثاني عشريْ الشهر وصل لمكة القائد مفتاح فتى السيد عرار ابن عجل متقدما عن الحاج المصري وأخبر بوصولهم مع أوراق الخطيب الجديد محيى الدين العراقي وذكر فيها وصوله مع جماعة من أهل مكّة وغيرهم فتُهُيِّئ للقائهم.
وفي يوم الأربعاء خامس عشريْ الشهر شُمّرت ثياب الكعبة على عادتها ويقال إحرامها.
وفي عصر يوم الخميس مات الولد نجم الدين أبو القاسم عمر من دموية تحركت عليه وَجِع بها نحو يومين وقضى نحبه وجهّز في يومه ودفن بالمعلاة في تربة سلفه على قبر عم أبيه. فاللَّه تعالى يرحمه ويعوضني وأمّه خيرا ويرزقنا الصبر، ويضاعف لنا الثواب والأجر إنه بالإجابة جدير وعلى ما يشاء قدير.
وفي صبح يوم الجمعة سابع عشريْ الشهر وصل سبق الحاج المصري من رابغ
_________________
(١) تكررت كلمة "دفن" هنا دون موجب.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وفيهم الحاج ياقوت الحبشي فتى أمير الحاج وخازنداره ورفقته المحيوي عبد القادر بن المعلم علي المزني بسبب أمور تتعلق بأمور الحاج منها السكن بقرب المسجد الحرام. ويقال إنه عيّن المدرسة العينية فبلغ صاحب [مكّة] (^١) الشريف أبا (^٢) نمي عن ذلك فقال له: السلطان رسم أن لا يسكن الأمير وسط البلد وينزل بالحاج خارجها، وأظهر مرسوما كان صحبة أمين جدة المتوفى قريبا فعاد له الخبر بذلك فتشوش.
وفي عصر يوم السبت ثاني تاريخه دخل مكّة الركب المصري وصحبته كاتب هذه الأحرف الفقير المدعو جار الله بن عبد العزيز بن فهد المكي المحدث والخطيب الأديب محيي الدين عبد القادر بن عبد القادر بن عبد الرحمن العراقي الشافعي وولده الزيني عبد الرحيم وكانوا قدموا من الروم مع الحاج حسين المهتار المقرر في سبيل الدوارق المنسوبة للخنكار بالمسجد الحرام بمعلوم ثمانين أشرفيا ذهبا وعديله العدل شهاب الدين أحمد بن علي الحناوي ومؤدب الأيتام الفقيه جمال الدين محمد بن موسى الظاهري وأم كمال ابنة أبي البركات بن الضياء الحنفي والدة القاضي عبد الرحمن بن زبرق الشيباني وطليقها الحاج زين العابدين الخانكي وجماعة من أهل مصر ومن أعيانهم الشيخ جلال الدين محمد بن عبد الرحمن البكري القرشي ومعه ولده الثاني الجمالي محمد بأمه وأخته أسماء على نية الحج بهم والعود بولده الشيخ أبي الحسن معهم وقاضي القضاة بالقاهرة كان نور الدين علي بن ياسين الطرابلسي، ولاقاه قاضي الحنفية بمكة بديع الزمان ابن الضياء الحنفي من وادي مر بملاقاة حسنة من الأطعمة والفاكهة وأنزله عنده في منزله وسكنه وقسم مبرّة على بعض الفقراء، ثم سُرق له مبلغ كبير من الذهب العتيق لم يعلم كميته واتهم به جماعة احتسب عليهم باللَّه تعالى، فاللَّه تعالى يعوضه خيرا.
_________________
(١) كلمة سقطت من الأصل.
(٢) بالأصل: أبي.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وبلغني أنه كتب وصيته وباع جهاته وأعتق مماليكه وأوقف كُتُبه لمنام رأى فيه النبي ﷺ أو رُئيَ له بقرب وفاته وأشعره بذلك، و[الله] (^١) يضاعف حسناته.
وفي عشاء ليلة الأحد تاسع عشريْ الشهر دخل مكّة أمير الحاج المحمل تنم الجار كسي ناظر الدشيشة الأشرفية وغيرها فطاف وسعى بعد صلاة العشاء وعاد إلى الزاهر وبات فيه إلى الصباح كعادته.
وفي صباح تاريخه لاقاه صاحب مكّة الشريف أبو (^٢) نمي بعسكره فعرض له ورفقته أخوه الشريف ثقبة فألبس كليهما (^٣) خلعة ولم يعمل الشريف أبو نمي طبقا على عمامته كعادته بل طرارين (^٤) فقط واختلع الشريف عرار بن عجل والقاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة وزين الدين الناظر بجدة العجمي.
ونزل أمير الحاج عند باب المعلاة ودخل الشريف إلى مكّة ونودي (^٥) للحاج يسكنِهم خارج البلد ومَن خالف ذلك انتقم منه، فنزلوا عند أمير الحاج بأجمعهم ما عدا بعض الأعيان كوالد الشيخ أبي الحسن البكري عند ولده جهة باب حزورة في بيت الشريفة أم الكامل والقاضي الحنفي الطرابلسي عند قاضي مذهبه بمكة. وتضرر الحاج بنزولهم هناك لشدة الحر ووضع أمتعتهم في البر وكذا أهل البلد لتعطيلهم بيوتهم من الكراء وما علم فائدة ذلك ومن كان السبب فيه ولعله ما اطلعت فيه في بلاد الروم من شكوى أمير الحاج إلى الأبواب الخندكارية بسكن الأروام الإنقشارية في بيوتهم بلا أجرة، بل وأخْرِجَ منها كرها، أو لتخيّل الشريف من العسكر وقصده حسم الشر. حمى الله أهل بلده الشريف.
_________________
(١) كلمة سقطت من الأصل.
(٢) بالأصل: أبي.
(٣) بالأصل: كلاهما.
(٤) كذا وردت الكلمة بالأصل.
(٥) كذا وردت الكلمة بالأصل.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وفي عصر تاريخه طلع قاضي القضاة الشافعي وجماعة من الأعيان وغيرهم بعلو جبل أبي قبيس لرؤية الهلال وصلّوا هناك المغرب ونزلوا منه بغير رؤية مع وجود الصحو.
وفي صبح يوم الإثنين سلخ الشهر اجتمع اليازجي (^١) على المبرّة الرومية واسمه محمود جلبي الرومي بصاحب مكّة الشريف أبي نمي وأمير الحاج تنم الجاركسي وسألهما في تفرقتها على أربابها، فأذنا له في ذلك فقبض المال من أمير الحاج المصري وكان وصل صحبته من القاهرة كما رسم به الخنكار في عام تاريخه، ووصلت الرسائل في البحر مع أمير جدة مصطفى المتوفى قريبا وتسلّم المال بحضرة قضاة مكّة الأربعة.
وفي يوم تاريخه فرّق أمير الحاج المصري الذخيرة الشريفة في وطاقه على يد ولده ومباشريه، وكان ذلك بسهولة.