[٨٧ ب] ويقال إنّ الوادي وغيرها من البلدان رأوا الهلال بالجمعة، لكن أهل مكّة المشرفة أرّخوا برؤيتهم.
وفي أول الشهر حصل الأمن في طريق جدة والأودية وسلكتها (^٣) القوافل وجُلبت الأقوات إلى مكّة. وسافرت المراكب الهندية في يوم الأحد ثاني الشهر
_________________
(١) بالأصل: غليت.
(٢) بالأصل: يأكلون الفول.
(٣) بالأصل: وسلوكها القوافل.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وعدّتها ستة، وعاد بعض التجار مع غلو كراء الجمال كل حمْل بخمسة أشرفية، فلذلك ارتفع سعر الحب فبيعت الربعية اللقيمية بمحلقة كبار أربعة عن عشرة صغار وبعضها بتسعة، وكذلك الدخن والمصرية بثمانية صغار والذرة بسبعة صغار والشعير بستة صغار.
ثم في يوم الخميس سادس الشهر وصلت أوراق من جدة للحناطين بمكة أن الحب نزل بجدة كل ربعية مصرية بستة محلقة صغار، وذلك لوصول جلاب من اليمن والقصير فنزل السعر قليلًا بمكة، فالله تعالى يحقق ذلك ويرخّص أسعار المسلمين.
وفي هذه الجمعة قَلّ الرطب وبيع كل رطل بمحلقين صغار والرطل اللبانة اليابسة بكبير عن محلقين صغار ونصف، والرطل العنب بمحلق ونصف والرطل الضاني بمحلق كبير والماعز والجملي بصغيرين، أرخص الله الأسعار على المسلمين، بجاه سيّد المرسلين.
وفي يوم الثلاثاء رابع الشهر جاء الخبر من جدة للأمير خير الدين الرومي أنّ القبطان سلمان ما وافق على سفر العسكر من مكّة وعودهم الجدة، فتشوّش من ذلك وأرسل لسيدي الشيخ علي (^١) بن عراق يتألّف خاطره ويتبرّأ من مخالفة ما وقع الوفاق عليه، فقال الشيخ: أهاجرُ من مكّة ولا أحج في هذا العام، لضرر الخاص والعام، فأرسل الأمير خير الدين إلى صاحب مكّة السيد أبي نمي الحسني ابن أخي يعقوب الراشدي ومعه جماعة من الأروام يخبره بجواب القبطان سلمان ويُظهر له التبرّي من مخالفته ويطلب جِمالا لحمل حصل له من جدة لمكة مع أفراس لحفظه.
فيقال إن الشريف أبا نمي لما وصلوا إليه وأخبروه بذلك أظهر الغيظ عليهم وقال: لا يجيء أحد منكم، وأما النوتي سلمان فأقطع رأسه، ورضا الخنكار عليّ،
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعل الصواب "الشيخ محمد بن عراق".
[ ١ / ٣٦٧ ]
وتكلم في نائب جدة قال: ذلك خائن يحلف باطلا وليس عندي خيل ولا جمال، فإني لست غلاما لهم وبيني وبينهم الحرب ويتأهبوا لذلك، فصار ابن أخي يعقوب أحد رؤساء العسكر يترضى الشريف أبا نمي بالقول والسلام عليه حتى سكن ما عنده ووعده بالإصلاح بينهم، فالله تعالى يقدّر للمسلمين كل خير، ويدفع عنهم كل شر وضير.
وفي يوم الجمعة سابع الشهر طلب نائب جدة والقبطان سلمان الأمين خير الدين لجدة فسافر في عصر يومه ويقال للصلح بينهم وبين الشريف، فالله تعالى يحقق ذلك.
وفي ضحى يوم تاريخه نادى منادي الشريف في شوارع مكّة أن لا يتوجّه أحد من الناس إلى سبْتِ منى للخوف في طريقها فامتنع الناس من ذلك.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه وصلت لمكة من المدينة الشريفة [قافلة] (^١) وفيها جماعة من أهلها وكبيرها الخواجا عبد القادر بن محمد بن عيسى القاري وأخبروا برخاء المدينة عما كانت عليه الأسعار قليلًا مع مطرها.
وفي يوم تاريخه وصل لمكة أيضًا جماعة من عسكر الأروام يقال نحو مائة نفس بسنجقين [٨٨ أ] فوضعوا في المسجد الحرام لتكملة ستة عشر سنجقًا وسكن بعضهم في بيوت الناس الخالية وبعضهم في المسجد الحرام.
وأشيع أنه وصل لجدة بعض جلاب فيها عسكر أيضًا يقال نحو ثلاثمائة نفس وبقي مثلهم تكملة الألفين، فالله تعالى يعطي الناس خيرهم، ويدفع عنهم شرّهم.
وفي يوم الإثنين عاشر الشهر وصل لمكة حمل نائب جدة العلائي علي الرومي ويقال فيه متحصّل مال جدة للخنكار، وبلغ عدّته مائتي ألف وثمانين ألف دينار، وذلك جميع ما هو للسلطان والشريف صاحب مكّة ورسوم عسكره والزوامل
_________________
(١) كلمة سقطت من الأصل.
[ ١ / ٣٦٨ ]
المقررة لأرباب الوظائف والمساجد والقرب وغيرها من المكوسات. وكان للسلطان نحو ربعها وللشريف مثله، وذلك أن الخنكار أمر بقبض جميعه في عام تاريخه ليصرف على العسكر المجهّزين للفرنج في جهة الهند القبطان سلمان. وأرسل الخنكار مرسومًا لصاحب مكّة الشريف أبي نمي يخبره بذلك، ويأمر نائب جدة العلائي علي بتسليمه.
ويقال إنّ السبب في ذلك هو والقبطان سلمان لأذية صاحب مكّة وإضعافه فحصل بذلك وبوجود العسكر المجهّز من الروم غاية الضرر لصاحب مكّة وسكانها لضيقهم (^١) المعاش على أهل مكّة وغلو الأقوات وخوف الطرقات، فلله الأمر من قبل ومن بعد. وكانوا يظنون أن محصول جدة شيء كثير جدًا فظهر لهم ذلك.
وتوجّه نائب جدة من وادي جدة إلى وادي الدكناء من وادي مر لمواجهة الشريف أبي نمي لإزالة ما في خاطره وللإصلاح بينه وبين القبطان سلمان، فلاقاه الشريف وأكرمه وأضافه وقدم له الآخر هدية سنيّة من تحف الهند تقطع ألوفا من الدنانير، كما يقال، وحلف له على المصحف الشريف بعد أن أراه له وقال: لا أعمل مثل المصريين بالحلف على الصابون، للتورية بالحلف على المصحف الشريف بأنه لا يريد عليه سوءا، وظاهره وباطنه معه سواء، ولا يعلم عليه إلّا الخير والاستمرار على ولايته من جهة الخنكار.
وكذا أمر القبطان سلمان لكنه يطالبه بألفي دينار وحب قبضه والده الشريف بركات في غيبته بغير وجه شرعي، فقال له: خلفه كان مصطفى الرومي للجماعة الذين سافروا لسلمان إلى مصر والحب عشور رجب وصل معه، ومرجع ذلك إلى العادة، وليس له بذلك عليّ طلب، فقال له: إن كان كذلك فليس له مطالبة عليك.
فطاب خاطر الشريف بذلك وأقام النائب عنده إلى آخر النهار وعاد إلى مكّة المشرفة فوصلها ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه وقصده القضاة والأعيان للسلام عليه،
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعلها: لتضييقهم.
[ ١ / ٣٦٩ ]
ووصل صحبته محتسب مكّة الحاج علي بن عبيد المغربي، وكان في فريق الشريف توجّه إليه خوفا من الأروام، فأظهر همة عند وصول بالندي (^١) ورخّص الأسعار، فوافق وصول قافلة من بجيلة فيها حب لقيمية فبيعت كل ربعية منها بسبعة محلقة ونصف عن ثلاثة كبار والمصرية بسبعة بنقص نصف محلق والدخن مثلها والذرة دونها.
وأشيع أنّ القبطان سلمان بلغه بجدة أن الشريف قبض على نائبها ونهب العرب [٨٨ ب] مال الخنكار فحصّن جدة بالمدافع وغلق سورها ومسك أولاد حاكم جدة عبد الشريف صاحب مكّة وأراد إحداث أمر فيهم فقال له الأمير خير الدين: لا تفعل شيئًا فإن الشريف عاقل ولا يصدر منه تشويش، ثم ظهر لهم سلامة وإكرام نائب جدة، فنُودي في البلد بالأمان والاطمئنان وأن البلاد للشريف أبي نمي وأطلق أولاد الحاكم، فالله تعالى يسلم المسلمين، ويخمد الفتن عن جيران بلد الله الأمين.
وفي نصف ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر ماتت ابنتي المولودة في سنة تاريخه أم الخير سيّدة الجميع المدعوة محسنة (^٢) وعمرها سبعة أشهر، فجهّزتها في صبح تاريخه وصلّى عليها قاضي الشافعية المحبي بن ظهيرة عقب قراءة سورة الأنعام بالحطيم عند باب الكعبة وشيّعها جماعة من القضاة والفقهاء وغيرهم ودفنت على أخواتها بتربة سلفنا بالحجون من المعلاة، وحزنتُ عليها وأمها كثيرا لكونها ثاني ابنة توفيت لنا في هذا العام، فالله تعالى يجعل قراها الجنة ويعوضنا فيها عوض خير بذَكَر صالح إن شاء الله تعالى.
وفي صبح يوم الجمعة رابع عشر الشهر وصلت إلى مكّة عدّة رسل من
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) بالأصل: محسنة المدعوة.
[ ١ / ٣٧٠ ]
صاحبها الشريف أبي نمي إلى نائب جدة العلائي علي الشاووش، أولها يقال إخباره بوصول قاصده الشريف محمد السمهودي المدني من الروم بإنعام الخنكار عليه بإمرة مكّة وأعمالها على جاري عادته وخلعة ومراسيم، ومشورته في دخول مكّة لقراءة مراسيمه ولبس خلعته، وأنّ العسكر من الأروام يتوجّهون إلى وادي منى خوفا من حصول فتنة بينهم وبين عسكر بني حسن، أو يتوجّه له للوادي لسماع مراسيمه.
وثانيها خبره بهروب عمومته عنه ليلة تاريخه بعضهم إلى جهة وادي الخيف وأولاد الشريف حميضة ورميح ابن عمه شرف الدين ومحمد ابن عمه قايتباي، وكانوا أظهروا له التوجّه لأجل مقام لزواج بنت صهره الشريف بساط بن عنقا بالخيف، وأرسل معهم أخاه الشريف ثقبة ليلصق عليها، فعلم (^١) بتوجّه الأولين إلى جدة فتشوش من ذلك وقال لنائب جدة: إن كان فعلهم عن مباطنة منك أو من القبطان سلمان فعرّفني بذلك، فأرسل له بالجوابين أن البلاد بلاده وحلف له أن ليس له علم بفعل عمومته وظهر من جوهر المغربي آراء سديدة في تسكين فتنة أعمام الشريف وأغدق عليهم.
ثم في ظهر تاريخه جاءه قاصد ثالث من مماليك الشريف يخبره بوصول عبد قاصده مسلّم البدوي من مصر وأنه فارق الحاج من العقبة وهم بخير، وأن معه مراسيم من ملك الأمراء بمصر سليمان الخصي أحدها للشريف بولاية مكّة على عادته، وثانيها لنائب جدة يأمره بموافقة الشريف أبي نمي وعدم مخالفته ومشاورته في تصرفاته فإنه بلغه مخالفته، وأنه أمر قاصديه الجمالي محمد بن مدهش وأحمد بن نصر بالتوجّه إلى الروم للأبواب الخنكارية ويتكلمان (^٢) في أمر بندر جدة، فالله تعالى يطمئن المسلمين ويصلح أحوالهم.
_________________
(١) بالأصل: فعميم.
(٢) بالأصل: ويتكلما.
[ ١ / ٣٧١ ]
وأشيع أنّ الشريف أبا نمي أرسل الشريف عرار بن عجل النموي في خمسين فارسا لطلب عمومته الهاربين منه إلى الخيف ثم أردفه بصهره بساط بن عنقا بثلاثين فارسا [٨٩ أ] ثم بأخيه ثقبة في مائة فارس ثم توجّه بفريقه إلى جهة مشرعة الجموم (^١) ويقال إنّ الخيل نزلت هالة الخيف (^٢) على نية الإصلاح بين الشريف وعمومته، فأصلح بينهم القائد جوهر بالحسنة.
وفي ليلة الأحد سادس عشر الشهر وصل إلى مكّة الخبر بوصول قاصد صاحب مكّة السيد أبي نمي محمد بن بركات الحسني وهو السيد جمال الدين محمد ابن عبد الكريم بن عبد الله السمهودي المدني من الروم مراسيم وخلع من الأبواب الخنكارية المظفرية العثمانية باستمراره على ولاية مكّة عقب وفاة والده. وكان وصل إلى القاهرة من البر ثم توجّه إلى الطور وركب البحر المالح وعاد فيه إلى بندر ينبع وركب منه في البر إلى جهة الشريف فواجهه نازلا (^٣) على مشرعة وادي الجموم أحد أودية مر وذلك لمحاصرة عمومته المخالفين عليه مع أولادهم المتوجّهين إلى وادي الخيف، فأرسل نائب الحاكم بها وابن أخته القائد مرشد الحريري وأمره بزينة مكّة سبعة أيام ولعب الحمام على العادة أمام منزل الشريف بأجياد. فنودي بالزينة ضحوة يوم تاريخه ولعب الحمام في عصره أهل مكّة العوام وغريب الدار، وفرح الناس بذلك، وأمن القاطن والسالك.
وكان اتفق في ليلة تاريخه وصول قافلة من جدة فيها الخواجا الشيخ علي القيلاني وعديله شاه محمد قوام ومعهما عدول قماش، فخرج عليهم جماعة من
_________________
(١) الجموم: جار الله بن فهد: حسن القرى بأودية أم القرى، مجلة العرب (رمضان - شوال، سنة ١٤٠٣ هـ) ص ١٩٧ - ٢٠٣.
(٢) هالة الخيف: لعل المقصود خيف بني شديد الذي سكنه الأشراف ذوو راجح. جار الله بن فهد القرى، مجلة العرب (رمضان - شوال سنة ١٤٠٣ هـ) ص ٢٠٧.
(٣) بالأصل: نازل.
[ ١ / ٣٧٢ ]
العرب بالقرب من مكّة وقطعوا … (^١) حتى سقط إلى الأرض فسطا العرب عليها بالسيوف وأثخنوا جراحاتهما مع جماعة من خدمهما وأخذوا لهما بعض الأمتعة وتركوا الغالب فدخلوا مكّة مجرحين، وعلى أنفسهم خائفين، فأقام الشيخ علي في منزله إلى ضحوة النهار ثم مات، وجهّز في يومه وصلّي عليه عصر تاريخه ومعه جماعة من التجار والأعيان ودفن بالمعلاة. وتوفي بعده شاه محمد قوام أيضا، رحمهما الله تعالى، وخلَّف ابنة صغيرة وأخا كبيرا، وضبط نائب جدة تركته مع سابق عداوة بينهما، وما عُلم قاتله، وأثنى الناس عليه خيرًا، رحمه الله تعالى.
وفي ليلة الإثنين ثاني تاريخه وصل لمكة الأمير خير الدين الرومي ومعه جماعة من الأروام.
وأشيع أنّ الشريفين (^٢) أبا الغيث ورميثة عمّيْ (^٣) الشريف أبي نمي توجّها إلى جدة لمواجهة القبطان سلمان وأقاما بظاهرها عند الصهاريج وأرسلا له قاصدا يخبرانه (^٤) بوصولهما مخالفين لابن أخيهما أمير مكّة السيد أبي نمي وقصداه بمددهما، فامتنع من مواجهتهما وعدم إرسال أحد من جهته لهما، وقال لرسولهما: أنا جندي من تحت الأمر مثلهما وأخاف من سطوة الخنكار.
فلما علما منه ذلك توجّها إلى جهة الخيف ونزلا عند أهله الأشراف من بني حسن فوجدا عسكر الشريف أبي نمي مقيمًا في المرابط، فخرجا من الخيف في أربعة أفراس متوجّهين إلى ينبع، فبلغ الشريف أبا نمي (^٥) خبرهم فأرسل في طلبهم أخاه الشريف ثقبة في ثلاثة عشر فرسا وبعض ركاب عليها جماعة من عبيده وصحبتهم
_________________
(١) كلمتان غير مقروءتين بالأصل.
(٢) بالأصل: الشريفان.
(٣) بالأصل: عمّا.
(٤) بالأصل: يخبراه.
(٥) بالأصل: أبي نمي.
[ ١ / ٣٧٣ ]
الشريف باز بن فارس بن شامان الحسيني ابن عمته خزيمة وأمرهم بالقبض عليهم والفتك بهم، فقال له الشريف باز: أنا حسيني غريب عنكم، فقال له الشريف أبو نمي: أنت مشير لا قاتل، فتوجّهوا إلى جهة عسفان فلم يجدوا أحدا سبقهم إليها فعادوا إلى طرف البرقاء (^١) فرأوا خيلهم بها، فلما أحسوا بهم [٨٩ ب] ولّوْا منهزمين إلى جهة الخيف والطلب في أثرهم، فلما رآهم (^٢) أهل الخيف مقبلين عليهم خافوا من طلب الشريف أبي نمي لهم بعسكره، فلما تحققوا قلّة الفزع أمنوهم ودخلوا بهم إلى بلدهم وعاد الشريف ثقبة إلى أخيه وأخبره بخبرهم فأرسل إليهم وإلى الأشراف يطلب منهم خيوله ودروعه التي تحت أيديهم من جهته وجهة أبيه، فجاءه جماعة من أكابر الشرف منهم عرار بن شقيق و… (^٣) من فعل عمومته وأنه لا يرضيهم ذلك وحلفوا له على الطاعة ومشوا في الصلح بينهم، فالله تعالى يقدر خيرًا ويصلح خيرًا.
وفي صبح يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر ركب الأمين مصلح الدين الرومي ونائب جدة علي الشاووش وأمامهم محتسب مكّة النوري المصري وبعض مقدمي الأروام وداروا على بيوت العسكر بمكة وأمروهم باجتماع كل مائة نفس أو خمسين نفسا في بيت، وأمروهم بإعطاء كراء كل منزل لأصحابه، ومَن لا يكون (^٤) معه نفقة يعطى له من مال الخنكار، فشكر الناس من فعلهم هذا وتضرر بعض أهل المنازل من اجتماعهم وكثرتهم في كل منزل خوفا على خرابه، خصوصا وليس لهم دربة ولا شفقة على المنازل وأهلها، وانتقل بقية الأروام الساكنين في المسجد إلى البيوت على هذا الشرط، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
_________________
(١) البرقاء، ياقوت: معجم البلدان ١: ٣٨٦.
(٢) بالأصل: رأوهم.
(٣) بياض بمقدار ثلاث كلمات بالأصل.
(٤) بالأصل: يكن.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه أشيع بمكة أنّ الشريف أبا نمي توافق مع عمومته على جواز شهر وعشرة أيام في الإقامة بفريقه ثم يذهبون إلى اليمن أو الشرق ولا يتوجّهون إلى الشام، وتحالفوا على ذلك اتباعًا لطريقة العرب، ويقال إنه زادهم في عطائهم نفقة وكسوة لسؤالهم في ذلك من فضله.
وفي آخر ليلة الخميس عشريْ الشهر مات الشريف عبد الله ابن السيد أصيل الدين محمد بن … (^١) الحسيني المجذوب خال قاضي المالكية القاضي عبد الوهاب بن يعقوب المالكي فجهّز في صبح تاريخه وصلّي عليه عقب قراءة الأنعام بالحطيم وشيّعه القضاة الأربعة وخلق من الفقهاء وغيرهم، ودفن بتربة والده بالمعلاة. وكان تحرك عليه حدور وانقطع في البيت مدة ثم برز لبيت القهوة فَحُمل منها وهو مشترك في النزع وعمره نحو الخمسين، فان مولده في رمضان سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة وجُذِبَ من ثلاثين سنة، ويقال إنه كان يستحضر الجان ويتعلق على الأسماء الروحانية، فلذلك تغيرت هيئته في ملبسه وحركته، وكان يلبس القميص مدة بقائه حتى يتقطع ولا يغسل جسده ويحمل في كمّه خِرَقا محزومة وُجد فيها فلوس نحو المائتين مزيفة (^٢) وخاتمين فضة وسكينين، فكان ذلك مخلّفه مع أخته السيدة فاطمة وابن أخيه السيد زين العابدين بن محمد. وذكر له كرامات، نفع الله به وبعباده الصالحين.
وفي مغرب ليلة الجمعة ثاني تاريخه ماتت … (^٣) ابنة علي بن عيسى القاري زوجة قريبها أحمد بن الحسين القاري أم أولاده، فجُهّزت في ليلتها وصُلّي عليها صبح تاريخه ودفنت بالمعلاة في تربتهم بالشعب الأقصى، رحمها الله تعالى وإيانا والمسلمين، وخلّفت أربعة أولاد صغارا بل أحدهم نفساء عليه.
وفي صبح تاريخه نودي بمكة أنّ عسكر الأروام يتوجّهون إلى وادي منى حتى
_________________
(١) كلمتان غير واضحتين بالأصل.
(٢) بالأصل: مزيبقة.
(٣) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
[ ١ / ٣٧٥ ]
يدخل مكّة صاحبها أبو نمي الحسني بعسكره ويلبس خلعة الخنكار بها، فتوجّهوا آخر النهار إليها.
وحصل [٩٠ أ] بمكة شعث ورياح وبعض مطر وكثيرُهُ بمنى حتى سالت الجبال وأسقيتْ البساتين بها وحصل النفع لأهلها، وكان عادتهم يملؤون (^١) الصهاريج للحجاج في شهر تاريخه فنشفت آبار منى وغلا الماء بها بحيث باعوا كل عشرة راوية بأشرفي، فقال سيدي الشيخ ابن عراق، نفع الله به، لبعض من شكا عليه ذلك: يصبر الناس إلى أول الشهر ويملؤون الصهاريج بسهولة، إن شاء الله تعالى.
فقدّر الله حصول هذا المطر ببركة دعائه، نفع الله المسلمين به وأعاد علينا من بركاته.
وفي صبح يوم السبت ثاني عشر الشهر قدم مكّة صاحبها الشريف أبو نمي ومعه عسكره نحو مائة وخمسين فارسا وكثير من الرجال المشاة العبيد والعرب وأهل مكّة وبعض الأروام، فعرض من الزاهر ولبس خلعته من بين الحجونين، ودخل معه نائب جدة والأمين مصلح الدين والقاضي الشافعي وعَمّاه الشريفان شولق وسيسد والشريف عرار بن عجل لابس، والسيد محمد السمهودي القاصد إلى الروم بلا خلعة، وشقوا المسعى، وتوجّه الشريف أبو نمي إلى منزله وخلع خلعته وخرج من أسفل مكّة جهة الشبيكة وأقام بالزاهر وكان الناس ينتظرون دخوله إلى المسجد لقراءة مراسيمه فلم يأتهم، فخاط الناس في ذلك وماطوا. فتوجّه له نائب جدة والأمين خير الدين فسألاه في قراءة المراسيم فتخيّل منهما وقال لهما: قد رأيتما المرسوم ولا يحتاج إلى قراءته بحضرتي، وأرسل به مع القائد ياقوت بن عجلان مقدم المماليك، فدخل به إلى المسجد واجتمع هو والقضاة الأربعة وأمير جدة وقُرئ أمام مدرسة الشريف بالجانب اليماني أمام باب أم هاني على كرسي. ومضمونه: الثناء
_________________
(١) بالأصل: يملوون.
[ ١ / ٣٧٦ ]
على الشريف أبي نمي لطمأنينة الحاج في العام الماضي وإخباره بوصول قاصده عقب وفاة والده وتعزيتهم به، وأنه مستمر على وظيفته ويطالعهم بكل ما يحدث له من الأقارب والأباعد من غير زيادة على ذلك، ثم دعى للخنكار وانفض المجلس.
ويقال إنّ الشريف تخيّل من نائب جدة طلب الشريف عند مواجهته له وبلغه أنّ عسكر الأروام عائدون من منى، فحماه الله ومن الشر وقاه، وأقام بالزاهر بقية نهاره وأرسل له فيه القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة ضيافة على عادته فأكلها وجاءه المغاني فانشرح بهم ثم عاد إلى الحجون وزار والده ورأى قبّته الجديدة، وكان الأروام نازلين من منى فتوجّه في آخر نهاره إلى فريقه بوادي مر.
ووصلت إليه به راحلة الينبع بأخبار الحاج وهم قليل، ورَكْب المصري والشامي قليل جميعا، وأنّ البلاد له من غير معارض له في ذلك، فاطمأن خاطره.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشريْ الشهر على رؤية أهل مكّة وسادس عشريه على رؤية الحاج بالعقبة شُمّرت ثياب الكعبة الشريفة، ويقال إحرامها، على العادة عند العوام. وفي عصر تاريخه وصل لمكة سبق الحاج بعض أروام وعرب أدلّاء (^١) الطريق.
وفي ثاني تاريخه تتابع جماعة آخرون من الأروام وهجموا بعض البيوت وعيّنوها لأصحابهم الواصلين مع الحاج، فتشوّش الناس من ذلك وشكوا أمرهم لنائب جدة فوعد بإعطاء كرائها. وكُتِبْتُ ضمن [مَن] (^٢) عُيّنَ بعض بيوته، واحتسبْتُ بالله تعالى مع غالب أهل حارتنا.
وفي ظهر يوم الخميس سابع عشريْ الشهر دخل لمكة كثير من حجاج مصر وغالبهم أروام [٩٠ ب] وبعض أرياف وتكاررة. وأخبروا أنّ الشريف أبا نمي
_________________
(١) بالأصل: دللا.
(٢) إضافة تتطلبها الجملة.
[ ١ / ٣٧٧ ]
عرض لأمير الحاج المصري في وادي الجموم بعسكر كثيرا من الخيل، والرجل جمعهم من الشرق واليمن ومكة المشرفة وغيرها، وطلب من أمير الحاج خلعته، وهو رومي واسمه سنان الكيخيا، وُصِف بالعقل والتدبير، فطلب منه التوجّه إلى مكّة ليلبْسها (^١) فيها، فقال له الشريف: أنا لا أدخل مكّة ما دام العسكر المجهّز مع القبطان سلمان فيها وكذلك نائب جدة الشاووش علي الرومي، وشكا منهما، وكان واقفا بعسكره أمام الحاج ولم يقربهم فأمرهم بمواجهته وحلف له على المصحف الشريف بعدم خيانته، فقال له أمير الحاج: أنا جئت للحج ولا أحلف لك ومهما طلبتَه أفعلُه لك، وأرسل له بخلعته على رأس حامل لها فلبسها وهو على فرسه وتوجّه إلى فريقه بالقرب من وادي أبي عروة (^٢).
ثم في ليلة الجمعة ثاني تاريخه دخل مكّة أمير الحاج المصري وطاف وسعى وعاد إلى الزاهر خارج مكّة، على العادة، وبات بها إلى الصباح، وكذا أمير الشامي واسمه أويس الكاشف، وأقاما بها إلى ضحوة النهار، فدخل أمير المصري مكّة بعرضة صغيرة فيها عسكره، وتوجّه أمير الشامي إلى محطته بالأبطح، ولم يحصل بدخولهما أبّهة لعدم ملاقاة صاحب مكّة الشريف أبي نمي لهما. ويُقال إنّ أمير الشامي لما سمع أنّ أمير الحاج المصري أرسل للشريف أبي نمي خلعته أرسل له الآخر بخلعته إلى الوادي وعتب على أمير المصري لعدم إخباره بذلك، ودخل مع الركب المصري أمين الصدقة الرومية وكاتبها وسكن الأول في مسكن الأمناء بمنزل قاضي القضاة التاجي المالكي على عادتهم وما وافق الكاتب على سكنه بالمدرسة الزمامية على العادة بل سكن عند الخطيب عبد الرحمن النويري بسوق الليل، والله يقدر للمسلمين خيرًا.
_________________
(١) بالأصل: لبلسها.
(٢) وادي أبي عروة: عَرَّف به جار الله بن فهد في حسن القرى، مجلة العرب (رمضان - شوال ١٤٠٣ هـ) ص ١٩٢.
[ ١ / ٣٧٨ ]