ويُشاع أنه رئي في بعض الأودية التي حوالي مكة بالثلاثاء ولم أتحقق صحة ذلك.
ويُذكر أن قاصدًا وصل بَرًا من القاهرة إلى جدة وتوجه لصاحب البلاد الحجازية السيد بركات في جهة اليمن ويقال أخبر بإشاعة وصول الفرنج إلى جدة وحرقهم المراكب بها. وتوجّه الشريف إلى اليمن فأرسل ملك الأمراء نائب الديار المصرية عسكرًا من البحر نحو خمسمائة رومي وغير ذلك من الرماة والأتراك وعين ثلاثة آمار (^١) للتوجه
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعله جمع لكلمة "أمير"، كان مستعملًا.
[ ١ / ١٨١ ]
مع الحاج بحرًا، منهم باش ومحتسب مكة وهو الأمير بكتاي الأزبكي، وأن الحاج الشامي قصدهم الوصول من طريق غزة ثم في درب المصري، والله أعلم بحقيقة ذلك.
وفي صبح يوم الخميس ثاني الشهر عمل الخواجا الكبير بيري الرومي أحد أعيان الدولة الرومية سماطًا هائلًا في سطح منزله بالسويقة لأجل زواجه على (^١) ابنة الخواجا الأجل المحترم زين الدين عبد القادر القاري الدمشقي. وكان عقده عليها في العام الماضي في (^٢) ربيع الأول، واستغل مونة معرفته (^٣) عند جماعة أصحابه التجار.
وكان فيه أطعمة مفتخرة كثيرة لم يتّفقْ فعلها لكثير من الأكابر بمكة في وقت تاريخه واجتمع فيه من الصحون الكبار والصغار قريب الألف، وما رُئيَ (^٤) أطول منه ولا أعرض. وجعل فيه ألوانًا كثيرة من الحلويات والدجاج والأرز والغزلان والخرفان، يقال إنه اشترى خمسين خروفًا بمائة وخمسين دينارًا ومائتي دجاجة بنحو المائة وغير ذلك من المؤن كالسمن والعسل والأرز والقمح والخضر بما يُعْجَز عن حصره. ويقال كَلّفتْه أكثر من ألف دينار.
واجتمع فيه من الألوان المفتخرة الرّزّان الحلو والمفلفل والمأمونيتان الحموي والسكب وهريستا الفستق واللحم وما بهما من الأرز والحب والزايرباج والماوردية والرغيف الأسيوطي والششيرك الحلو والحامض وغير ذلك من أطعمة العرب والعجم.
_________________
(١) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٢) بياض بمقدار كلمتين بالأصل، ولم يذكر هذا الخبر في ما كتبه المؤلف عن شهر ربيع الأول من سنة ٩٢٤ هـ.
(٣) كذا وردت الجملة بالأصل.
(٤) بالأصل: را.
[ ١ / ١٨٢ ]
وفي صدره غزال مشوية وحولها أربع أوزات، وباقيه متساو في الأطعمة من الحلويات وغيرها، وكل من (^١) جلس في موضع يرى منه أنه الصدر لتساوي الأطعمة فيه.
وحضره نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وكان هو القائم بأمره، ويبدأ (^٢) الأعيان من القضاة والفقهاء والتجار فحضروا جميعهم في نُوَبٍ متعددة، وبعد الفراغ لم يتحرك السماط لكبره. فالله تعالى يخلف على صاحبه ويعينه على مُهِمّهِ.
وفي ليلة الأحد خامس الشهر مات الخواجا الأجل النوري علي بن الزين بن عبد الحق النويري.
وفي يوم تاريخه وصل قاصد من الديار المصرية وخرج منها في الثلث الأول من شوال وكان توجّه إلى السيد بركات صاحب الحجاز إلى جهة اليمن، فعاد من عنده ومعه مرسوم لنائب جدة الأمير قاسم الشرواني مضمونه الإخبار بوصول مكاتبته والشريف بركات لملك الأمراء نائب الديار المصرية. وفيها الإخبار بوجود الغلاء بمكة في القمح وغيره وذلك لخراب بوجود الأتراك بها وتخبيط المهرة (^٣) في البحر وقحط بلاد زيلع لوجود اللعين (^٤) بها. وأمرنا بتجهيز خمسمائة في البحر ليقيموا بجدة حفظًا للمراكب التي بها من الفرنج المخذولين، وإرسال ثلاثمائة مملوك مع الحاج المصري ومائتي فارس وخمسة إمارة فينظر في أمرهم وإن أمكن تجهيزهم إلى اليمن فيجهّزون
_________________
(١) بالأصل: كلمن.
(٢) بالأصل وردت الكلمة غير معجمة، ولعل صوابها: ودعا.
(٣) المهرة قبيلة تنسب إلى بلاد مهرة، وهي بلاد مقفرة تقع بين حضرموت وعُمان ياقوت: معجم البلدان ٥: ٢٣٤. استولى المهرة على جزيرة سقطرة سنة ٨٩٣ هـ / ١٤٨٨ م المواجهة لسواحل عدن.
(٤) بالأصل: العين، وهو يقصد النصارى البرتغاليين.
[ ١ / ١٨٣ ]
وإلّا يقيمون (^١) بجدة.
وحقّق القاصد خروج ركب شامي قليل على درب غزة شامي قليل على درب غزة، فقرأ الأمير قاسم مرسومه في منزله بحضرة جماعة من الأعيان. فتشوش الناس لهذه الأخبار لإقامة العسكر بمكة وأعمالها خوفًا من ازدياد الغلاء في الأقوات، فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويقدّر لهم خيرًا.
وفي صبح ثاني تاريخه عمل نائب جدة عقد مجلس عنده بالقضاة الثلاثة خلا الشافعي فإنه تعذر عن الحضور بسبب مسْتَنَدٍ كتَبَه منصور ابن الخواجا شمس الدين محمد الحموي بوقفية منزل والده الكبير بمكة وكانت أخته قد ادّعتْ الملك فيه وشهد لها جماعة بذلك منهم الخواجا جلال الدين القرشي والشريف علي الأخصاصي مع كون الأب أوصى ولم يتعرض لذلك. فطعن الولد في شهودها وأقام بينة بوقْفيته عليه وأثبتَ ذلك عند القاضي المالكي الجديد بشهادة الفقيه جمال الدين محمد بن موسى الطاهري والصلاحي صلاح الدين بن أبي البركات ابن الشيخ عبد القادر النويري والبرهاني إبراهيم بن الجمال محمد ابن الشيخ إسماعيل بن أبي يزيد، وطلب تسجيله على القاضي الحنفي الجديد بديع الزمان محمد بن الضياء فأمر بذلك فكُتِبَ السّجِل. وهؤلاء الشهود مناسبون (^٢) لهذا القاضي، وأستُشهِد في ذلك بكلام بعض المتقدمين وهو:
زمانك والشهود وأنت قاض … قريب من قريب من قريب
فسمع القاضي المالكي والد المثبت بذلك فأرسل إلى الشاهد الزيني عبدوه ابن الشيخ نور الدين بن ناصر وطلب منه المستند فأراه له، فقال له: أتركْه عندي حتى أتأمّله
_________________
(١) بالأصل فيجهّزوا وإلا يقيموا.
(٢) بالأصل: مناسبين.
[ ١ / ١٨٤ ]
فتركه عنده وذهب ثم طُولِبَ به فأنكره، فاشتكى ابن الحموي الشاهد عند نائب جدة فأحضره وأراد ضربه فأخبره بقضيته مع القاضي المالكي، فأرسل إليه قواسًا فأحضره وسأله عن المستند فأنكر وتكلّم على الشاهد وقال: مثل هذا يصدق عليّ وهو عدوي وابن عبدوي؟ فأرسل الأمير إلى القاضي الشافعي وأخبره بالقضية فقال: ما جرّبْنا على الشاهد كذبًا، وتلزم القاضي المالكي يمين أنه ما أخذ المستند، فحلّف الأمير القاضي في المجلس أنه ما أخذه ولا رآه فحلف بذلك، فقال الشاهد كان أخذه للمستند بحضرة الشهابي أحمد بن بربس العطار والده … (^١) هو فأرسل الأمير إليه رسالة عن ذلك، فقال: كنتُ الرسول بينهما في طلبه فحينئذ سبّ الأمير القاضي المالكي، ثم استشهد الشاهد بعبد المدّعي وهو معتوق فقال: أخذه القاضي وطالبتُه به مرارًا ووعدني به ثم أنكره. فحينئذ سبّ الأمير القاضي سبًّا فاحشًا وتهدده بالترسيم والعزل وقال الشاهبندر وكان حاضر المجلس: اليسق العثماني مَن كذب وخان يُعزل، ولعمري إنّ هذا هو الشرع، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وعند ذلك قال الشيخ نور الدين البيسقي شيخ الفراشين بمكة وهو في المجلس يمكن إعادة كتابة المستند ويؤخذ عليه خط القاضي والشهود فأمر الأمير بكتابة المستند فأحْضر الشاهد نسخة أخرى نظيرة المستند المفقود ليس عليها خط الشهود، فقال الأمير يؤخذ عليها خطهم وانفضّ المجلس على ذلك. وتشوّش الأخيار من هذه الفعلة القبيحة والوقيعة الشنيعة التي تصمّ عنها الآذان، وتنكرها قلوب أهل النظر والعميان، فالله المستعان، وعليه التكلان.
وفي ضحى يوم تاريخه مات الفخري أبو بكر ابن الخواجا جمال الدين محمد بن بسطام العجمي التبريزي الأصل المكي فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر
_________________
(١) بياض بمقدار كلمة بالأصل.
[ ١ / ١٨٥ ]
وشيّعه جماعة إلى المعلاة ودُفن بتربة أبيه وحده. وخلّف ولديْن ذكريْن وغيرهما، فالله تعالى يرحمه وإيانا.
وفي يوم الثلاثاء سابع الشهر شرع الكاتب على الصدقة الرومية في تفرقتها على الربط فبدأ برباط السلطان الأشرف قايتباي فحجز على أبناء العرب الساكنين به كثيرًا ومنعهم من الإعطاء ودفع للأروام والأعاجم استحقاقهم وقال: السلطان أرسل مرسومًا بأن مَن له منزل وزوجة لا يُعطى في الرباط فقيل له: في المجلس كثير من الأروام والأعاجم له منزل وزوجة وأعْطيَ، فلم يَلتفتْ لهذا الكلام. وكان حاضرًا الأمير قاسم الشرواني نصره الله فقام من المجلس مغضبًا بسبب أبناء العرب. فالله تعالى يؤيّده ويزيده من الخير.
وفي ليلة الجمعة عاشر الشهر وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة، على الحالّ بها أفضل الصلاة والسلام، فيها الشيخ محيي الدين العراقي الأديب وأصهاره أولاد الشيخ فضل بن عبد القوي الزيني جعفر وأبو (^١) المكارم وكان عزم عليهما مع والدتهما وأختهما لأجل زوجته شقيقتهم، فهنأهم الناس بالزيارة، فالله تعالى يتقبلها منهم، ويخلف عليهم الإنفاق فيها.
وأخبروا بغلو الأقوات فيها لسعر مكة في غالب الأطعمة خلا اليسير وهو التمر والحب واللحم، وعدم الجمال للكراء فلذلك تخلّف الزوار بها من السادة بني ظهيرة، وأنّ قفلا لاقاهم عند خروجهم منها وصل من ينبع فيها حب ورفقتهم القاضي بدر الدين حسن بن الزين الحنبلي المتولي قضاء المدينة في سنة تاريخه من نائب الديار المصرية، وقصده قراءة مرسومه بالمدينة ثم العود لمكة. [وعظم ذلك على أهل المدينة لعدم لياقته
_________________
(١) بالأصل: أبي.
[ ١ / ١٨٦ ]
للمنصب] (^١). وكان الفقهاء من أهل المدينة لما سمعوا بولايته كتبوا فيه محضرًا بالحطّ عليه وسؤالهم في ولاية بَلَديّهم البرهاني إبراهيم ابن القاضي بها كان شمس الدين محمد السكندراني الحنبلي. وتوجّه بها بحرًا إلى القاهرة. فالله تعالى يقدر للمسلمين خيرًا. [فإن كلًا منهما جاهل لا يليق] (^٢).
وفي يوم تاريخه قسم الأروام على بعض الأربطة وحجروا على السكان بها ومنعوا بعض أهل الخلاوي من القبض، فتشوّش الناس لذلك وأطلقوا ألسنتهم بالسبّ والدعاء لمن كان السبب في قطع أرزاقهم. فالله يتقبّل ذلك، ويخلف على أهل مكة وكل قاطن بها الخير سالك.
وفي يوم السبت ثاني تاريخه اجتمع الكاتب على الصدقة الرومية ونائب جدة فأخذوا من الأسماء الموفّرة مقدار ألف ذهب ناقصه (^٣) وحملوها إلى وكالة الأشرف قايتباي عند الحناطين المعروفة بالحلقة وجمعوا فيها خلقًا من الفقراء الرجال والنساء ثم دفعوا لكل واحد مقدار أشرفي وبعضهم نصف وربع وأقل من ذلك إلى محلقين. فانشرح الفقراء لذلك ودعوا للسلطان، ولم يكن هذا الفعل عادة للأروام.
وفي يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة من جدة بوصول العسكر الرومي إلى ينبع فزاد غلو الأسعار بمكة وطلع الحب بحيث بيعت الربعية المصرية بخمسة محلقة بعد أن كانت بأربعة، والنخلية بزيادة نصف بعد أن كانت بأربعة ونصف، وزادت بعد ذلك نصفًا آخر.
_________________
(١) ما بين عاقفتين ورد بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) ما بين عاقفتين ورد بخط قطب الدين النهروالي.
(٣) بالأصل: نقصه.
[ ١ / ١٨٧ ]
واتفق يوم تاريخه بلوغ نائب جدة أنّ عربًا وصلوا من الحجاز ومعهم أغنام كثيرة وضعوها بأرض عرفة فأرسل إليهم عبيده وقواسة له، فتوجهوا لهم إليها فما وجدوا إلا أهل البلد ونهبوا غنمهم ودخلوا بها إلى مكة. فتوجّه أهلها من العرب إلى الحاكم القائد مبارك بن بدر وعرّفوه محالّهم فتوجّه إلى الأمير وقال له: هؤلاء عرب مكة الجالبين لِلَبنِها وهم لا يبيعون غنمهم ويتولّد من فقد ذلك ضرر كبير، فرد الأغنام للحاكم وقال له الكالي أبو الفضل بن أبي علي الوزير: ترى الآن أنا أحصل لك غنمًا، فحصل له نحو ثلاثمائة رأس غنم في هذه الجمعة. والله أعلم بحقيقة ذلك.
وفي عشاء ليلة الأحد ثالث عشر الشهر على رؤية أهل مكة والظاهر أنها ليلة رابع عشر على القاعدة. خسف القمر خسوفًا كاملًا لم ير مثله من زمان طويل فوجلتْ القلوب عند رؤيته ودمعتْ العيون عند مشاهدته، وصلّى له بالمسجد الحرام جماعة أمّهم الخطيب الأصيل شرف الدين يحيى ابن الخطيب فخر الدين أبي بكر النويري صلاة طويلة أخْفَى قراءته فيها، وبعد الفراغ خطب له خطبة حسنة شكرها السامعون لها، فالله تعالى يختم بخير، ويدفع عنا كل شرّ وضيْر.
وفي ليلة تاريخه بعد انجلاء القمر وصلت قافلة من المدينة فيها الشيخ العارف بالله قدوة الشاهدين، وعمدة المسلكين، الغوث الفرد الجامع، ولي الله تعالى جمال الدين محمد ابن الشيخ المسند المعمّر نور الدين علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن صالح بن يوسف بن عراق الموسوي الدمشقي ثم الصالحي الشافعي (^١)، متع الله بحياته وأدام النفع بعلومه وبركاته، وصحبْتُه ولده الشيخ القدوة المقرئ المسلك مربي المريدين، وأوحد الصوفية
_________________
(١) الشيخ محمد بن عراق أحد رجال الإصلاح الاجتماعي بمكة وهو من أشهر القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر مصادر ترجمته في كتابنا: التاريخ والمؤرخون بمكة المكرمة ص ١٨٣ - ١٨٤.
[ ١ / ١٨٨ ]
المعتقدين، نور الدين علي والشيخ العلامة الزاهد مفتي المسلمين القاضي عز الدين الفائز ابن قاضي القضاة الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة القرشي المكي وأخوه لأبيه القاضي الأصيل الجليل عين الأمائل المعتبرين جلال الدين أبو (^١) البقاء محمد والفقيه العالم الأصيل عفيف الدين عبد الله ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي الفاكهي وزوجة ثانيهم ابنة ابن عمه السيدة المصونة الجوهرة المكنونة أم الحسين ابنة المرحوم قاضي القضاة شيخ الإسلام الجمالي أبي السعود بن ظهيرة ووالدته مصباح الحبشية وغيرهم من أتباع الشيخ والجماعة بني ظهيرة وبعض أهل المدينة منهم الزيني عبد الحق ابن الخطيب شمس الدين محمد زين الدين القطان وطاهر ابن قاضي الحنفية شمس الدين محمد بن جلال الخُجُنْدي وهما من فقراء الشيخ ابن عراق. فهنأهم الناس بالزيارة والسلامة، فالله تعالى يتقبل منهم. ولم يظهر الشيخ ابن عراق في هذا اليوم وظهر في ثاني تاريخه فهرع الناس للسلام عليه في المسجد الحرام. وكان أول ما قدم سكن في حدرة (^٢) القرارة عند بيت النيربي في منزل فقيره فخر الدين الحمصي المعروف بابن التراب، فخلى ولده وعياله به، ثم انتقل هو إلى منزل للخواجا عبد القادر القاري بالقرب من المسجد في زقاقنا المعروف قديمًا بابن عُطَيْعط وحديثا بالفهود. فتردد الناس إليه للسلام عليه، نفع الله به وأعاد علينا من بركاته.
وفي ليلة الثلاثاء خامس عشر الشهر ماتت جانسوار التركية زوجة الأغا صندل بن عبد الله الخصي عتيق السلطان بايزيد بن عثمان، فجهّزتْ في ليلتها وصلّي عليها بعد
_________________
(١) بالأصل: أبي.
(٢) كذا بالأصل، ويمكن أن تكون الكلمة "حارة".
[ ١ / ١٨٩ ]
صلاة الصبح وشيّعها قضاة القضاة وخلق من الأعيان، ودفنت بالمعلاة في تربة … (^١) الشيخ أيوب الأزهري المكي بالقرب من مقابر الشيخ فضيل بن عياض وغيره من السادة. وحزن عليها زوجها حزنًا (^٢) كثيرًا، وعمل لها حتمًا في صبح يوم الجمعة بالمعلاة، رحمها الله تعالى، وأظهر عليها أسفًا واحتراقًا.
وفي ضحى يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة بوصول العساكر المصرية إلى جدة المعمورة فسمع بذلك نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وهو يقسم الصدقة الرومية على أهل رباط كلالة صحبة الكاتب عليها فانْوَهَج (^٣) عند سماع هذا الخبر وقام من المجلس قبل أن يُكْمل التفرقة على أهل الرباط، وتوجه إلى منزله وطلب جماعة ممن يتعلق على الرمل فضربوا له به وأمروه بالتوجّه يوم تاريخه إلى جدة فإنه يوم مبارك، فاهتم للسفر وطاف بعد صلاة العصر وخرج من باب حزورة ووادعه جماعة من الأعيان كالقضاة والفقهاء وغيرهم. وكان السيد الشريف كاتب فيه إلى مصر.
وفي صبح ثاني تاريخه فرّق الأروام على بعض الأربطة بحضرة دوادار نائب جدة لكونه له النظر على ذلك.
وفي صبح يوم الخميس سابع عشر الشهر وصل الخبر إلى مكة بقبض العساكر الواصلة إليها بحرًا على نائب جدة الأمير قاسم الشرواني ووضعه في الحديد وحمْله في غراب إلى البحر بأمر نائب مصر.
وسبب ذلك أنه لما وصل إلى جدة في صباح يوم الأربعاء توجّه بموكبه وصحبته
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
(٢) بالأصل: حسنا
(٣) كذا بالأصل، ولعلها انزعج.
[ ١ / ١٩٠ ]
قاضي جدة ومباشروها (^١) وغلمانه إلى محل العرضة في مكان يقال له أبو صريف (^٢)، فوجد العسكر نازلين (^٣) به في خيام فسلم عليهم وأكرموه بالقيام له وجلّسوه صدر المجلس والتأدب معه فأمرهم بالعرضة والركوب إلى البلد، فقالوا له: نحن الآن تِعابًا وفي غد ندخل إلى البلد، فانفض المجلس على ذلك وأقام عندهم للتأنّس بهم فأظهروا له مرسومًا من ملك الأمراء نائب الديار المصرية فيه الطلب بالتوجه إلى الأبواب الشريفة الخندكارية وعزله من نيابة جدة وتولية أمير العسكر حسين بك الرومي عوضه. فأجابه بالسمع والطاعة فقبضوا عليه فلما رأى ذلك عبيده وغلمانه المستخدمين معه أرادوا الهرب منهم ووقوع فتنة في البلد، فقبض العسكر على كثير منهم وقال الأمير قاسم الشرواني للنائب عوضه: بعضهم ملكي ويكون عندك وبعضهم مستخدم معي. قال: الأمر لهم يفترق كل ضعيف على حدة فافترقوا. فلما علم ذلك أخذ أسلحة المستخدمين من المدافع وغيرها وأطلقهم ووضع يده على العبيد المملوكين فوصى هو حسينا على أولاده وعياله ومخلّفه من الأثاث وغيره، وأرسل إلى مكة لولده الكبير إبراهيم ودواداره بها يوصيهما أيضًا فنقلا حوائجه من سكنه عند باب العمرة إلى منزل أولاده بالسويقة. وهي تحفٌ كثيرة فكان نقلهم لها يومًا وليلة. فالله تعالى يؤمنه ويُحسن خلاصه ويكتب له السلامة ويجعل عاقبته إلى خير فإنه لا بأس به في حق العرب.
ويقال إن السبب في عزله والقبض عليه مكاتبة السيد الشريف بركات صاحب الأقطار الحجازية بالحط عليه. وقيل سخط ملك الأمراء نائب الديار المصرية عليه لكونه
_________________
(١) بالأصل ومباشرينها.
(٢) أبو صريف بجدة: لم أجد ذكرًا لهذا المكان في ما بين يديّ من المصادر.
(٣) بالأصل: نازلون.
[ ١ / ١٩١ ]
بلغه أنه يتعاظم عليه ويقول: أنا مثله عمل ولقب قبله (^١)، وكل منا صاحب سنجق. وقيل السبب أعظم من ذلك لأن الخنكار بلغه أنه يكاتب الصوفي الخارج، وله ميل إليه، بل أحرق الأغربة بجدة وأبقى بعضها للسفر فيها إليه، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي صبح يوم الجمعة ثامن عشر الشهر كمّل الأروام تفرقة الصدقة الرومية على أهل الأربطة وبها تمتْ ثلاث جُمَع وهم يفرقون فيها الصدقة المذكورة، فالله تعالى يجعلها مقبولة.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشريْ الشهر وصل إلى مكة المشرفة أوائل العسكر المنصور الواصل بحرًا صحبة نائب جدة الجديد وغالبهم جراكسة وبعضهم أروام. ويقال عدة الجميع قريب خمسمائة نفس، فالله تعالى يعطي أهل مكة خيرهم.
وفي صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصل إلى مكة سلطانها وابن سلطانها الشريف أبو نمي محمد ابن السيد بركات وصحبته أخوه ثقبة وبعض أعمامه وعسكره فهرع الأعيان للسلام عليه.
ووصل عشاء ليلة الجمعة رابع عشريْ الشهر - على رؤية أهل مكة - نائب جدة الأمير حسين بك، فطاف وسعى ماشيًا ومعه الشيخ العلامة المدرس الزاهد مصطفى الرومي وهو المطوّف والمُسَعّي له بطلب من النائب وامتناعه مرة بعد أخرى. وبعد فراغه توجّه إلى الزاهر وبات به على العادة.
وفي صبح تاريخه صلّي عند باب الكعبة على المرأة الكبيرة ابنة (^٢) الجوبري المكي، جده المحجي محمد ابن الشيخ أيوب لأمه، فشيّعها جماعة من الفقهاء
_________________
(١) كذا وردت الجملة بالأصل.
(٢) بياض بمقدار أربع كلمات تشمل اسم المرأة واسم أبيها.
[ ١ / ١٩٢ ]
وغيرهم إلى المعلاة، ودُفنتْ بالقرب من الفضيل بن عياض، رحمها الله تعالى.
وفي يوم تاريخه شُمّرتْ الكعبة الشريفة وجُردت عنها ثيابها إلى نحو ثلثها، على العادة، وكان إحرامها في الخامس من شهر تاريخه. وقُدّم ذلك لوصول العسكر أو لاختلاف الرؤية في مكة وجهاتها.
واتفق يوم تاريخه عمل عرْضة حسنة لنائب جدة من الزاهر خرج للقائه الشريف أبو نمي وعسكره وقاضي القضاة الشافعي وخلق من العامة، فخلع على الشريف أبي نمي وأخيه ثقبة والقاضي الشافعي والناظر بجدة القاضي زين الدين المحتسب، فدخلوا من باب المعلاة في أبّهة عظيمة وقُدّامهم العسكر بعضهم على خيل وغالبهم مشاة وأمامهم النفط وخلفهم السناجق السلطانية وطبلخانة الشريف والطبل والزمر. فلما وصلوا إلى باب السلام دخلوا منه إلى المسجد الحرام وجلسوا بالحطيم، فقرئ به مرسومان (^١) من ملك الأمراء نائب الديار المصرية أحدهما للسيد بركات وثانيهما لنائب جدة مضمونهما الإخبار بولاية نائب جدة المشار إليه وعزل مَن تقدمه وتجهيزه بحرًا إلى الأبواب الشريفة، والوصية بالنائب الجديد والشكر منه ووُصِف بأوصاف حسنة من العقل والدين والمعرفة التامة وتَقَرّبه من الخنكار وملك الأمراء وإخبار الشريف بوصول مكاتباته إلى الديار المصرية والأعمال الرومية. وفيها الإخبار بوجود القحط والغلاء بمكة وسببه خباط اليمن من الأتراك المقيمين فيها، ووجود المهرة في البحر وقطْعهم الطرقات ونهبهم بعض الجلاب وقتل بعض وأخذ مالهم وتعرّضهم لجلاب القصير، وإشاعة إصلاح الفرنج المخذولين نحو خمسين مركبًا صغارًا في بلد
_________________
(١) بالأصل: مرسومين.
[ ١ / ١٩٣ ]
كشي (^١) من جهة الهند، ونيتهم التوجّه إلى جدة في هذا العام لأجل المراكب بها. فتشوشنا لذلك وجهّزنا هذا العسكر للإقامة بجدة وحفظ المراكب التي بها وإرسال بعضها (^٢) إلى اليمن لإصلاحه. والحاضر يرى ما لا يراه الغائب. وعوّلوا في أمرهم على الشريف وأكّدوا عليه في الوصية بنائب جدة والعساكر المنصورة وإظهار التودد والمحبة له، أدام الله أيامه، وخلّد عليه إنعامه.
وبعد الفراغ من قراءة المراسيم دعى القراء للخنكار وملك الأمراء والشريف وولده ونائب جدة وناظر المسجد الحرام القاضي الشافعي. وتوجه كل منهم إلى منزله من غير طواف، وهنّأ الناس نائب جدة والشريف والقاضي. وسكن النائب في مسكن النائب قبله المطلّ على المسجد الحرام بالقرب من باب العمرة، وبعد توجّهه إلى منزله خلع خلعة على كبير التجّار من الأروام الخواجا بيري القرماني، ونادى في شوارع مكة بالأمان والاطمئنان وتنظيف الطرقات وأبواب المسجد الحرام. وسمعتُ أنه جعل أمر أبواب المسجد إلى جماعة من الأتراك الذين صحْبته وأعطاهم معلوما لذلك. فشرع الناس في التنظيف بهمّة زائدة ثم كشف عليهم بعد ذلك في ثاني تاريخه.
وفي ليلته دخل الخواجا بيري الرومي على زوجته (^٣) ابنة الخواجا عبد القادر القاري وتوجّهَتْ له إلى منزله بالسويقة ومعها قليل من النسوة فلما
_________________
(١) كذا ورد الاسم بالأصل، وهي كوشان COCHIN مدينة على الساحل الغربي للهند تقع على ساحل الميليسار قريبة من كاليكوت وأصبحت تنافسها في الأهمية درسها وأبان مكانتها في العصر SERJEANT في كتابه: THE PORTUGUESE OFF THE SOUTH ARABIAN COAST، p. ١٤.
(٢) بالأصل: بعضهم.
(٣) سقط اسم الزوجة من الأصل.
[ ١ / ١٩٤ ]
دخلتْ عليه انصرفن (^١) عنها بأمْره وطلبه لذلك لكونه يكتم ذلك مع علمه بالسماط الماضي وطول تراخيه في الدخول فإن بين عقده ودخوله قريب السنتين وله مقصد في ذلك الله أعلم به، فإنه كثير العظمة مع التحيّل. وأقامتْ معه مدّة أشهر وطلقها لعدم التفاته إليها ومناكدتها له.
وفي صبح يوم الأحد سادس عشريْ الشهر أمر نائب جدة بجمع نُظّار الأوقاف من الرّبط والمياضي التي بمكة واجتمع عنده منهم جماعة فذكر لهم ترجمانه أن أصحاب الأوقاف مقصدهم خير (^٢) وهو يعين على فعله (^٣) ومن كان تحت يده وقف يصلحه ويُكثر من الماء فيه ولا يحجره على أحد. فذكر بعض الحاضرين أن الربط أمرها منحصر على ساكنيها ويحصل من الطارئ عليهم، فطولِب بشرط الواقف وحصوله متعذر في غالب الأوقات لتقادم الزمن واختلاف النّظار وانفضّ المجلس على إصلاح الجهات، وإذا لم يكن للمحل وقف يَصرف عليه من عنده، جزاه الله خيرًا.
وفي ضحى تاريخه وصل إلى مكة سلطانها السيد الشريف بركات، أعزه الله تعالى، من جهة اليمن فهرع الناس للسلام عليه ودخل إلى مكة جماعة من الأعراب سرجًا (^٤) لعرضة الحاج على العادة ولعبوا عند بيت الشريف صباحًا ومساءً على النّقّارة.
وفي صبح تاريخه دخل إلى مكة المشرفة جماعة من الحاج وأخبروا بقِلّتِه ورخاء السعر معه وطلوع ركب شامي على درب المصري رفقة الركب الغزّاوي.
_________________
(١) بالأصل: انصرفوا.
(٢) بالأصل: خيرا.
(٣) بالأصل: فعل.
(٤) بالأصل: صرحا.
[ ١ / ١٩٥ ]
وفي يوم تاريخه ولد ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر العراقي شيخ البيمارستان المكي وأمه (^١) ابنة القاضي محيي الدين ابن رقيط، أحد المباشرين بجدة. وكان زواجه في سنة تاريخه.
وفي مغرب تاريخه اجتمع السيّد الشريف بركات بنائب جدة الجديد في المسجد الحرام لأجل السلام عليه. ووصل من الحاج شيخ العرب بالأعمال الشريفة من جهة الصعيد الأمير إسماعيل الجويلي، ويُذكر عنه كرم وإحسان للفقراء، أكثر الله من أمثاله.
وصحِبه الشهابي أحمد ابن شيخ الفراشين بمكة عفيف الدين عبد الله بن بيسق المكي، وكان في القاهرة من مدة ثلاثة أعوام، وأخبر بأن جماعة من المكيين وصلوا صحبة الركب هم الشهابى أحمد والعفيف عبد الله ابنا الشيخ نور الدين بن ناصر والشرفي أبو القاسم المرشدي والوجيه عبد الرحمن بن زربق ووالدته أم كمال ابنة أبي البركات الحنفي والشهابي أحمد بن عمر بن الجمال المصري والقاضي برهان الدين إبراهيم ابن القاضي شمس الدين السكندراني المدني متوليًا بقضاء المدينة الشريفة عوض القاضي بدر الدين حسن الزين المكي المتولّي لها في الشهر الماضي، مع أنّ كلًا منهما لم يُشكر، لكن أهل المدينة تعصبوا لبلديّهم وكتبوا له محضرًا وسألوا في ولايته. فالله تعالى يقدّر للمسلمين خيرًا، ولم يتهنّأ الزين بالقضاء.
وذكر أنّ السيد الشريف عفيف الدين عبد الله بن عبد الكريم السمهودي فوّض إليه قضاء الشافعية في المدينة الشريفة عوض القاضي بها الشرفي أبي (^٢) الفتح ابن القاضي صلاح الدين بن صالح وعوض الحنفي بها شخص رومي يقال له خضر كان في المدينة
_________________
(١) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٢) بالأصل: أبو.
[ ١ / ١٩٦ ]
قبل ذلك محضرًا في باب المعزول القاضي شمس الدين بن جلال، وولاية القاضي ناصر الدين بن صالح لنصف مشيخة المسجد النبوي مع غيرها من الوظائف من الروم، ثم عزله عنها بعد سفره بمدة يسيرة بسعي عبد الشيخ المعزول. واجتمعا بمصر فتوقف الشافعي عن التوجّه لبلده حتى يعود إلى الروم وينظر في أمره. وسبب ذلك عدم معرفة أركان الدولة بأحوال الناس، فلله الأمر. وأعظم من ذلك عزل قاضي مكة الشافعي وابن قضاتها بأكثر من ستين سنة (^١) نحو مائة وعشرين سنة بمن كان شاهدًا عند أبيه وجدّه ولم يُحمَد في سيرته الشيخ نور الدين علي بن ناصر النجار أبوه البلبيسي الأصل المكي (^٢) مع كبر سِنّهِ واختلاطه في أمره. ويقال إنّ السبب في ذلك شكوى بعض الناس من القاضي الشافعي الصلاحي بن ظهيرة عند الوزراء بالروم فعزل منها وأرسل بذلك إلى نائب الديار المصرية فسأل عن العلماء بمكة فعُيّن له المتقدم ذكره ففوّض إليه القضاء وجعل له مبلغًا من عنده لفقره، يقال نحو ثلاثمائة دينار، مع جعل معلوم الذخيرة للقاضي الشافعي له وهو ثلاثمائة أخرى. فلما جاء الخبر له بذلك فرح به وانبسط بسماعه، وكان الناس يظنونه بخلاف ذلك، فإنه كان يُظهر التقشّف والزهد في الدنيا وإظهار المسكنة. لكن الظلم كمين في النفس، الضعف يُخفيه والقدرة تُظهره، وصار عند الناس ضحكة بقبوله لذلك والعقلاء يبكون من أفعال هذه المسالك. ولله بعض الشعراء حيث قال في هذا المثال:
أمورٌ يَضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب
وشمتَ بعض الناس بعزل القاضي المفصول وقال فيه أبياتًا يحمد الله على عزله
_________________
(١) بياض بمقدار أربع كلمات بالأصل.
(٢) انظر مصادر ترجمته في معجم المؤلفين لكحالة ٧: ٢٥٢.
[ ١ / ١٩٧ ]
ويهنِّئ أهل مكة بولاية غيره وهي:
لله حمدًا ثم شكرا دائما … سمع الإله لمن دعا بيقين
زال الفساد عن البلاد أم القرى … وحقيقة جاها صلاح الدين
يهنئكم يا أهل مكة أبشروا … رضي الإله عليكم في الحين
وسلوه دومًا لا يعيد فسادها … أبدًا إلى مرّ الدهور سنين
وفي عصر يوم الإثنين سابع عشريْ الشهر توجّه السيد الشريف بركات وصحبته القاضي الشافعي صلاح الدين بن ظهيرة إلى أمير الحاج المقر الأشرف برسباي الجاركسي بالزاهر لأجل السلام عليه، فسلما عليه وعادا بسرعة. ولم أعلم ما وقع في المجلس من أمر القاضي الشافعي، لكن الشريف بركات لما عاد إلى منزله خرج إلى جهة اليمن وترك ولديه بمكة لأجل عَرضة أمير الحاج.
ويقال إنه تكلّم مع الأمير في جهة القاضي الشافعي المفصول فقال له: كنْ في نفسك، فتخيّل من ذلك، فالله تعالى يحميه ويحرسه بعيْنه التي لا تنام، فإنه بركة الحجاز.
وفي صبح تاريخه خرج للقائه أبو نمي وأخوه ثقبة وعسكرهما ونائب جدة وعسكره فخلع على كل منهم خلعة فدخلوا مكة من المعلاة بعرضة عظيمة فيها خيول كثيرة للشريف وأمير الحاج فمشوا معه إلى باب سَكَنه بالمدرسة الأشرفية القايتبائية بالمسعى المعظم، ثم توجّهوا إلى منزلهم ولم يضفْ الأمير القاضي الشافعي. وطولب المعزول فأحال على المتولّي. وكانت العادة يعشّي الشريف صاحب البلاد وبعده ثاني يوم القاضي الشافعي.
وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه دخل إلى مكة أمير الحاج الشامي السيفي جان بلاط ابن عبد الله الجاركسي نائب السلطنة الشريفة بغزة المحروسة ودوادار المقر الكافلي جان
[ ١ / ١٩٨ ]
بردي الغزالي نائب الديار الشامية كان، فطاف وسعى وعاد إلى الزاهر وأقام به إلى الصباح، فخرج للقائه أبو نمي وأخوه ثقبة بعسكرهما ومعهما خيول كثيرة وأمير الحاج المصري -وهو غير العادة- ونائب جدة الرومي. فلبس كل من الشريفين خلعة وتوجهوا مع أمير الشامي إلى محطته بالأبطح ووصّلوه إلى منزله وعادوا إلى البلد وهم في أبّهة عظيمة وخيول جسيمة. فالله يؤيدهما ويحفظ والدهما.
وفي يوم تاريخه تكامل الركب الشامي والغزاوي في محطتهم بالأبطح، وكان ركبهما قليلًا بالنسبة إلى العادة. فالله يعطي الناس خير الحاج، ويقضي حوائج المحتاج، ويجعل ما قاله الشاعر مقبولًا وهو:
أقبل الموسم المبارك فيه … من جميع الجهات خلق كثير
أعطنا خيْرَهم إله البرايا … واكفنا شرّهم فأنت القدير