كان قاضي الشافعية ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة طلع إلى علو جبل أبي قبيس على العادة وتراءى له إلّا القاضي جمال الدين بن أبي الفضل بن ظهيرة والشيخ جمال الدين محمد بن. . . . (^١) القومي وشخص مغربي وأدى الثاني وتوقّف الآخران لتشككهما في رؤيته، ثم بعد نزول القاضي وتوجّهه (^٢) إلى منزله شهد عنده شخصان مصريان أحدهما مؤذن باب العمرة برؤيته فأثبت ذلك وأوقد شموع
_________________
(١) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٢) بالأصل: وتوجّه.
[ ١ / ٤١٣ ]
المطاف والمقامات على العادة.
وفي يوم الأربعاء سادس (^١) عشر الشهر وصل لمكة جماعة فريق صاحب مكّة السيد الشريف أبي نمي الحسني وأخبروا بوصوله وأنّ أخاه الشريف ثقبة توجّه إلى وادي الخيف لزواج ابن عمه الشريف محمد بن أبي الغيث بن محمد بن بركات ومعه لصق أخيه، وكان طلبه عمه للتوجّه بنفسه للحضور في الزواج فامتنع من ذلك.
ووصل لمكة في ضحى يوم الخميس ثاني تاريخه وتوجّه الأكابر وأرباب الوظائف للسلام عليه وتتابع بقية عسكره للوصول لمكة خلفه. فغلا الماء وبعض الأقوات [لاستيلاء عبيد الشريف] (^٢).
وفي يوم الجمعة ثامن عشر الشهر طلع الشريف أبو نمي إلى المعلاة لزيارة والده وركب معه جماعة من عسكره وغيرهم من الأروام منهم الزيني مصطفى مشدّ العين والعمائر الخنكارية، فتكلم العامة قدّام الشريف لفتح فقير العين الذي بسوق المعلاة ليتّسع الناس في وصول الماء ويرخص سعره. فأمر الشريف بفتحه ففتح من ساعته ولم يظهر لفتحه نتيجة لأنّ العين ضعيفة لعدم الأمطار في هذا العام، وكثر كلام العامة في أمر المشدّ فتوجّه إلى الشريف وعرّفه بالأمور وكثرة كلام العامة في أمره وأنه كثير المحبة له.
وكان السبب في منع الإنقشارية المقيمين عنده بمكة مراعاة لخاطر صاحبها، فأصغى له الشريف وأمر مناديا له بالرضا عنه، وأنّ أمر العين له ولا يعارَض في أمرها، فسكن الكلام.
وفي ليلة الثلاثاء ثاني عشريْ الشهر حرق رباط القاضي زين الدين أبي بكر بن مزهر المجاور للصفا والمتكلم عليه الشيخ أيوب الأزهري وأولاده من
_________________
(١) بالأصل: ساس.
(٢) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
[ ١ / ٤١٤ ]
بعده. وكان السبب في حرقه أنّ شخصا طبخ فيه وترك بقية النار بجانب خشب في الدهليز فتعلّقت به وأكلته مع سقف المكان وجميع الخلاوي العلوية مع الربع فوقها. وعجز الناس عن إطفائها واستمرت إلى الصباح، ووجد في بعض الخلاوي بهار هندي وقماش وغير ذلك لبعض المتسبّبين فحرق جميعه، وأنكر الإنكار فعل ذلك لأن الخلاوي معدّة لسكن الفقراء فمنعوا منها.
ويقال إن المتكلمين على الرباط ملؤوا من صهريج الرباط ماء من العين وباعوه في هذه الأيام لغلو الماء، كل راوية بمحلق كبير، ومنع السبيل منه وكثير منه أطفئ به الحريق. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه. وحصل لنا إصابة فيه بحرق بعض كتُبِنا المعارة على بعض الساكنين فيه، فاللَّه تعالى يعوّض فيها خيريْ الدنيا والآخرة.
واتفق في ليلة تاريخه أنّ الشريف أبا نمي صاحب مكّة بلغه أن أعمامه الشرفاء حميضة ورميثة وسيسد وبعض أتباعهم أخذوا له خيلًا من وادي الدكناء وتوجّهوا إلى جهة الخيف وأظهروا العصيان عليه، لأنه بلغهم أنه قبض على بقية إخوانهم المقيمين عنده بمكة وهم الشريف أبو الغيث وشولق وولد حميضة بن زهير. فأمر الشريف بدق النقارة ولبس الخيل وركوب العسكر لمحاربتهم في صبح تاريخه. فسمع بذلك الشريف عرار بن عجل النموي وتوجّه إليه ودخل عليه في إبطال ذلك حتى يتوجّه إليهم وينظر في أمرهم ويعود إليه في عصر تاريخه، فتوجّه إليهم. فصبر الشريف عن فعله إلى صبح تاريخه وطلب الأروام المقيمين بمكة فتوجّهوا إليه وهم مستعدون بالنفط وغيره، فعرض على أكابرهم ما فعله جماعته فقالوا له: إذا طلبتَ محاربتهم توجّهنا معك، فشكرهم على ذلك وقال لهم: توجّهوا إلى محلكم وإذا طلبتكم (^١) تحضرون، فإن البلاد بلاد الخنكار وأنا في طاعته. فرضوا عنه وتوجّهوا إلى محلهم.
_________________
(١) بالأصل: طبتكم.
[ ١ / ٤١٥ ]
ثم إن الشريف أبا نمي عيّن أخاه الشريف ثقبة مع سبعين خيالًا وغيرهم من المشاة للتوجّه إلى الأشراف بوادي الخيف ومحاربتهم وحرق بعض حملهم إلى درب الشبيكة أسفل مكّة. ثم إنّ صهره الشريف بساط بن عنقا وغيره من الأشراف دخلوا عليه بترك ذلك حتى يأتيه خبر الشريف عرار بن عجل من عندهم. فأمر برد الحمول البارزة وترك خروج العسكر، لكنه أمر أخاه الشريف ثقبة والشريف زهير ابن عمه حميضة بالتوجّه إليهم مُخفّين حتى ينظروا أمرهم، فبرزوا قرب مغرب ليلة الأربعاء فواجهوا الشريف عرار في الليل وهو عائد من عندهم بالصلح وطلبوا من الشريف إعطاءهم نفقتهم المنكسرة عنده من مدة أشهر وأن يعفو عن جماعة منهم ابن القائد مفتاح الطيبي وبقية الصحبة التي أخرج رسمهم عنهم ويعطى لهم ألفي (^١) دينار تدرك (^٢) بها الشريف عرار من عنده إن لم يعطها الشريف. فعرض ذلك على الشريف أبي نمي فرضي بالصلح من غير زيادة على ذلك، وعاد معه منهم جماعة رضي الشريف عنهم (^٣) وسكنت الفتنة بذلك.
وفي يوم الخميس رابع عشريْ الشهر وصل لمكة دوادار نائب جدة الجديد مصطفى الرومي المعروف بقلقيس (^٤)، معنى: مقطوع الأذن، وأخبر بوصوله لجدة في البحر ومعه مراسيم متعلقات جدة وغيرها، وأنه حسن السيرة.
وفي صبح يوم الجمعة ثاني تاريخه (^٥) شمّرت ثياب الكعبة ويقال إحرامها على عادتها.
وفي ضحى يوم السبت سادس عشر الشهر وصل لمكة مقدما عن الحاج
_________________
(١) بالأصل: ألفين.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) بالأصل: عنه.
(٤) وردت الكلمة بالأصل غير معجمة.
(٥) وردت الكلمة مكررة بالأصل.
[ ١ / ٤١٦ ]
المصري من ينبع قاصد صاحب مكّة الشيخ مسلم البدوي وصحبته جماعة منهم الخواجا أبو البقاء السكري شاه بندر جدة كان وتأخروا (^١) من باب الشبيكة إلى منزل الشريف وسلّموا عليه وأعطاه السكري ورقة من قاضي الحنفية بديع الزمان محمد ابن الضياء الحنفي ومرسوما خندكاريا (^٢) من صاحب مصر فيه الإعلام بولايته لقضاء الحنفية من الأبواب الخندكارية وأضيف إليه قضاء جدة ونظر المسجد الحرام وإمامة الموقف الشريف وغير ذلك من الوظائف التي تعدّى بولايتها على أصحابها. فأخذ الشريف المرسوم ولم يُبْد جوابا، ثم إنّ صاحب الوظائف القاضي الشافعي بلغه ذلك فتوجّه إلى الشريف وعرض عليه تعديه على وظائفه، فطيّب خاطره ووعده بالنصرة له. فخاط الناس في ذلك وماطوا، ومقتوا المتولي، فسبحان قاسم العقول.
وأشيع بمكة عود الخطابة لصاحبها الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري وفرح الأخيار له بذلك وهنّؤوه بها.
وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه وصل لمكة نائب جدة الجديد وسكن في المدرسة العينية في الرواق اليماني من المسجد الحرام وقصده الأعيان للسلام عليه، ولم يجتمع الشريف به وأضافه الخواجا أبو البقاء السكري بأطعمة.
وفي ثاني تاريخه أضافه القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة فخلع عليه خلعة وهنّأه الناس بها وتوجّه لمنزل صاحب مكّة وسلم عليه فأكرمه وأعطاه فرسا ليركب عليها أرسلها إلى منزله مع الشريف عرار بن عجل فخلع عليه خلعة.
وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشريْ الشهر تتابع الحاج المصري في دخول مكّة.
ووصل في ظهر تاريخه الشيخ العلامة مفتي المسلمين تاج العارفين أبو الحسن محمد ابن الشيخ جلال الدين أبي البقاء محمد بن عبد الرحمن بن أحمد القرشي
_________________
(١) بالأصل: وتوخروا.
(٢) بالأصل: ومرسوم خندكاري.
[ ١ / ٤١٧ ]
البكري الشافعي القاهري (^١) وسكن بمنزلنا عند والدته وصحبته عياله وأولاده وجماعة من تلامذته ونوى المجاورة بهم في السنة الآتية. تقبّل الله منه.
وفي عصر تاريخه دخل قاضي مكّة الحنفي بديع الزمان ابن الضياء ولاقاه من خارجها أخوه القاضي أبو السرور وعمه من تربة المعلاة وبعض جماعة قليلين من باب السلام. وتوقف كثير من الناس من ملاقاته مراعاة للناظر المفصول قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وأمر الشهود بالطلوع إلى جبل أبي قبيس لرؤية الهلال فلم يروه وذكر (^٢) الحاج أنهم رأوا هلال ذي القعدة في الإثنين.
وفي ليلتها سلخ الشهر دخل أمير الحاج المصري الأمير تنم الجاركسي مشد الشون وطاف وسعى وتوجّه للزاهر وبات به إلى الصباح. وخرج للقائه صاحب مكّة السيد أبو نمي والشريف ثقبة وعسكرهما فعرضوا له من الزاهر فخلع على كل منهما خلعة وكذا على قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وشيخ الحرم النبوي الأمير صندل السليم القادم من الروم بالولاية والسيد عرار بن عجل، واجتمع في العسكر كثير نحو مائتي فرس للشريف ويرق (^٣) عظيم من الخيل والرواحل الجنائب وغير ذلك لأمير الحاج. وابتهج الناس برؤيتها.