ورآه بعض أهل الآفاق بالسبت. وفي صباحه توجّه كثير من الفقهاء للسلام على القاضي الشافعي بالشهر في منزله لتوعّكه.
وفي ظهر يوم الخميس خامس الشهر، على رؤية مكة، ولد الولد المبارك شهاب الدين أحمد ويُدعى عبد الله ابن الفقيه العالم الأديب فخر الدين أبي بكر ابن قاضي المسلمين نور الدين علي بن أبي بكر المرشدي الأنصاري الحنفي، وأمه ستيت ابنة الشيخ زين الدين عبد الواحد بن إبراهيم بن عبد الواحد المرشدي، أنشأه الله تعالى وجعله مباركًا على والديه آمين.
وفي صباح تاريخه تكلم مفخر التجار وشاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي على قاضي مكة المالكي من جهة حكم ولده على الفقيه عمر الغمري للخواجا عباس وأنه باطل، وقد استفتى علماء المالكية عنه فأجابوا ببطلانه وسأله في نقضه فامتنع من ذلك وتهدده بالكلام وعرض القضية على ملك الأمراء نائب الديار المصرية وأن ولده ارتشى فيها مائة دينار على إبقاء الحكم لجهله وجرأته وعدم معرفته، فالله تعالى ينتقم منهما بعدله ويجازي كلا منهما على فعله.
وفي يوم الإثنين تاسع الشهر وصلت قافلة المدينة الشريفة وفيها فاتح الكعبة الشيخ عفيف الدين عبد الله ابن الشيخ سراج الدين عمر الشيبي الحجي المكي والقاضي الرئيس جلال الدين أبو البقاء محمد ابن القاضي عفيف الدين عبد الله ابن أقضى القضاة الكمالي أبي الفضل بن ظهيرة القرشي المكي وابن أخيه القاضي
[ ١ / ٢٨٨ ]
جمال الدين محمد بن أبي الفضل ووالدة أولهما وعياله، فتوجّه الناس لتهنئتهم في منازلهم، تقبل الله زيارتهم وأخلف نفقتهم.
وفي يوم الخميس ثاني عشر الشهر نقض قاضي القضاة الحنبلي محي الدين بن ظهيرة القرشي حكم النوري علي ابن القاضي المكي الزيني عبد الحق النويري الذي حكمه للخواجا عباس تاجر السلطان على الفقيه عمر التاجر البطلانه في مذهبه وعدم موافقته لعدم غيره وذلك لجهله وإقدامه وتناوله الرشوة لأجل مرامه. وذكر أنه أخذ عليه مائة دينار، ونفذ على القاضي الحنفي بديع الزمان بن الضياء بخمسة وعشرين، وأخذ الوكيل الجمالي محمد بن حسان مثلهما والشاهدان (^١) الجمالي محمد الصيرفي المصري والشرفي يحيى بن إدريس نحو الأربعين، ومات الشاهدان واختفى الخواجا عباس بعد ذلك لتكلم شاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة عليه وتهديده، فانزعج المالكي لذلك وكثر عليه الإشلاء وعلى ولده، فالله تعالى يطهّر مكة منهم ويريح المسلمين من أحكامهما.
وفي ليلة السبت رابع عشر الشهر مات القاضي مصطفى الرومي، وكان مباركا كثير العبادة والانجماع عن الناس، ومساعدة من يقصده في تفرقة الصدقة الرومية، وكثر الثناء عليه لذلك، فجهّز في ليلته وصلي عليه بعد صلاة الصبح ودفن بالمعلاة، ﵀، وخلف ولدا كبيرا بمكة وآخر ببلده ونقدا مع كونه كان يسكن رباط الأشرف قايتباي وذلك لعزوبته وإظهار قلة ما بيده رحمه الله تعالى وعفا عنه.
وفي ثاني تاريخه نادى الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر بصرف المساعيد (^٢)
_________________
(١) بالأصل: الشاهدين.
(٢) هي الدراهم المسعودية، نسبة إلى الملك المسعود يوسف ابن الملك الكامل محمد الأيوبي، ملك اليمن في بداية القرن السابع الهجري، انظر أهم المصادر التي ذكرت الدراهم المسعودية في ما كتبه د/ ضيف الله الزهراني في كتابه أسعار المواد الغذائية بمكة المكرمة خلال الفترة ٦٤٨ هـ - ٩٢٣ هـ، ص ١٠٦ هامش ٢٨، ص ١٠٨ هامش ٣٦، وهذا النص الذي أورده جار الله بن فهد يضيف معلومات جديدة عن أسعار صرف المساعيد بعد مقارنته بغيره من النصوص التي اعتمدها البحث المذكور سابقا.
[ ١ / ٢٨٩ ]
كل محلق باثنين وثلثين بزيادة نصف صرفه المعتاد وذلك لزغل (^١) المساعيد بالنحاس وكثرتها ممن لا يُعرف فاعله فانحصر الفاعلون لذلك وتوقفوا في إخراجها بالأسواق، فقل وجودها وتشوش الناس لذلك وتكلموا مع الحاكم في بطلان ما نادي به، فلم يجبهم لغرضهم، فاستمر التوقف مدة ثم ظهرت المساعيد وهي الآن وزن المساعيد قدر المحلق المصروف بها فخف الأمر في زيادتها، فالله تعالى يلهم الحكام الشريعة سيد الأنام.
وفي ليلة الثلاثاء رابع عشري الشهر وصل الشريف أبو نمي ابن السيد بركات صاحب مكة من عند والده بالوادي، فهرع الأعيان للسلام عليه في صباح تاريخه ونادى بالعرضة لأهل مكة وجدة والأودية التي حوالي مكة فعرض أهل مكة في عصر يومهم.
وفي مغرب ليلة الأربعاء ثاني تاريخه وصل قاصد من أهل ينبع من عند صاحبها يخبر عن الحاج على العادة وجاءت معه أوراق من بعض المكيين الواصلين رفقة الحاج، وفيها أن الحاج كبير وفيه جملة من الأعيان.
ووصل من أهل مكة: القاضي محي الدين عبد القادر المالكي من غير وظيفة لوالده لتوعكه ومعارضة بعض أرباب الدولة له بسبب جاء خصمه بمرافقة ولد الشريف لما وصل صحبته إلى القاهرة، فالله تعالى يخذله ويأخذه من مأمنه، وعديله المحبي ابن الشيخ أيوب والجمالي أبو السعود القرشي والقاضي بدر الدين بن ظهيرة الشافعي ومعه مرسوم بالنيابة عن أخيه بمكة وجدة والزيني عبد الواحد ابن الشيخ محمد الشيبي. وأن الشيخ برهان الدين البصري وصل من الروم إلى القاهرة وصحبته مرسوم بولاية قضاء الشافعية بمكة، فعارضه ملك الأمراء نائب الديار المصرية ومنعه من التوجّه إلى مكة وقرر له خمسين دينارا نصف صرة الشيخ أبي الفتح بن مظفر
_________________
(١) الزغل: الغشّ.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ونصفها لولده حتى سكت.
ووصل صحبة الأمير جانم الحمزاوي (^١) في تاسع عشري رمضان ووصل معه الشهابي أحمد الحويزي ومعه مرسوم لقريبه أبي السعادات ابن الشيخ زايد الشاهد بولاية خطابة المسجد الحرام وإمضاء ما كان بيده وعدم معارضته فإن الشريف بركات كان منعه من المباشرة في السنتين قبل تاريخه وأنه استناب إمام الشافعية أمين الدين أبا (^٢) اليمن الطبري فإن لم يرض فيكون عوضه الشيخ شهاب الدين الزبيدي الشافعي، وأن الصر جميعه حمل على حكم السنة التي قبل تاريخه، والرومية حملت عن سنة واحدة ذهب سليمي.
وفي صباح تاريخه شُمرت ثياب الكعبة الشريفة على العادة ويقال أحرمت. وتكلم الشيخ العارف بالله تعالى محمد بن عراق - نفع الله به به - مع فاتحها الشيخ عبد الله الشيبي في إبقاء الثوب على حاله ليكون أستر لها وأوقع في قلوب العامة لحرمتها، فلم يوافق على ذلك، فالله تعالى يلهم المسلمين لإزالة البدع، ويكفينا كل أمر مبتدَع.
وفي ظهر تاريخه مات جلال الدين محمد ابن الشيخ بدر الدين بن نقيشة (^٣) وكيل الشرع الشريف هو ووالده ثم العطار، فجهّز في يومه وصُلي عليه في المسجد الحرام ودفن بالمعلاة، وخلّف أولادا جملة، وكان مرض زمانا طويلًا بالحَبّ الفرنجي بحيث أكل وجهه وتعطلت حركته فالله تعالى يرحمه ويعفو عنه.
وفي مغرب ليلة الخميس سادس عشريْ الشهر وصل جماعة من الحاج ثم
_________________
(١) ورد هذا العلم مرارًا في نص الكتاب "حاتم الحمراوي" وهو خطأ أصلحناه اعتمادا على ما أورده المؤرخون المعاصرون له ومنهم ابن إياس في بدائع الزهور حيث ذكره باسم "جانم الحمزاوي" انظر فهارس بدائع الزهور ١: ٤٨٢ - ٤٨٣؛ وكذلك الجزيري في الدرر الفرائد ص ٨١٥ وغيرها.
(٢) بالأصل: أبو.
(٣) كذا ورد العلم بالأصل.
[ ١ / ٢٩١ ]
تتابعوا في صباح تاريخه ووصل الشريف بركات في ليلة تاريخه وهرع الناس للسلام عليه وتخلف الشافعي لتوعكه فتوجّه الشريف لزيارته في عصر تاريخه فجابذه بالكلام والمساعدة في المزاح.
وفي صبح تاريخه عرض أهل مكة وجدة والأودية عرضة هائلة في أسفل مكة بدرب اليمن وتوجّهوا إلى بيت الشريف فشاهدهم ببدره المعظم المنيف.
وفي ظهر يوم الجمعة ثاني تاريخه انجرّ جميع الحاج إلى مكة وتتابعوا إلى صباح ثانيه (^١)، ودخل مكة الأمير بكباي اليزبكي، وهو متولي مشيخة الحرم النبوي، وتقدم الحاج معه في ركب ثان لكثرته، فتوجّه الناس للسلام عليه.
وفي ليلة الخميس ثامن عشري الشهر ماتت عائشة ابنة الشيخ عفيف الدين عبد الله الشيبي فاتح الكعبة الشريفة زوجة الجمالي محمد ابن الشيخ عبد الكبير الحضرمي فجهزت في ليلتها، وصلّي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة وشيّعها خلق من الأعيان، ودفنت بالمعلاة بالتربة التي استحدثها والدها (^٢) بالشعب الأقصى، رحمها الله تعالى، وهي شابة في العُمُر.
وفي صبح تاريخه برز صاحب مكة الشريف أبو نمي ووالده السيد بركات وجميع العسكر وأهل مكة وجدة وعرب الأودية للعرضة لأمير الحاج أحد المقدمين الأمير جانم الأشرفي كاشف الفيوم فواجهوه في الزاهر على العادة، فخلع على الشريف أبي نمي خلعة البلاد المعتادة، وعلى أخيه السيد ثقبة الخلعة الثانية وعلى ابن أحدهما خلعة خضراء وعلى نائب جدة وشاه بندرها، ولبس القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري خلعة حمراء وهي خلاف ملبوس القضاة ولا يُعلم هل هي تحقيقا من الأمير أو جلبها من عنده ليُظهر أنه مقرب لأمير الحاج والشريف، والله أعلم.
_________________
(١) بالأصل: ثاني.
(٢) بالأصل: والده.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ولبس قاضي المحمل العلامة فتح الدين أبو الفتح محمد بن أحمد الوفائي المالكي خلعة بطرحة على العادة ومشى أمام المحمل، فكانت العرضة عظيمة لكثرة الناس والخيول المسوّمة الحشيمة.
وفي ضحى تاريخه بعد العرضة ركب قاضي القضاة وهو مريض وواجه أمير الحاج في منزله بالمدرسة الأشرفية القايتبائية فسلّم عليه وألبسه خلعة قفطان حرير خلاف عادة القضاة. وتوجّه إلى منزله فتتابع الفقهاء لتهنئته، وبرز الشريف بركات إلى خارج مكة جهة اليمن لإبعاده عن الحاج.
وفي يوم الأحد ثاني تاريخه فُرّقت الصر في المدرسة المظفرية فابتهج بها أهلها وسُرِّ القابضون لها. وفي صبح تاريخه فرقت غالب البيوت على أهلها.
وفي ظهره (^١) ماتت ابنة شقيقتي الكبرى أم هاني سعادة المسماة كمالية ابنة السراجي عمر ابن الشيخ جمال الدين محمد بن عمر الرضي المكي وعمرها نحو ثمانية أشهر، وكانت في غالب هذه المدة مريضة، وكذا والدتها، عافاها الله تعالى ولطف بها آمين.
وفي عصر تاريخه طلع إلى جبل أبي قبيس لرؤية الهلال نائب القاضي الشافعي وابن أخيه القاضي محب الدين محمد (^٢) ابن القاضي بهاء الدين أحمد بن ظهيرة القرشي الشافعي ومعه شهود باب السلام وبعض جماعة من الفقهاء، فلم يروه وكان الجو صاحيا.
وفي ليلة الإثنين ثاني تاريخه اجتمع الشيخ العلامة الصالح خاتمة السلف وبقية الخلف نور الدين علي ابن (^٣) الشوني ثم القاهري الشافعي - نفع الله به، وكتب سلامته - وجماعة من فقرائه وغيره أمام الرواق الشمالي من المسجد الحرام، بالقرب
_________________
(١) بالأصل: وفي ظهر.
(٢) كذا بالأصل. وقد ورد اسمه مرارًا محب الدين أحمد بن ظهيرة. انظر مثلًا ص ٢٩٧.
(٣) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
[ ١ / ٢٩٣ ]
من مقام الحنفية فأحيوا ليلتهم من العشاء إلى الصباح بالصلاة على النبي ﷺ كعادته بالقاهرة. فكانت صورة صلاتهم في أول الليل" اللهم صل على حبيبنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، عدد خلقك ورضا نفسك ومداد كلماتك، كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون". وفي الثلث الأخير من الليل صورتها (^١).
فصلّيت معهم في أول الليل كثيرًا وحصل لي وللحاضرين أنس عظيم (^٢)، فالله ينفعنا بذلك، ويعيد البركة لكل قاطن وسالك، انه بالإجابة جدير، وعلى ما يشاء قدير.