استهلّ ناقصا في ليلة الجمعة وطلع الشهود بباب السلام جبلَ أبي قبيس لرؤيته بأمر قاضي القضاة الشافعي لتوعّكه وانقطاعه بمنزله.
وفي ليلة تاريخه وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة وفيها قاضي القضاة الحنبلي محي الدين عبد القادر بن ظهيرة وهو منفصلٌ عن القضاء بأمر صاحب الحجاز، وباشر إمامة مقام الحنابلة بنفْسه صبح وصولِه، وسلّم الناس عليه تهنئة الزيارة، وكذا غيره من الواصليّن وهم الخواجا عبد الكريم ابن الخواجا أحمد الطهطاوي والقائد مبارك ابن القائد أحمد بن خزيمة.
وفي يوم الثلاثاء خامس الشهر وصل جماعة من المدينة الشريفة وصحبتُهم الفقيه العالم أبو (^٢) الفضل قاسم ابن الخطيب أبي الحسن علي بن محمد السبتي. الأندلسي المغربي (^٣) نائب إمام المالكية كان، وهو ميّت من عسفان، فصلّى عليه ودُفِن بالمعلاة، رحمه الله تعالى. وخلفَ ولديْن ذكريْن صغيريْن وابنة كبيرة مزوّجة بمصري وجعل زوجَها وصيّهُ، أخلفهم الله فيه خيرا وعوّضه الجنّة.
_________________
(١) لم ترد في النص تهنئة الشيخ الزقاق.
(٢) بالأصل: أبي.
(٣) قاسم بن علي بن محمد السبتي الأندلسي المغربي. ترجمة البدر القرافي في توشيح الديباج، الترجمة رقم ١٦٧.
[ ١ / ٩١ ]
وفي هذه الجمعة كثر الفقراء الأطفال الكبار والصغار بوصولهم لمكة من البراري لشدة جوعهم وغلاء القوت، فصاروا يُلحّون في السؤال في المسجد الحرام والسوق وأزقّة البلد، بل سمعتُ أنّ بعضهم مات جوعا، فقيّض الله لهم الشيخ العلامة الزاهد شهاب الدين أحمد بن محمد النشيلي المكي الشافعي، نفع الله به، وكتبَ قائمة لجماعة من التجار يسألهم في إعانتهم بما فرضَه الله عليهم من الزكاة، فسمحوا له بمبلغ نحو خمسين دينارا مفرّقا من جماعة، وأعطاه قاضي الروم الإمام القدوة المنقطع إلى الله تعالى مصطفى بن. . . . (^١) بمبلغ أربعين دينارا، فوضع الجميع عند الشيخ العالم المبارك شهاب الدين أحمد بن يوسف الزبيدي الشافعي نزيل رباط الخواجا شمس الدين بن الزمن ليعمل لهم في كلّ يوم شوربة أرز بلحم كما كان يفعله مع شوربة الخواجا عبد القادر القاري في الأشهر الثلاثة المتقدم ذكرها فشرع في عمل ذلك في يوم الأحد عاشر الشهر، وصار يشتري لهم لحما بدينار ومُدّا ونصف أرز بأربعة دنانير، وديناريْن تكملة سبعة لقيمة الماء والحطب وأجرة طبّاخ وغير ذلك، وفي بعض الأيام يعمل لهم خبزا وغير ذلك من الأطعمة، واجتمع على ذلك نحو خمسمائة طفل من الفقراء، فالله تعالى يتقبّل فعل ذلك ويجزي المحسنين خيرا.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشر الشهر وصل جماعة من المغاربة الفقراء على درب الماشي من المدينة الشريفة وأخبروا بموت الخازندار بشير الساقي الخصي كان، بعد توعّكه ثمانية أيام في آخر شوال.
وفي يوم السبت سادس عشر الشهر حصل بمكة مطر يسير وحواليها مطر غزير فسال وادي عرفة وملأ برَكَ جميع الحاج التي بها، فتمّ بذلك غاية السرور.
وفي ليلة الأحد سابع عشر الشهر دخل الخواجا إبراهيم ابن الخواجا أحمد بن
_________________
(١) بياض بالأصل بمقدار كلمتين.
[ ١ / ٩٢ ]
الحسين القاري الدمشقي على زوجته ابنة غريبهِ (^١) وخالته، خديجة ابنة الخواجا عبد القادر بن محمد بن عيسى القاري الدمشقي، وعمره سبع عشرة سنة، والزوجة أكبر منه بنحو ثلاث سنين. فهنأ الناس الزوج في صباح تاريخها. وحضر والده ولم يحضر والدها، كعادة الشام، وعمِل لها وليمة قبل الدخول، فالله تعالى يجعلها مباركة على كلّ من أهلها وأهله.
وفي عشاء ليلة الإثنين ثاني تاريخه وَلدتْ صفيةُ ابنة قاضي القضاة النجمي ابن يعقوب المالكي ابنا (^٢) مباركا اسمه (^٣) من الخواجا عبد اللطيف الفاضل اليمني، وهو غائب بمدة في عدَن ووصل منه مبلغ لأمّه مع جماعة وصلوا بحرا في مراكب عدَنية فصادف نفاسها وأوسعتْ في المصروف.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر وصلت إلى مكة المشرّفة الشريفة غبية (^٤) زوجة السيد الشريف بركات أمّ ولَده الشريف أبي نمي، وهي من أشراف بني حسين، وفي آخر النهار وصلتْ زوجته الثانية الشريفة أمّ الكامل ابنة عجل من جدة، فقصدهما الأكابر للسلام عليهما.
وفي ليلة الخميس حادي عشري الشهر وصلتْ أوراق من السيد الشريف بركات إلى قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة، وصلتْ مع قاصِدِهِ مسلم من القاهرة المحروسة فيها بعض أوراق كتبها بعض الحاج لا (^٥) منهم المحيوي العراقي، وأخبر فيها أنه سافر من الأعيان المباشرين بالقاهرة سافروا (^٦) إلى إسطنبول
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) بالأصل: اسما.
(٣) سقط الاسم من الأصل.
(٤) كذا بالأصل، ولعله "غنية".
(٥) كلمة غير مقروءة بالأصل صورتها: "لا لعقبة".
(٦) كذا بالأصل.
[ ١ / ٩٣ ]
بحرا قبل خروج الحاج من القاهرة بيومين، لطلب الخنكار لهم، وهم القاضي كاتب الأسرار الشريفة وأمير الحاج وناظر الخاص كان العلائي ابن الإمام شرف الدين الصغير وبركات كاتب الخزانة، وعُيِّن لكتابة السرّ بالقاهرة عِوَض الأول المقرّ الشهابي ابن الجيعان، وتشوّش منه صاحب الوظيفة فحلف له على المصحف أنّه ليس له دخل في سفره ولا كاتبَ في جهته.
وتولّى إمْرة الركب المصري القاضي زين الدين بركات بن موسى المحتسب بالقاهرة وخرج معه خلق من الحاج فتعِبُوا في الجِمال لضعفها وقلِّتها. وخرج على ساقة الحاج جماعة من العرب قبل وصولهم إلى العقَبة فأخذوا منه نحو مائتي حمل فيها زيت الحرم الشريف الآتي كان صحبة القاضي فضيل بن ظهيرة، فتبِعهم أمير الحاج ومسك منهم ثلاثة أنفُس فقتلهم ولم يُحَصّل الباقين وتهدّد شيخ العائد وكان مسافرا صحْبته، فقال له: لي علم بهم، ورجع من هناك إلى مصر جماعة من الحاج، وغلا كراء الجمال فبلغ كلّ جمل بخمسين دينارا، وحمل مع شخص حلبي صحبة الركب صُرر أهل الحرمين جميعها حتّى الذخيرة الشريفة، وكانت العادة مع أمير الركب.
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه توفّيتْ جوهرة الحبشية مُسْتوْلدة السيد الشريف بركات أمّ (^١) له درجوا بالوفاة وهي أوّل سراريه، فجُهّزتْ من ليلتها وصليّ عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودُفِنتْ بالمعلاة عند قبر الشيخ الشولي بجانب تربة الشيخ الجنيد المشرع، وشيّعها خلقٌ من الفقهاء والتجار وغيرهم، وعزّى الناس أخا (^٢) سيّدها الشريف سند (^٣) بن محمد وابن أخيه الشريف زهير ابن الشريف
_________________
(١) كلمة غير مقروءة في الأصل، لعلها "بنين".
(٢) بالأصل: أخي.
(٣) بالأصل: "سندس" ولعله خطأ، فإنّ بعض أشراف هذا العصر يسمّى "سند" منهم سند بن جماز وسند بن رميثة، وقد ذُكرا في كتاب غاية المرام للعز بن فهد، انظر فهارسه.
[ ١ / ٩٤ ]
حميضة.
وفي ضحى يوم تاريخه وصل إلى مكة نائب جدة الأمير قاسم الشرواني لقرْب زمن الحج.
وفي ظهر يوم السبت ثالث عشريْ الشهر وُلِد لمحيي الدين عبد الله ابن الشيخ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ شهاب الدين الفاكهي، وأمّهُ زينب ابنة قاسم المغربي الشهير بالدّبّ.
وفي صبح يوم الإثنين خامس عشريْ الشهر شُمِّرتْ " ثياب الكعبة على حلَق لها على العادة.
وفي ضحى يوم الأربعاء سابع عشريْ الشهر وصلت أوراق السيد الشريف بركات، فيها أنّ الحاج وصلوا إلى خليص وهو خلفهم في الساقة وتقدّم ضخوة يومها وكان لاقاهم من مخشوش، منزلة بالجنب البزوي، ونيته الوصول الى مكة في ليلة الخميس مُحْرِمًا.
وفي ظهر تاريخه وصل جماعة من هجّانة (^١) الحاج ومشائخ العرب وتتابَع بعدهم الحاج أكثرهم أو كُلّهم.
وفي أثناء ليلة الخميس المذكور وصل سلطانها الشريف زين الدين بركات فطاف بعد صلاة الصبح ودعا له الرئيس فوق ظلّة زمزم، وبعد الفراغ هرع الخلق للسلام عليه، واجتمع به الأمير محمد بك الرومي والخواجا بيري والآمدي شاه بندر جدة والقاضي زين الدين المحتسب الناظر بجدة، فتكلّم الشريف على نائب جدة لكوْنه بلَغَهُ عنه أنه يشتكي عليه ببيْعه للحَبّ والتّمر، وكتب ورقة بذلك وألْصَقَها علي باب زمزم في شهر رمضان، فقال الجماعته المتقدّمين: أنا ما ظلمْتُ أحدًا ولا أخذْتُ حقّهم بل وسّعْتُ عليهم لغلو الأقوات ويحصل لي الأجر على ذلك، لكنّه هو
_________________
(١) جنود يركبون الهجن يصاحبون ركب الحج.
[ ١ / ٩٥ ]
رافضي يسكر ويتعاطى ما لا يليق، وأنا أعرفه وهو تاجر يحزم القماش. فصاروا يسألونه العفو، ثمّ ذهبوا من عنده وأخبروا نائب جدة بالمجلس فركب وأخذ (^١) معه نحو مائتيْ روميّ وعبيد له، وتوجّه إلى منزل الشريف ونزل خارج بابه ووقف غالب جماعته هناك ودخل معه بعضهم وأظهر توعّكه فتعكّر عليه، فلما وصل إلى عند الشريف قام له قليلا وقال له القاضي الشافعي: الأمير متوعّك! فقال الشريف: إنّ الله يحبس الفراعنة، فسأله نائب جدة عن معنى ذلك فقال له الشريف: قصْدي أنتَ، فعاتَبَه على أفعاله معه، وأغلظ له في القول وأمره بالقيام من عنده فقام وهو متغيّر اللون ولم يُبْدِ جوابًا قاله. فالله تعالى يُصْلح أحوال المسلمين، بجاه سيّد المرسلين.
وفي ضحى يوم تاريخه وصل إلى مكة جماعة من مشائخ عرَب العائد (^٢) وغيرهم مفارقين للحاج وتتابع بقيّتُهم في آخر النهار، ودخل أميرهم القاضي بركات بن موسى المحتسب بالقاهرة وطوّفه فضيل ابن القاضي زين الدين عبد الباسط بن ظهيرة، وكان وصل صُحْبَته من القاهرة. فلما فرغ سعّاه ماشيا الإمام إسماعيل الطبري الشافعي، وكان لاقاه من ينبع، وبعد الفراغ عاد إلى الزاهر كعادة أمراء الحاج، فبات به إلى الصباح، فتوجّه له زعيم الحجاز السيد بركات بن محمد وولده أمير مكة المشرّفة الشريف أبو (^٣) نميّ وعسكرهما من بني حسن والأتراك والأعراب خيولًا ومشاة، فلاقوه هناك فخلع على الشريف خلعة قفطان وعلى ولده خلعة وعصابة على العمامة المدوّرة كعادة أهل مكة، وألْبَسَ كلّا من نائب جدة وولده وقاضي القضاة الشافعي والشريف عرار بن عجل وشاه بندر
_________________
(١) بالأصل: وأخذه.
(٢) عرب العائد: انظر عنهم الجزيري: الدرر الفرائد ص ١٣١٣.
(٣) بالأصل: أبي.
[ ١ / ٩٦ ]
جدة والقاضي زين الدين الناظر بجدة، ودخلوا مكة من ثنية كداء -بالمد- (^١) من باب المعلاة، وأوصلوا أمير الحاج الى منزله مدرسة الأشرف قايتباي. ثم توجّه الشريف إلى منزله بأجياد ومعه جميع العسكر، ونائب جدة خلفه لما وقع بينهما.
وفي صبح يوم تاريخه تقدّم إمام الحنفية في الصلاة وسط حِجْر سيّدنا إسماعيل عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام، وذلك أنّ بعض الأروام لما رأى إمام الشافعية تقدّم إلى عند باب الكعبة الشريفة بجانب المعجنة التي يُقال إنها علامة لمصلّى جبريل بالنبيّ محمد ﷺ في وقت الصلوات الخمس على العادة في أيام الموسم أخذ بساط إمامهم وشمع محرابهم وتقدّم به إلى الحِجْر وتبعَهُ إمامهم فصلّى بِهم في وسطه وطلع مُكبّرهم على جدار الحجر. فتشوّش الأخيار من ذلك لكونهم أحدثوا بدعة يحصل بها ضررٌ على الطائفين والمصليّن، وأنكر عليهم بعض الأخيار فلمْ يُفِدْه ذلك لكثرة البدع وقلّة المنكرين لها، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم.
وفي مغرب ليلة السبت سلْخ الشهر طلع على جبل أبي قبيس لرؤية الهلال قاضي القضاة الشافعي راكبًا لتوَعّكه، وطلع معه شهود باب السلام وجماعته وبعض الفقهاء لعدم معْرفَتهم بطلوعِه، فأقام به ساعة بعد صلاة المغرب، ونزل منه إلى المسجد الحرام وصلّى هناك ركعتين وأمر بالنداء لمن رأى الهلال فليتقدّم، فلم يرَه أحد.