واتفق في يوم السبت سادس عشريْ ربيع الأول حصول مطر نافع بمكة المشرفة، وتوالى بها وبأعمالها مدة ثلاثة أيام بلياليها بحيث يمطر ساعة ويسكت أخرى، إلى أن كان في ليلة الإثنين ثامن عشريْ الشهر قوي في آخر الليل ونزل بَرَد كثير وسالت الأسطحة من ميازيبها في الأزقة وجاء سيل وادي إبراهيم عند طلوع [الشمس] (^١) ودخل المسجد الحرام من جميع أبوابه الثمانية بل توجّه إلى المسعى، ودخل من باب بني شيبة المعروف بباب السلام مع الأبواب الموالية له الشرقية وملأ الحرم حتى وصل قناديل المطاف وعلا عتبة الكعبة الشريفة مقدار ذراع أو أقل شبرا ودخلها من خلال الباب، ومَلأ غالب القناديل التي بالمطاف وعامَ منابر الوعاظ
_________________
(١) كلمة سقطت من الأصل أضفناها لإكمال المعنى.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ودرجة الكعبة حتى وصلت إلى باب إبراهيم، وسلّم الله المصاحف والربعات التي بقُبّة الفراشين، لأن صاحب النوبة لما استشعر بالسيل رفعها علو الرفوف بها، جزاه الله خيرا، بل دار على الفقراء اليمانيين (^١) في المسجد وأقامهم فخرجوا سالمين بحمد الله ولم يُصَب منهم إلّا فقير أعمى كان في جهة باب إبراهيم فاز بالشهادة، وتعلّق رجلان منهم على درجة باب قبة العباس ومسكا حلق الباب حتى تصرّف غالب الماء من المسجد، واستمر غالب النهار لكنه وقف السيل وصار يخرج من الأبواب الثمانية عند طلوع الشمس، وكان غالب خروجه من باب إبراهيم.
وامتلأت ثلاث بِرك الحاج التي بالمعلاة إلى علوها وكسِر جانب إحدى (^٢) بركتي المصري الموالي للمسجد الحرام في ركنها اليماني، وطاح كثير من الدور التي في طريق سوق الليل والمسفلة بل أطراف مكة وداخلها وعلو جبل أبي قبيس وتوالى ذلك أيامًا. وكان الهدم سالما لم يعطب فيه أحد إلّا رجلًا إسكندرانيًا أثنَى [٨٤ أ] الناس عليه خيرًا، وعم السيل نواحي كمنى وعرفة والأودية وجدة وغير ذلك، وتعطل الناس من السفر إليها نحو اليومين بل طاح كثير (^٣) من بيوت منى ويقال إنّ عدة الواقعة بها وبمكة قريب من ألف بيت، وكان منها منزلنا بهما مع غيرهما من الأملاك، فالله تعالى يعين على عمارتها جميع المُلّاك.
وصلّى الناس ظهر تاريخه على سطح المسجد الحرام واستمروا على ذلك إلى ظهر ثانيه لأن ناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة بادر في صبْحه مع أتباعه وخلق من أكابر مكة والتجار والمجاورين بها للعمل في تنظيف المطاف وشيل الوحل منه إلى خارجه فبذلوا الهمّة في ذلك، ونالوا به أحسن المسالك، بحيث نُظّفَ الحجر والمطاف ومقام إبراهيم ومقام الحنفية في نصف نهار، ولله الحمد.
_________________
(١) كذا بالأصل، ولعل صوابها: "البائتين بالمسجد".
(٢) بالأصل: أحد.
(٣) بالأصل: كثيرا.
[ ١ / ٣٥٣ ]