وفي ليلة الثلاثاء حادي عشر الشهر وصل لمكة من فريقه صاحبها الشريف أبو (^١) نمي الحسني لأجل زيارة المولد الشريف وعقد أولاد وزيره الآتي. ووافق وصول أمين الصدقة الهندية من جدة وهو الخواجا خليل والناظر عليه إقليم خان الهندي، فقصدهم الناس للسلام عليهم.
وفي عشاء تاريخه مات الشيخ العلامة المدرس مفتي المسلمين القاضي شمس الدين محمد بن العز عبد العزيز الحجازي القاهري الشافعي نزيل مكّة المشرفة وأحد نوابها في الحكم من القاضي كمال الدين التادفي الحلبي كان. وجهّز في ليلته وصلّي عليه عقب صلاة الصبح ونودي له على زمزم ودفن بالمعلاة في تربة الجبرت وشيّعه جماعة وذكروه بخير.
[كان من أكابر العلماء ومن أجل تلامذة شيخ الإسلام زكريا، وله تصانيف كثيرة منها شرح لطيف على صحيح البخاري وحواش على شرح العقائد وحواش على شرح هداية الحكيم وكتاب حافل سماه عنوان المعلوم ذكر فيه من كل علم عدة مسائل ولطائف وفوائد وهو كتاب مفيد في بابه. رأيت هذه الكتب كلها بخطه وله غير ذلك من التصانيف والدقائق، وكان له درس في المسجد الحرام قرأتُ عليه قطعة من المغني لابن هشام وحضرتُ دروسه وأجاز لي. وكان لطيف الذات حسن المفاكهة ضحوك السنّ بشوشا، رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس
_________________
(١) بالأصل: أبي.
[ ١ / ٤٤١ ]
الأعلى. كتبه قطب الدين الحنفي] (^١).
وخلّف ولده عبد العزيز وابنتين من جاريتين، رحمه الله تعالى.
وفي ليلة الأربعاء ثانى تاريخه كانت زفة المولد الشريف من المسجد الحرام وكبيرها الناظر عليه قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة ومشى معه الأعيان وخلق من العامة وحجبه قاضي المالكية القاضي عبد الوهاب بن يعقوب وقاضي الحنابلة أبو حامد بن ظهيرة والخطيب الجديد المحيوي العراقي وأمامهم المفرعات وشمع الحرم على العادة. وكان القضاة الثلاثة متوعكين وأشدهم ضعفا الشافعي وجلس في الطريق مرارا ذهابا وإيابا، ودُعيَ له في المولد مع السلطان وأمير مكّة كعادتهم وكذا بالمسجد الحرام، وتفرق الناس عنه فيه بعد السلام عليه بعد صلاة العشاء.
ثم توجّه القضاة والأعيان من القضاة والتجار إلى بيت الوزير كمال الدين أبي الفضل بن أبي علي المكي لأجل عقد ولده الصغير المراهق الزيني على ابنة أخيه الجناب العالي الشيخ جمال الدين محمد المدعوة زينب، وعقد ولده البالغ السراجي عمر على ابنة عمه الماضي المدعوة أم هاني وهما مقصودان بالزواج لكبرهما وتأخير الأولين لصغر سنهما، فإن عمر الأول يقال أربع عشرة سنة وعمر زوجته نحو العشرة وقبل لكل واحد منهما والده عقده وباشر العقد قاضي القضاة الشافعي بخطبة واحدة، وحضر العقد السيد الشريف أبو نمي صاحب مكّة وأخوه الشريف ثقبة وجماعة من قوادهم، وكان جلوسهم في المجلس الكبير مع القضاة والفقهاء وغالب الناس في الزفاف على دكاك من خشب، وشرب الجميع سكرا مذابا وبُخروا بالعود والعنبر والماورد، على جاري العادة، وانفضوا وركب الشريف من
_________________
(١) ما بين عاقفتين كُتِب على الهامش بخط قطب الدين النهروالي، وكتب في آخره قوله: "كتبه قطب الدين الحنفي".
[ ١ / ٤٤٢ ]
فوره وتوجّه إلى فريقه. وهنأ الناس والد الزوجين في الصباح كل واحد في منزله، وقصد الناس أبا الفضل أكثر من أخيه لظهوره وتقدمه في الفرح والبذل للواجب وغيرهم، فالله تعالى يديم أفراحهم وأفراح المسلمين آمين.
وفي هذه الجمعة وصل لمكة وكيل الصدقة الهندية الخواجا خليل ابن (^١) وتحدث الناس بتفرقته لها وتكلموا معه في أمرها فوعدهم الجدة ولازموه في تفرقتها بمكة وتعذر عليهم بكونه قماشا وهو بجدة، فتوجّهوا إلى قاضي القضاة الشافعي وسألوه في تفرقتها فأمره بذلك وصمم هنالك فاعتذر له وأرضاه بمبلغ يقال نحو ألفي دينار فلأجلها تجشم المشقة وتوجّه إلى جدة وهو مفصول عن قضائها ومتوعك في بدنه، وأظهر أنّ الشريف أبا نمي أمره بذلك.
فتوجّه قبله الأمين خليل ثم القاضي الشافعي تبعه إليها في صبح يوم السبت حادي عشر الشهر وتبعه قاضي الحنفية المفصول أبو السرور ابن الضياء ثم قاضي الحنابلة أبو حامد بن ظهيرة ثم قاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب ثم بقية الفقهاء وخلق من العرب والعجم لأجل قبض تعلقهم.
ثم توجّه كاتبه الجدة يوم الجمعة سابع عشريْ فوصلتُها صبح يوم الأحد فوجدتهم شرعوا في التفرقة على المستحقين قبل وصولي بيومين أو ثلاثة، وكان صرفهم باجتماع قاضي القضاة الشافعي والناظر على الصدقة إقليم خان ووكيلها خليل وبقية القضاة ما عدا الحنفي المتولي لقضاء مكّة وجدة وذلك في محلّ عروض الصدقة وهو أحد بيوت وقف الخواجا ترسن الرومي على ساحل البحر. وكتب على المستحقين لكل واحد إشهاد بخط الشيخ أبي زرعة المنوفي، وهو الضابط لها والعمدة عليه في معرفة مستحقها ومن قبض أولًا منها مع مباشر هندي من جهة
_________________
(١) بياض بالأصل بمقدار كلمتين.
[ ١ / ٤٤٣ ]
الخان ثم يكتب على الإشهاد القاضي الشافعي (^١) والقابض ثم عليه علامة اسم الخان، ثم توزيع الوكيل للعروض والنقد الباقي وهو نحو النصف من كل منها.
وأعطي لغالب الناس تفاريق عال كل شاش مرمر شاهي بسبعة أشرفية وكل ثوب جوتار بأربعة وعشرين ومناديل حرير كل واحدة بخمسة أشرفية وكل قطنية ملونة باثني عشر وكل محبس بأربعة والكورجة الكندكي الأحمر بخمسة وثلاثين والأسود حرج العرب باثني عشر وهو أسود من غيرها ولم يحصل لكل واحد. وأما الثياب الدوني فلم تظهر إلّا للخواص.
وبلغني أن القضاة والمتجاهين من العجم أعطي لهم هذه العروض بأنقص من هذه الأثمان وخسر غالب الناس فيها نحو الثلث والربع خصوصًا القطنيات فإنها متفاوتة ولم يُراع في إعطائها جانب الله تعالى، وعنده تجتمع الخصوم. وبعض الناس باع استحقاقه بجدة وبعضهم حمله ورخص القماش فيها هضما لجانب المستحقين وعادوا لمكة أوّلًا فأوّلًا وكان يعطي كل واحد بحسب ما هو مكتوب له في الدفاتر من الهند وهي ثلاثة أحدها قديم والثاني تقرير جديد والثالث إنعام.
ففي الأول يحسب العشرة تسعين ثم يُسقط منها نحو الثلث فتصرف عن ثلاثة وستين أشرفيا وفي التقرير الجديد يصرف العشرة اثنين وأربعين أشرفيا عن ثلاث سنين وفي الإنعام عن سنة واحدة كل عشرة سبعة أشرفية.
وتضرر الناس بذلك ويقال سببه نقص سعر القماش وأخذ الشريف أبو نمي صاحب مكّة الثلث منها، ويقال نحولاك مائة ألف دينار، وأعطى بعض جماعته وغير ذلك. ويقال إنه رصد للعامة منها عشرين ألفًا وأخرت تفرقتها لاجتماع ثمن القماش في بيعه. وعيّن لأهل المدينة الشريفة حصتهم من النقد والقماش وكذا لأهل بيت المقدس. جزى الله المتفضل بها خيرا وأحسن إليه، وأدام نصره ونعمه عليه،
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
[ ١ / ٤٤٤ ]
وألهم جماعته الشفقة على المستحقين ليحصل لهم الثواب والعود إلى أوطانهم سالمين، بمحمد وآله آمين.