في أوله نزل سعر الحب المصرية بمكة بحيث بيعت الربعية بمحلّقين ونصف وأقل من ذلك بعد أن كانت ملازمة الثلاثة وأزيد والرطل السمن بثلاثة محلقة ونصف وأقلّ من ذلك، والمنّ الجبن بثلاثة محلقة. وموجب هذا الرخص في الأخيرين كثرة المرعى وحسن الربيع، وفي الحب وصول جلاب من القصير واليمن وثلاثة مراكب من الهند خرجت (^١) في أول زمان.
وفي ضحى يوم الإثنين مستهل الشهر مات الفقيه العدل المرتضى شرف الدين يحيى بن إدريس بن يحيى بن أبي الخير محمد بن عبد القوي المكي المالكي بعد توعّكه نحو نصف شهر بالحمى والجدور (^٢) فجهّز من يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة بالقرب من تربة الشيخ عمر العرابي بوصية منه لكونه فقيره وخلّف ولديْن ذكرين وبنتين مزوجتين أكبرهما على محمد ابن الشيخ باكثير وثانيتهما (^٣) على محمد ابن الشيخ الحطاب. وصهورته لهذين تدلّ على بركته، رحمه الله تعالى فإنه كان فقيرًا ملازمًا على الشهادة بباب السلام وشغل العُمَر والقيام بعياله مع البشاشة والقناعة، تغمده الله برحمته.
وفي ظهر تاريخه سافر من مكة المشرفة الملك محمد بن شيخ علي القيلاني
_________________
(١) بالأصل: خرجوا.
(٢) الجدور التورّم الناتج عن مرض الجدري.
(٣) بالأصل: وثانيهما.
[ ١ / ٢٢٢ ]
الهندي الأمين على الصدقة الهندية المظفر شاهية بنية زيارة المدينة الشريفة وصحبته جماعة من الزوار، وكان برز حموله في الزاهر خارج مكة في يوم السبت ثامن عشريْ صفر وخرج معها بعد ثلاثة أيام بتجمّل زائد.
وفي أوله وصل قاصد من القاهرة المحروسة يقال له مسلم وتوجّه إلى السيد الشريف بركات صاحب الحجاز المنيف جهة اليمن ولم يُعلم خبره ثم أرسل الشريف أوراقًا إلى مكة لقاضيها كان الصلاحي بن ظهيرة وصحْبتها مراسيم الشريف وفيها جواب ما أرسله مع الحجاج أو قبلهم من جهة الوقعة مع الأروام في أيام الثمان (^١) والاعتذار منه فيما فعل وأنه لا يرضيهم، وأكدوا على نائب جدة حسين الرومي في طاعة الشريف وإكرامه واحترامه وهو قد توجّه إلى اليمن بحرًا ولم يتعرض فيها لأخبار القاضي المعزول. وكان الشريف كاتب في أمره ويُقال أن جماعة كتبوا من القاهرة أن ملك الأمراء نائب الديار المصرية مصمّم في عزله ويتهدد المتكلم له بالتوجّه إلى إسطنبول، والله أعلم بحقيقة ذلك.
وفي ضحى يوم السبت سادس الشهر ماتت الطفلة البنت (^٢) ابنة الشيخ العلامة المدرس شهاب الدين أحمد بن يوسف الزبيدي الأصل المكي الشافعي وعمرها سنة ونصف ووالدها غائب في شغل عين حُنين بأمر شيخ الشيوخ محمد بن عراق -نفع الله به- فجهّزها الشيخ في يومها وصلّى عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعها جماعة من الفقهاء وقال الشيخ ابن عراق للرئيس بزمزم: نَادِ بالصلاة على الجنازة قبل صلاة الحنفي وبادر بالدعاء للشافعية قبلهم، فتشوش بذلك الشيخ المعتقَد عند الأروام نور الدين حمزة الرومي الساكن بمولد السيد أبي بكر الصديق، وتكلّم على الرئيس بسبب فعله ذلك فقال له: الشيخ محمد
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) بياض بالأصل بمقدار كلمتين.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ابن عراق أمرني بذلك، فسبّ الشيخ وذكره بأمور قبيحة أنكرها كل مَن سمعها وعابَها عليه مَن حضرها. فبلغ الشيخ كلامه فاحتسب عليه بالله تعالى وتوجّه إلى وادي منى لأجل العزلة والعبادة، نفع الله به عباده.
وفي صبح يوم الإثنين ثامن الشهر مات الشيخ المبارك المعتقد زين الدين عبد الرزاق ابن الشيخ الصالح المعتقد عفيف الدين عبد الله بن عامر المساوي البدري الأصل المكي، وكان توعّكه نحو جمعة بالحمى والباردة كوجع الناس في هذه الأيام. فجهّز في يومه وصلّى عليه ضحى تاريخه عند باب الكعبة تلميذ والده الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي بكر النويري العقيلي. وشيّعه جماعة كثيرون ودفن بالشبيكة في تربة والده، رحمهم الله تعالى وإيانا ونفع بهم، وخلّف ولدًا ذكرًا -أظن- وأربع بنات وزوجتين، وترحّم الناس عليه وذكروه بخير. وبعض الناس قال: إن جماعة من فقراء والده يدعون عليه لأخذه تعلقهم في الصدقة الهندية التي كان السبب في تقريرها لهم بالهند. فالله تعالى يعفو عنه ويُرضي عنه خصماءه.
وفي صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه وصل إلى مكة سلطانها السيد الشريف بركات وولده الشريف أبو نمي وجميع عياله و (^١) فهرع الناس من الأعيان للسلام [عليه] (^٢) وعلى ولده وهو مريض طلع له الحب الفرنجي (^٣) والده دهانه، فالله تعالى يعافيه، ومن الأسواء يَقِيه.
وفي يوم تاريخه جاء الخبر إلى مكة بغرق طراد (^٤) بالقرب من سواكن فيه جماعة من أهل مكة وغيرهم نحو الثمانين نفسًا. فممن هلك (^٥) ونُعِيَ عليه أهله بمكة
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) كلمة سقطت من الأصل.
(٣) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٤) طرّاد وطرّادة: زورق سريع السير، سعاد ماهر: البحرية في مصر الإسلامية ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٥) بالأصل: ذلك.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الزيني عبد المعطي ابن الخواجا عبد الرزاق العيناتي المكي والنوري علي بن أبي القاسم الأشتر أحد الخدام للكعبة الشريفة. وحكى السالم من الغرقى أنهم وقفوا على شعب فنزل بعضهم إليه فسلم وبعضهم رمى بنفسه في البحر متكلًا على عومه فأكلته القروش، وكل شيء بقضاء وقدّر.
وفي يوم الأربعاء عاشر الشهر توجّه الشيخ نور الدين حمزة وجماعته صحبة الشيخ العلامة المدرس ملا حاجي العجمي إلى وادي منى لأجل ملاقاة الشيخ محمد ابن عراق والاعتذار منه مما وقع للشيخ نور الدين حمزة من الكلام فيه. وموجب ذلك أنه رأى منامًا بسببه أخبر به بعض جماعته فواجهوا الشيخ ابن عراق وعفا عنه، نفع الله به.
وفي ليلة الجمعة ثاني عشر الشهر عُملتْ زفة لطيفة فيها عشر فوانيس من المسجد الحرام إلى المولد الشريف النبوي مشى فيها ناظر المسجد الحرام والقاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر ورفقته أولاده والخطيب عبد الرحمن النويري وبعض أروام وجماعة من العامة، وتأخر الفقهاء جميعهم عن المشي استحقارًا له وصار يفعل ذلك ضحكة، فإنه لم يتمّ له غرضه على مقصوده، ولا اتفق له بعض ما فعل النظار قبل وجوده، ولو ترك ذلك كان أصلح له، خصوصًا وقد نهاه شيخ الشيوخ محمد بن عراق عن فعلها وأنها بدعة يجب تركها فوافقه على ذلك ثم نقضه ليطلع على فعله كل قاطن وسالك، فسبحان قاسم العقول.
وفي صبح تاريخه تضارب البدري حسن أكبر أولاد القاضي الشافعي الجديد مع الفقيه العالم العفيف عبد الله ابن الشيخ شهاب الدين أحمد ابن العلامة نور الدين علي الفاكهي بسبب انتقاد الثاني على والد الأول في ما أفتى به على سؤال: لفظٌ في أثناء البردة النبوية هو:
إذا الكريم تحلّى باسم منتقم
[ ١ / ٢٢٥ ]
فقال والد الأول: تجلى بالجيم المعجمة، وقال الثاني: صوابه تحلّى بالحاء المهملة، فرد الولد عليه بغلظة وسطا بعمامته ابن الفاكهي، فدخل بينهما جماعة كانوا حاضرين فانفض المجلس والعفيف الفاكهي متشوّش، فاجتمع بصاحب البلاد السيد بركات بن محمد بعد صلاة الجمعة بالمسجد فشكا عليه فعل البدري بن ناصر به واستشهد بأخبار وأشعار في الانتصار أعجبتْ الشريف، فأقبل عليه وقال له: خصمك حشاش، وأمر الحاكم مبارك بن بدر بطلبه في ثاني تاريخه فطلبه بحضرة خصمه وأغلظ له في الكلام، وحين رأى ذلك أخذ يقول: مهما فعله الحاكم فيّ أحتمِلُهُ ولو كان ضربًا على رجلي، وسلّم على رأس الفاكهي وأخذ يظهر في المجلس الخبال كعادته، فأصلح بينهما الحاكم وخرجا من عنده، وصدق المثل في قوله: أوْسِع الجرح، وآخره صلح.
وفي ليلة الثلاثاء سادس عشر الشهر عمل القاضي تاج الدين محمد ابن قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة القرشي المكي مولدًا في منزله وسَكَنِ والده بالسويقة حضره جماعته وكثير من الفقراء فلما فرغوا منه ذكروا الله تعالى وانصرفوا. وكان له ولد صغير عمره قريب سنة راقد في مرقده (^١) ومات، فجهّز في يومه وصُلّى عليه بعد صلاة العصر عند الحجَر الأسود كعادة ظهيرة وحضر معه ثلاثة جنائز فصُلّي عليهم معه أمام الحجر الأسود، منهم المرأة الكاملة المباركة أم الخير ابنة الشيخ الصالح برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مصلح العراقي المكي شيخ البيمارستان بها، طليقة الشرفي يحيى بن عبد القوي المتدرّج بالوفاة في هذا الشهر وأم بنته أم هاني فدفنوا في المعلاة بتربة أسلافهم ﵏، واحترق والد الأول وجماعته عليه كثيرًا (^٢) فالله تعالى يعوّضهم فيه خيرًا.
_________________
(١) خمس كلمات بالأصل غير واضحة المعنى وغير معجمة.
(٢) بالأصل: كثير.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وفي ثاني تاريخه ماتت الشريفة عائشة ابنة الشريف أبي الخير محمد بن عبد اللطيف الحسني الفاسي زوجة الشرفي يحيى بن عبد القوي الثانية وأم أولاده الباقين، فجهّزت في يومها وصُلي عليها (^١) بعد صلاة العصر ودُفنت بالمعلاة، رحمها الله تعالى.
وفي أثناء هذه الجمعة ادهن الشريف أبو نمي ابن السيد بركات صاحب البلاد لوجعه بالحَبّ، عالجه شخص هندي يقال له حسن بدهن بعض أطراف يديه، ومكث ثلاثة أيام ثم عوفي وزال ألمه، فحصلت لمعالجه إنعامات كثيرة من الثياب والدراهم وغيرها من جميع عائلة ابنه رجالًا ونساءً يُقال أزيد خمسمائة، والله المعطي والقاسم.
وفي ظهر يوم الأحد حادي عشريْ الشهر توجّه الشريف بركات وأهله إلى فريقه جهة اليمن، وماتت الشريفة زيلعة ابنة محمد بن أحمد بن سالم الشطي المكي وجهّزت في يومها وصلّى عليها بعد العصر بساعة قاضي الحنفية بديع الزمان بن الضياء القرشي وشيّعها جماعة كثيرون ودُفنت على قبر أمّها بالقرب من درب المعلاة. وخلّفتْ ولدين ذكرين من نزيل الكرام الريمي وتألمتْ بعده مدة وخطبها الأزواج فلم ترْض بهم. وكانت مباركة ملازمة على العبادة والخير، رحمها الله تعالى وإيانا.
وفي يوم الأربعاء رابع عشريْ الشهر فرّق أوائل صدقة السيد الشريف بركات صاحب البلاد على الفقهاء كحكم السنة قبلها وزيادة شيء يسير لزيادة المبلغ وهو ستمائة دينار، يقال إنها زكاة إبله، تقبّل الله ذلك منه وبارك له فيها، على يد الوزير كمال الدين محمد بن أبي علي المكي. فجعل لكل قاض متول ومعزول خمسة عشر أشرفيًا خلا الشافعي الجديد النوري ابن ناصر فعشرين والشافعي المفصول واطلع
_________________
(١) بالأصل: عليه.
[ ١ / ٢٢٧ ]
على تفرقتها وينسب إليه توزيعها يقال خمسين دينارًا أو أكثر وابن أخيه المحبي عشرين ولكل من جماعته خمسة أشرفية خلا القاضي فائز فعشرة وكذا صاحبنا الشيخ شهاب الدين الحرازي والشيخ نور الدين الزبيدي فمثله والقاضي شرف الدين الرافعي فستة أشرفية وغالب أكابر أهل الحرم كأئمة المذاهب الأربعة ومشائخها كل واحد دينارين، ومنهم كاتبه، والباقي دينار وأقل من ذلك. وأطلق بعض الناس ألسنتهم في القاضي المفصول ونسبوه إلى هضمهم وهو يتبرأ من ذلك، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه ماتت زينب ابنة القاضي أمين الدين أبي اليمن محمد ابن القاضي محب الدين أحمد بن أبي السعادات محمد بن ظهيرة القرشية المكية بعد توعكها أربعة أيام، فجهّزت في ظهر يومها وصلّى عليها جدها لأمها القاضي شرف الدين أبو القاسم الرافعي بعد صلاة العصر عند الحجر الأسود كعادة بني ظهيرة، وشيّعها جماعة كثيرون ودفنت بالمعلاة بتربة أسلافها بالحجون، وحزن الناس عليها لشبابها وقصر وجعها. وخلفت ولدًا مراهقًا وجدّها وعمتها رحمها الله تعالى وعوضهم فيها خيرًا.
وفي أول هذه الجمعة ولد لسيدي الشيخ الولي الكبير محمد بن عراق، نفع الله به، ابنة عاشت يومين ثم ماتت وهو غائب في شغل عين مكة يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر فجهّزها أخوها في عصر تاريخه وشيّعها جماعة من الأعيان، ودُفنت بتربة شيخنا باكثير تحت جدار الحجون، رحمها الله تعالى وعوض والديها فيها خيرًا.
وفي يوم تاريخه مات الشيخ المعمر عمر بن محمد بن عمر الدرا الحمصي الأصل نزيل مكة والد الخواجا فخر الدين عثمان فجهّزه ولده وصُلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفن بالشعب الأقصى من المعلاة بالقرب من السيدة خديجة، رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وفي صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه مات الطفل (^١) ابن الشيخ إبراهيم العراقي الناظر على البيمارستان المكي، فصُلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودُفن بالمعلاة.
وفي عصر تاريخه مات الفقيه أبو بكر بن عثمان الجبرتي مؤدب الأطفال وشيخ رباط السيد بركات وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودُفن بالمعلاة، وخلّف ولدا اسمه محمد تولّى مشيخة الرباط بعده، رحمه الله تعالى وإيانا.