استهل كاملًا في ليلة الخميس.
وفي يوم الأربعاء سابع الشهر وصلت إلى مكة ورقتا (^٢) القاضيين المتقدم ذكرهما صحبة الشيخ أبي الفضائل بن الفضائل (^٣) بن الضياء الحنفي، فإنه كان بجدة وأخذهما
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) بالأصل: ورقتي.
(٣) كذا بالأصل، ولا نعرف شخصا من بني الضياء سُمّي بهذا الاسم.
[ ١ / ١١٨ ]
من ابني عكاش فيها.
وفرح أهلهما بذلك وصار صاحب كل ورقة يُريها للناس في الأسواق وغيرها، وسمح أصحابهما بذلك. ثم شاهدتُ ورقة القاضي بديع الزمان ابن الضياء الحنفي لأخيه أبي السرور بها إخباره بوصوله إلى القاهرة قبل تاريخها بثلاثة أيام، وهي مؤرخة بسادس عشريْ الحجة، ومقابلة ملك الأمراء نائب الديار المصرية له وإلْباسُهُ قفطانا. وكتب له الخنكار مرسومًا بولايته لقضاء الحنفية بمكة عوضًا عمّنْ بها وغير ذلك من الوظائف التي طلبها، وتاريخه في سابع رمضان، وكان وصوله مع الولاق (^١) الذي أرسله الوزير الأعظم بيري باشا (^٢) المقيم في البيرة قرب مدينة حلب، ويأمر أخاه بمباشرة الحكم عند وصول القاصد بَرًا صحْبَتُه مرسوم ملك الأمراء قبل المولد.
ومضمون ورقة القاضي عبد الحق النويري المالكي لولده بمعناها غير لبْس ملك الأمراء له قفطانًا وأنه تعوّضَ عن الحج بزيارة القدس والخليل ﵇. ويأمر ولده بالسيرة الحسنة مع الناس في مباشرة الأحكام وملازمة الجمالي أبي السعود بن قاسم المقري الشافعي فيها. ومنْع شاهدْين من بابه هما الشرفي أبو القاسم بن قاسم وعبد الرحمن بن إدريس بن عبد القوي وغير ذلك مما لا فائدة في ذكره.
ولم يرسل كل واحد منهما غير ورقة مفردة مفتوحة. وتعجّب الناس لذلك وكون الخبر لم يأت من غيرهما من الحجازيين المقيمين بمصر وغيرهم خصوصًا ويُخبر بعض الناس عن اللذيْن وصلت معهما الورقتان أنهما لم يسمعا بالولاية إلّا منهما، ويُعضّد ذلك إخبار شخص من التجار الشاميين يقال له ابن التُميْرة بوصول ورقة له من
_________________
(١) الولاق: الرّسُل.
(٢) بيري باشا الوزير الأعظم: أحد وزراء السلطان سليمان القانوني، عظم شأنه حتى بان عليه الطمع في السلطة فقتله السلطان سليمان، في رمضان سنة ٩٤٢ هـ. القرماني: أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ ص ٣١٨.
[ ١ / ١١٩ ]
الخواجا قاسم بن الجمال المقيم بمصر أن قاضي مكة الحنفي وصل إلى مصر ومعه مرسوم لملك الأمراء بالوصية عليه. فَفُهِم من هذا الخبر عدم الولاية، فإنها لو كانت صرح بها لهم.
واستمر القاضيان المشاع عزلهما يحكمان وهما القاضي نسيم الدين المرشدي الحنفي والقاضي جلال الدين أبو (^١) السعادات المالكي.
وفي ليلة الجمعة تاسع الشهر عُمِل عقد حافل في المسجد الحرام أمام الرواق الشمالي للشهابي أحمد ابن الخواجا عباس تاجر السلطان الغوري على ابنة عمّه بدر الدين بن محمد حضره القضاة الأربعة وكثير من الفقهاء والتجار والعامة. وأسْرجتْ (^٢) فيه فوانيس الحرم، وكان حفلًا بهِجًا، استكثره كثير من الناس على فاعله لكونه مسْتَحدَث النعمة.
وفي يوم الأحد حادي عشر الشهر ولد (^٣) ابن (^٤) الشيخ إبراهيم بن أبي بكر العراقي وأمه ابنة قاضي القضاة شرف الدين أبي القاسم بن الضياء الحنفي وهي مطلقة.
وفي ليلة الإثنين ثاني عشر الشهر كانت زفّة المولد الشريف من المسجد الحرام إلى مولد النبي ﷺ بعد صلاة المغرب -على العادة- مشى فيها قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام الصلاحي بن ظهيرة (^٥) القرشي من خلف مقام الحنفية إلى باب علي وصحبته القضاة الثلاثة، ثم ركب من هناك وتوجّه إلى المولد لوجعه، وعاد القضاة إلى
_________________
(١) بالأصل: أبي.
(٢) بالأصل: وأسرج.
(٣) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٤) بالأصل: ابنة.
(٥) تكرر هذا العلم مرتين في الأصل.
[ ١ / ١٢٠ ]
المسجد الحرام. وتوجّه في الزفة إلى المولد جماعة القاضي الشافعي وكبيرهم القاضي الزاهد عز الدين وصحبتهم غالب الفقهاء والعامة رجالًا ونساءً بمفرعات الحرم وشمعه، والفقراء يذكرون الله تعالى أمامهم ذهابًا وإيابًا، ودخل القاضي الشافعي إلى المولد الشريف وصلّى فيه ودعا له الخطيب به مع السلطان وأمير مكة على العادة، ثم عاد إلى المسجد الحرام راكبًا وسلم الناس عليه به وانصرفوا.
وفي صباح تاريخه كانت الزفة المختصرة مشى فيها القاضي تاج الدين بن ظهيرة أخو (^١) قاضي القضاة الشافعي وصحْبَته بعض جماعته وكثير من الفقهاء، فزار المواليد جميعها وختم بدار الخيزران على العادة، وتوجّه إلى منزله بالجماعة وحضروا بسماط أخيه صحْبة القضاة الثلاثة وكان حسنًا، فالله تعالى يخلف عليه ويبارك للمسلمين في هذا الشهر المبارك ببركة مَن ولد فيه ﷺ.
وفي عشاء ليلة الأربعاء رابع عشر الشهر عمل عقْد حفل في بيت قاضي القضاة المالكي النجمي ابن يعقوب -رحمه الله تعالى- على ابنتيه الثيب ست الجميع ابنة القضائي النجمي على بركات ابن المعلم خير الدين بن جبريل الغزاوي الدمشقي. والبكر كمالية على الشريف أبي بكر بن الحسين القبيباتي الشامي، حضره قاضي القضاة الشافعي، وكان هو العاقد، وجماعته والفقهاء والتجار. فشربوا سكرًا مذابًا ثم انصرفوا، جعل الله ذلك مباركًا عليهم ورزقهم ذرية صالحة.
وكان كل من البنتين المزوجتين دفع لهما ابن (^٢) المحيوي عبد القادر والوجيهي عبد الرحمن ابني أبي الغيث بن زبرق وسافرا إلى القاهرة، ولهما بها نحو ثلاث سنين، فرُدَّ
_________________
(١) بالأصل: أخي.
(٢) لعل كلمة "ابن" هنا زائدة.
[ ١ / ١٢١ ]
دفْعُهما لأختهما بمكة.
وفي يوم الخميس ثاني تاريخه خامس عشر الشهر وصل الخبر إلى مكة أن الأروام الذين كانوا في البحر يقطعون الطرقات اجتمعوا بالشريف بركات صاحب مكة المشرفة فعمل لهم عَرضة بفريقه في اليمن، وخلع على كبيرهم سنان الرومي، وعاتبه على فعله، فاعتذر له وسأله العفو فعفا عنهم ورتب لهم مرتبًا وأقاموا. وأشيع أنّ عرب الزيدية قاتلوا الأتراك في زبيد اليمن وقتلوا منهم أزْيد من مائة نفس وأخذوا بعض خيلهم، فضعفوا بذلك وطمع فيهم العرب وهم محصورون في اليمن. فالله تعالى يُقيم للمسلمين خيرًا.
وفي ليلة الجمعة سادس عشر الشهر ماتت فاطمة ابنة الجمال محمد بن أحمد الفاكهي فجُهّزتْ من ليلتها وصُلّي عليها بعد صلاة الصبح، ودُفنتْ بالمعلاة عند قبور سلفها (^١) بشعب النور، وخلفت عَصَبة وبعضهم غائب عن مكة باليمن، وأخذ العزاء فيها بعض أقاربها وهم أبو النور بن أبي الخير الفاكهي وعبد الله بن أحمد الفاكهي، عوض والده فإنه ابن عم الذي قبله، وتخاصما بسببها وترك الحضور لأجله، فسبحان قاسم العقول.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه دخل الشهابي أحمد ابن الخواجا عباس على زوجته ابنة عمه وعُمل له سماط مختصر حضره التجار وغيرهم (^٢).
وفي يوم تاريخه وصلت لمكة ثلاثة أوراق بحرا من الحاج مفلح بن عبد الله الحبشي عتيق الخواجا شيخ محمد قاوان لجماعة من التجار في كل منها الإخبار بولاية القاضيين الحنفي والمالكي اللذيْن بمصر عوض اللذْين بمكة، ومعهما مرسوم لملك الأمراء من الوزير
_________________
(١) بالأصل: سفلها.
(٢) بالأصل: وغيره.
[ ١ / ١٢٢ ]
الأعظم بيري باشا. وأنّ السلطان مقيم في أدِرْنة، والصوفي ضعيف جدًا. وأن الأميريْن مصلح الدين وسلمان في إسطنبول وليس على نيّتهما العود إلى مكة في هذا العام، وغير ذلك من الأخبار. وتاريخها في سابع عشريْ الحجة من السنة التي قبل تاريخها، موافقة لتاريخ ورقتْي القاضيين الماضيين خلا يومًا. والذي يظهر مواطأته لهما، فإنه لم يصل الخبر من غيره، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي ليلة الأحد ثامن عشر الشهر ماتتْ المرحومة صفية زوجة الخواجا عباس أم ولده المتزوج في الليلة التي قبل تاريخه. وكان مُهِمّ ولدها وهي في النزع. فجُهّزتْ من ليلتها وصلّي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفنتْ بالمعلاة.
وفي ليلة الأربعاء حادي عشريْ الشهر ماتت الطفلة زينب ابنة أبي الفتح ابن الشيخ السراجي عمر بن أبي السعود بن ظهيرة من ابنة عمه ستيت (^١) ابنة القاضي خير الدين بن ظهيرة. فجهّزتْ من ليلتها وصلّي عليها بعد صلاة الصبح، ودُفنتْ بالمعلاة.
وفي ضحوة يوم تاريخه ماتت قماري الحبشية موطوءة الإمام شرف الدين يحيى ابن الإمام مكرم الطبري الشافعي فجُهّزتْ مِن يومها وصلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة العصر ودفنت بالمعلاة بتربة أسلاف سيّدها تحت تربة بني ظهيرة المستجدّة بالمعلاة.
وفي عصر تاريخه تكلّم القاضي الشافعي ناظر المسجد الحرام على رئيس المؤذنين به الجمالي محمد بسبب تقصيره في السلام والتخفيق، إلى أن دخل وقت صلاة الصبح، فَفَجَرَ عليه، فأمر عبده بِصَكّهِ فصكّه في المسجد الحرام قُدَّام الناس وأمر بحبسه.
وفي مغرب تاريخه توفي الرئيس فخر الدين أبو بكر بن أبي عبد الله الرئيس الحنبلي
_________________
(١) بالأصل: استيت.
[ ١ / ١٢٣ ]
فجهّز من ليلته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح من ثاني تاريخه. وتبعه خلق من الفقهاء، ودفن بالمعلاة بتربة أسلافه وشَمتَ به كثير من الناس لحِدّة لسانه وقوة نظمه وبيانه. وخلّفَ صبيين صغيرين (^١) وثلاث بنات إحداهن شقيقة الصبيين التي ماتت أمّهم قبله بشهر في حادي عشريْ صفر في هذه السنة، واثنتان أمهاتهما شتى إحداهما وجِعة. وأشيع أن القاضي الشافعي ختم على بيته بسبب الأولاد ولم يصبّح ولم تُعمَل له ربعة ولا نُصبت على قبره خيمة، وذلك لعدم احتفال مَن خلفه مِن أمّه وأخويه علي ومحمد. فالله تعالى يرحمه ويعفو عنه. وقبْله كان للمسجد الحرام به جمال الحسن صوته ومعرفته بالأوقات والميقات والنظم والنثر، ولم يخلفه بعد موته مثله.
وفي ظهر يوم الجمعة ثالث عشريْ الشهر وُلد الولد محب الدين أبو حامد محمد ابن القاضي أبي السرور ابن قاضي القضاة نور الدين علي بن أبي الليث بن الضياء الحنفي القرشي، وأمّه فاطمة ابنة الخطيب جمال الدين محمد ابن الخطيب أبي بكر العقيلي النويري في بيت جدّته زينب ابنة الخطيب محب الدين النويري بالشبيكة. وعُملتْ له زلابية فُرقتْ على قليل من الناس مع وجع والده، عافاه الله تعالى.
وفي يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة أن ثمانية جلاب مشحونة حبًا وصلتْ إلى جدة من القصير (^٢) وجلبتان من سواكن، وفي جلاب القصير القاضي بدر الدين بن ظهيرة أخو (^٣) قاضي القضاة الشافعي ومعه مرسوم من ملك الأمراء نائب الديار المصرية لأخيه يسأله في نيابته للحكم بمكة. وأخبر أنّ القصير فيها حبٌ كثير
_________________
(١) بالأصل: صغارًا.
(٢) القصير: ميناء بصعيد مصر بين عيذاب وقوص. ياقوت: معجم البلدان ٤: ٣٦٧.
(٣) بالأصل: أخي.
[ ١ / ١٢٤ ]
وجلاب فارغة شحن (^١) منها عشرة فيها ثلاث مُرَوّسَات (^٢). فنزل سعر الحب بجدة ومكة فبيع بجدة كل إردب بتسعة أشرفية، والمليح بعشرة، وكل ربعية حب الذرة بمحلقين ونصف وبمكة الربعية بثلاثة محلقة وربع وبعض الحب المليح بثلاثة ونصف، فنقصُهُ بمكة قريب محلق. وأخبر الواصلون (^٣) من سواكن أنه وصل إليها مركبان (^٤) من الهند، وأخبروا أنه وصل معهم من باب المندب خمسة مراكب ووراء هم عشرة، فتباشر التجّار وغيرهم لذلك. فالله تعالى يحقق هذا الخبر ويُرخّص أسعار المسلمين، بجاه سيّد المرسلين.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه مات الخواجا مراد بن عبد الله الرومي الناظر على أوقاف ترسن (^٥) صاحب الربعة بالمسجد الحرام خلف مقام الحنفية. فجهّز من ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة وشيّعه جماعة وغيرهم، ودفن بالمعلاة، وخلّف سبعة أولاد ذكور غالبهم صغار في بلده وبعضهم مسافر في الهند، وبمكة واحد أخذَ العزاء فيه. وأوصى بقُرَبٍ، منها لصاحب مكة مائة وخمسون دينارًا ولقاضي القضاة الشافعي خمسون دينارًا ولأهل الحرم مائتا دينار.
وفي يوم تاريخه عُمل عقد مجلس في المسجد الحرام بزيادة باب الندوة بحضرة القضاة الثلاثة خلا الحنبلي بسبب خصومة بين الخواجا بركات الحلبي والخواجا بدر الدين بن مالك في سفرة بينهما كانت تحت يد ثانيهما في الهند، وتحاسبا عنها مرة بعد
_________________
(١) بالأصل: أشحن.
(٢) المروسات: نوع من السفن.
(٣) بالأصل: الواصلّين.
(٤) بالأصل: مركبين.
(٥) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٢٥ ]
أخرى وتواصلا إلى القضاة الثلاثة المذكورين وثبت ذلك عند الحنفي ونُقِد عند الآخريْن ثم لم ينفصلا لعدم وفاقهما في بعض الحساب، ويقول أولهما إنه داخلَ في الحكم والثاني ينْفي ذلك ويتظلّم. فتوقف القاضي الحنفي في أمْرهما وأمَرهما بالصلح وإسقاط بعض المال فلم يرضيا مع أن أولهما نذر بالذي ثبت له يكون لأهل الحرم المكي، وقبض بعض المال وهو مائتان وستون دينارًا، ويقال إنه فرّقه على بعض الناس وكتب به قائمة باسم جماعة اختارهم.
وأشيع أنه (^١) أعطى القاضي الشافعي خمسين دينارًا ولكل واحد من القضاة الثلاثة عشرة ولم يقبلها الحنفي لكون الخصومة عنده، وذُكر أن المالكي ردّ له ما يخصّه أيضًا. وعيّن لِفرّاشى (^٢) الحرم عشرة ولأصهار بني الضياء عشرة، وللشيخ ابن ناصر وولديه خمسة.
وأشيع في هذه الجمعة أنّ إسكندر أمير زبيد خرج عليه عرب الزيدية في محل يعرف بالضحى فقاتلوه ومنعوه الدخول إلى زبيد وقتلوا منهم سبعين نفسًا وبعض خيل. وتخبّط اليمن وغلتْ (^٣) الأسعار بزبيد وأعمالها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.