وفي يوم الثلاثاء ثاني تاريخه مات الشيخ العلامة المفيد بدر الدين محمد بن علي الجُناجي (^١) المالكي نزيل مكّة المشرفة وجهّز في يومه وصلّي عليه بعد العصر عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة، رحمه الله تعالى. وخلف ذكرين وبنتا وتقرر ولداه في وظائفه. وكان منقطعا في منزله بوجع رجله نحو عشر سنين وأزيد.
وفي ضحى يوم السبت ثالث عشر الشهر ماتت الحاجة سعيدة الزنجية وهي التي ربتني وإخواني وعمرها نحو المائة. وسبب وفاتها أنها عجزت عن الحركة لكبرها وضعف نظرها فطلعت إلى السطح بغدائها فوقعت من نحو قامة وسقط عليها حجر كبير كسر مخّها فطلعت روحها من وقتها. فجهّزتُها من يوم تاريخه وصلّي عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة عند تربة سلفنا بفم شعب النور، وشيّعها جماعة من الأعيان وغيرهم، رحمها الله تعالى.
وفي ليلة الأربعاء سابع عشر الشهر دخل بزوجته الزيني بركات ابن الشيخ محمد الحطاب المالكي شقيق أحمد الماضي زواجه في صفر على رقية ابنة الشيخ علاء الدين النهروالي الحنفي، وهي ثانية الأبكار الصغار، ومولدها في عام ثلاث وعشرين وتسعمائة (٩٢٣ هـ / ١٥١٧ م) ومولد زوجها في سادس جماد الثاني سنة ثمان وتسعمائة (٩٠٨ هـ / ١٥٠٢ م) وهو أكبر منها بخمس عشرة سنة، وراجع من زوجة قبلها ماتت معه. وعمل لهما وليمة في بيت والد الزوجة بالسويقة، حضرها جماعة
_________________
(١) ورد الإسم بالأصل "الجنابي" غير معجم. وهو خطأ من الناسخ فقد ترجم العيدروسي في النور المسافر ص ١٩٩ هذا العالم وضبط اسمه قائلا: "محمد بن علي بن أحمد بن سالم الجُناجي - بجيمين، الأولى مضمومة بينهما نون خفيفة، نسبة لجُناج: قرية بين البحراوية وسنهور من الغربية".
[ ١ / ٤٤٥ ]
من الأعيان، وأقام الزوجان فيه مدة ثم انتقلا إلى بيت الزوج بالشبيكة عند والده وإخوانه بورك لهم.
وفى ضحى يوم السبت ثالث عشر الشهر شرع الشيخ القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي الأنصاري في زواج ابنته المراهق فاطمة وعمرها يقارب اثنتي عشرة سنة فإن مولدها في (^١) جماد الثاني عام أربع وعشرين (٩٢٤ هـ / ١٥١٨ م) على القاضي الأصيل ركن الدين محمد ابن أقضى القضاة شرف الدين أبي القاسم الرافعي بن ظهيرة القرشي الشافعي، وهو أسنّ منها بنحو ثمان سنين لأن مولده في (^٢) سنة سبع عشرة وتسعمائة (٩١٧ هـ / ١٥١١ م). وعقد بهما عم الزوجة قاضي المالكية المفصول شرف الدين أبي القاسم في منزل أبيها. وعُمل لها مُهِمّ حافل، لكنهم تكدّروا بحادثة (^٣) وقعت في ليلة الغمرة عند دخول الزوج إلى الدار مع أقاربه وأولاد عم والد الزوجة الشيخ أبي البركات، وكان أقارب الزوج معتدين في أفعالهم وأقوالهم، وكنتُ حاضر الواقعة وأردتُ إصلاحها مع عم الزوجة فلم يقدّر الله ذلك لسوء الجانبين وليريد الله أمرا كان مفعولا، وتُرِك المهم مدة.
ثم إن القاضي الرئيس العلامة عز الدين الفائز ابن قاضي القضاة الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة الشافعي مشى في الصلح بين الزوج ووالد الزوجة فوقع الاتفاق ولله الحمد. واستمر أقارب الزوج (^٤) القاضي سعد الدين ابن العلامة القاضي خير الدين أبي الخير بن أبي السعود بن ظهيرة وأخوه القاضي محب الدين
_________________
(١) بياض بمقدار كلمة بالأصل.
(٢) بياض بمقدار كلمة بالأصل.
(٣) بالأصل: بحادة.
(٤) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
[ ١ / ٤٤٦ ]
وأبو الخير ابن أختهم والشيخ (^١) أبو البركات وباقي أقاربهم وبنو عمهم من أهل المعلاة والمسفلة. وكان الدخول في الشهر وهو جماد الأول، وأوله ناقص (^٢) بالإثنين، وعُمل يوم تاريخه سماط للزواج المذكور حضره الأعيان وغيرهم وفيه ألوان مفتخرة، أخلفه الله بخير على مَن بذله.
وفي يوم الإثنين سابع الشهر عُمل سماط ثان دون الذي قبله لزواج النوري علي ابن الشيخ جمال الدين أبي السعود بن أبي الفضل الزين على البنت المراهق ابنة عمته وقاء (^٣) واسمها أم الحسن ابنة إمام الشافعية الزيني عبد المعطي ابن الإمام مكرم بن أبي السعادات الطبري المكي وهو زواج رابع من الأبكار وعمر الزوجين نحو عشرين سنة فإنهما وُلدا في عام أربع عشرة وتسعمائة (٩١٤ هـ / ١٥٠٨ م) تقريبا، وكان دخولهما في ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه.
وفي فجر يوم تاريخه ولد لابن عم الزوج الزين ابن الشيخ كمال الدين أبي البركات بن أبي الفضل الزين ولد ذكر سمّاه عبد الغني باسم جده لأمه، وهي فاطمة ابنة قاضي القضاة نسيم الدين عبد الغني بن أبي بكر المرشدي الحنفي، ولم يرزقا ذكرا قبله، وهُنّئا به وفرحا بولادته وعملا له زلابية فُرّقت على معارفهم، وكذا سابعا حافلا، فالله يبارك فيه ويُحييه.
وفي ليلة الجمعة حادي عشر الشهر وُلد أحمد بن الفخري أبي بكر ابن الشيخ محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة القرشي الشافعي وأمه … (^٤) ابنة المرحوم جمال الدين محمد ابن الشيخ عطية بن ظهيرة القرشي، وفرح أهله به وهنأهم الناس بولادته.
_________________
(١) بالأصل: ابن أختهم الشيخ.
(٢) بالأصل: ناقصا.
(٣) كذا ورد الاسم بالأصل.
(٤) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وفي يوم الإثنين رابع عشر الشهر كان سماطا أكبر من اللذيْن قبله لزواج الأصيل خير الدين أبي الخير ابن الشيخ العلامة محيي الدين عبد القادر ابن الشيخ سراج الدين عمر بن أبي السعود بن ظهيرة القرشي على سعادة ابنة الشيخ الأوحد شرف الدين أبي القاسم ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن صالح المرشدي المكي ومولدها في عام أربعة عشر وتسعمائة (٩١٤ هـ / ١٥٠٨ م) ومولد زوجها في ثالث عشري جماد الأول سنة إحدى عشر وتسعمائة (٩١١ هـ / ١٥٠٥ م) وهو أكبر منها بثلاث سنين. وكان دخولهما في ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه في بيت والدة الزوجة الحاصل لأمها من الإمام محب الدين الطبري الشافعي.
وعُمل للزوجين عقد حافل في الدار المذكورة بحضرة القضاة الأربعة وجماعة من الأعيان وغيرهم وكذا يوم الثالث والسابع وغير ذلك مما اعتنى به والد الزوج والزوجة، فالله تعالى يخلف عليهم بخير، ويبارك لهم ويدفع كل شر وضير، بمحمد وآله آمين.
وفي ليلة الجمعة ثامن عشر الشهر كان العقد المبارك في الحجر الشريف تحت ميزاب الكعبة بالفاضل الأصيل الزيني عبد الحق ابن العلامة المدرس إمام الشافعية خير الدين أبي الخير ابن الإمام أبي السعادات الطبري المكي على البنت البكر المراهق أم الكرم فاطمة ابنة شقيقي العلامة المقرئ الصوفي محيي الدين عبد القادر بن عبد العزيز بن فهد الهاشمي المكي، أعزه الله تعالى. باشره قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وأنشأ خطبة حسنة لمح فيها بذكر سلف الزوجين وعظم فيها الجانبين، وحضر فيه القضاة الثلاثة وبعض الأعيان وغيرهم من الأهل والجيران، وأسرج بعض الشمع أمامهم، ولم يحدث شيء يضر بالطائفين حولهم، فكانت ساعة مأنوسة، بالخيرات محروسة.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وفي صباحها عُملت مَدّة لطيفة بجذابة (^١) وخرذل ومأمونية، وذلك في منزل والد الزوجة بحارة سلفه بالسويقة، فشكر الناس منها وأثنوا على لطافتها.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه دخل الزوج بزوجته وهنّأه الناس في صباحيته، فالله تعالى يجعله مباركا عليهما، ويخلف بخير على أهلهما. وهذا الزواج [خامس] (^٢) زواج الأبكار في عام تاريخه بمكة. ومولد الزوج في سنة ستة عشر وتسعمائة (٩١٦ هـ / ١٥١٠ م) والزوجة (^٣) أصغر منه بسبع سنين فإن مولدها في رابع عشريْ المحرم سنة أربع وعشرين وتسعمائة (٩٢٤ هـ / ١٥١٨ م).
وفي هذا الشهر تزوج ابن أخ الخواجا زين الدين الناظر بجدة العجمي الشهير بابن العواني على ابنة محمد الحلبي، وعُمل لهما سماط مفتخر في بيت عم الزوج حضره خلق من الأكابر، ثم جُلّيَتْ العروس على زوجها جلاءً مصريا سبعة أنواع. ودخل بها وهي بكر ولم أعلم بهما.
ودخل الشيخ محمد ابن شيخنا الجنيد بن محمد المشرع اليمني على زوجته البنت وهي ابنة محمد بن راجح الجدّي.
وفي هذا الشهر حدثت (^٤) بمكة عدة أفراح وأتراح لم أحرر ضبطها، منها: ظهر في نصفه شعاع كالعمود معترض في أفق السماء من جهة المشرق إلى المغرب معارض لثلاث منازل من الكواكب الثوابت وأوله من جهة المشرق متصل بالشعراء اليمانية، واستمر أزيَد من نصف شهر. وما علمتُ حدوثه، ويقال عن المنجمين وبعض أعراب البادية إنه يظهر بوجوده الرخاء في الحبوب أو موت بعض الأكابر، مما يعلمه علّام الغيوب.
_________________
(١) كذا بالأصل، وهو نوع من الطعام.
(٢) بياض بمقدار كلمة بالأصل، والإكمال يتطلبه المعنى، انظر أول الورقة ١٠٨ ب حيث ذكر الزواج الرابع.
(٣) بالأصل: والزوج، وهو خطأ واضح.
(٤) بالأصل: حدث.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وفي نصف الشهر أيضًا شرع الشريف عرار بن عجل الحسني في عمارة علو داره بأجياد، قاعة مصرية بمرافقها، وجمع لها البُناة أزيَد من عشرة وغير ذلك من العمال والنجارين والدهانين وآلات من الأخشاب والنوره والطوب وما يحتاج إليه، ولازمَ ذلك بنفسه مع همة عالية وحِدّة زائدة كعادته.
وعمّر في هذا الشهر أيضا مصطفى الرومي الناظر على العين بمكة ما يحتاج إليه من علو الدبول (^١) الثلاثة التي بأسفل مكّة المسماة (^٢) ببازان: أحدها عند باب إبراهيم من المسجد الحرام وثانيها الموالي لها عند بيت القائد بُديْد (^٣) والقائد جوهر المغربي وثالثها خارج البيوت عند درب اليمن من جهة المسفلة محاور المسجد الذي بناه مسلم من سنتين على محل المولد الذي يقال له مولد السيد حمزة بن عبد المطلب ﵁، عم النبي ﷺ، وذلك لصيانتها عن السيول المارة عليها. وأحكم ذلك بالنورة والحجارة الكبار، فالله تعالى يضاعف له الثواب بجاه محمد وآله آمين.
وفي آخر العشر الأول من شهر تاريخه أشيع بمكة أنّ الشريف عرار بن عجل أخبر الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري بوصول مرسومين له أحدهما من الروم وثانيهما من القاهرة، إلى عند السيد أبي نمي صاحب مكّة بتوليته لجميع الخطابة بمكة وأمره بالتوجّه إليه لأخذهما. فتوجّه إليه بعض الناس فأنكره، وخاط الناس في ذلك وماطوا.
ثم إن الخطيب عبد الرحمن عمل حلوى وصَحِبَها رفقته وتوجّه إلى فريق الشريف بالعياء (^٤) في ليلة السبت ثاني عشر الشهر فواجهَ الشريف وأهدى له ما
_________________
(١) جمع دبل وهو الجدول.
(٢) بالأصل: المسميني.
(٣) هو القائد بُدَيْد بن شكر بن راجح العمري. وردت أخباره الكثيرة في إتحاف الورى للنجم بن فهد، انظر فهارس الكتاب ص ٨٨. كما ذُكر في كتاب غاية المرام للعز بن فهد ٢: ٤١٥، ٤٣٢، ٥٠٩.
(٤) اسم مكان ورد على هذا الرسم، ولم نجد له تعريفا.
[ ١ / ٤٥٠ ]
معه، فرحب به ويقال إنه قال له: الشريف عرار أخبرك بوصول المراسيم؟ فقال: نعم، فقال له: توجّه إلى القائد جوهر المغربي. فتوجّه إليه فأظهر له التوقف ولم يظهر له تحقيق خبره وقال له: توجّه إلى مكّة والشريف يأتيك فيها. فقام من عنده واجتمع بالشريف مرة ثانية وترفق له في القول والاعتذار عما نسب إليه في حقه وأنه باطل فطيب الشريف خاطره وأمره بالتوجّه إلى مكّة فعاد إليها وهو مكسور الخاطر وفرح خصمه بعد أن ظهر عليه الخذلان. وتعجّب الأخيار من هذه الحركات، التي تؤدي عاقبتها إلى الخسارات، نعوذ بالله منها.
وفي صبح يوم الجمعة حادي عشر الشهر وصل لمكة الأمير صندل بن عبد الله السليمي شيخ الخدام بالحرم الشريف النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام، وكان توجّه لفريق الشريف أبي نمي صاحب مكّة واجتمع به لقضاء حاجته وهو إخباره بعصيان عرب المراوحة، وإجارة بعضهم على حمل حب الصدقة الخنكارية لأهل المدينة الشريفة، وهم في ضرورة (^١) بسبب ذلك. فأمر الشريف صاحب ينبع بشنق المحيّرين وبردع الباقين، فالله تعالى يقدر خيرا للمسلمين. ويقال إنه اجتمع بأمين الصدقة الهندية وقال له: لا تتوجّه بمال أهل المدينة في هذه الأيام لأن الشريف مانع المفصول عن إمارة المدينة مقيم لك في الطريق مع بعض العرب فترك ذلك حتى يتوجّه الشريف أبو (^٢) نمى بنفسه أو يأخذ بعض عبيده.
وسافر شيخ الخدام بعد ثلاثة أيام وجاء بعده أمير المدينة الشريف باز بن فارس بن شامان الحسني وتوجّه لفريق الشريف، ولعله من جهة عصيان الشريف مانع الزبيدي، ويقال إنه محاصر لطرق المدينة الشريفة، حماها الله تعالى من الأسواء.
وفي يوم السبت سادس عشر الشهر شرع القضاة المتولين ما عدا الحنفي بجدة
_________________
(١) استعمل المؤلف مرارا هذا اللفظ بمعنى الضرر.
(٢) بالأصل: أبي.
[ ١ / ٤٥١ ]
في تفرقة المبرة الحب الواصلة من القاهرة لجهة الوزير الأعظم إبراهيم باشا على العادة وهو عن سنتين، وغرق بعضه في المسماري، وعدة كيله (^١) وتصدى لكتابة أهل البلد من الخاص والعام على عادته الشيخ ولي أبو زرعة المنوفي وضبط ذلك من مدة نصف شهر. وسمعتُ أنهم زادوا على العادة بأربعة آلاف نفس وجملتهم عشرون [ألف] (^٢) نفس، فلكل نفس من العامة ربع مُد ومن الفقهاء ربع وشطر. ودخل وبُدئ بالعام من جهة باب السلام ودخل الفقهاء في أثنائهم واستمروا على ذلك إلى نصف شهر جماد الآتي، وهو: