وفي أوله تباشر الناس بدخول المراكب الهندية إلى بندر جدة المعمورة، فدخلها في أوله الفتحي من الديو ثم التركي من كنباية ثم البروجي ثم بركات الحلبي منها
_________________
(١) الفينق: كذا بالأصل ولم أجد لهذا اللفظ توضيحا في ما بين يديّ من المصادر.
(٢) بالأصل: اللتان.
(٣) بالأصل: ألف وستمائة واثنان وثمانون.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وتتابعت البقية كذلك.
وأشيع في آخر الشهر أنّ مراكب كنباية رجعت إلى محلها بخبر الفرنج وغير ذلك.
وفي يوم الخميس رابع الشهر ظهرت سكة المساعيد والفلوس وصُرف كل محلق من المساعيد بثمانية ومن الفلوس بأربعة وعشرين. وزفت في معاشر على رؤوس الجمال بالطبل والزمر وداروا بها شوارع مكة فانفرج المسلمون (^١) بها واستراحوا من الربا في صرف المحلقة بالمساعيد لزيادتها، ووصلت في صرف المساعيد العتيقة إلى ثمانين مسعوديا كلّ محلق وهي تتطاير بأدنى شيء من الكف.
وكتب على المساعيد الجدد والفلوس اسم الشريف أبى (^٢) نمى صاحب مكة وكان فعل ذلك بسبب كلام قطب الآفاق الشيخ محمد بن عراق مع الشريف صاحب مكة وغيره من أرباب الدولة. ثم تُركت المساعيد وتعامل الناس بالفلوس، واستراح أهل مكة من الربا المنحوس، وذلك ببركة الشيخ ابن عراق، نفع الله به في جميع الآفاق.
وفي يوم الثلاثاء تاسع الشهر وصلت أوراق من جدة أرسلها جماعة من الهند في المراكب الواصلة في شهر تاريخه مضمونها الإخبار بتحرّك الكفار المخذولين المقيمين في أعمال الهرموز من الهند على سلطان المسلمين بكنبايه مظفر شاه، نصره الله تعالى، وأنهم ساروا إليه في عشرين ألف نفر، وقيل مائة ألف، ودخلوا إلى بعض بلدانه فجهّز لهم عسكرا مرة بعد أخرى فيعودون إليه بمنعة منهم، فاستنجد بسلطان دلي محمود فوعده بالمسير إليه، فالله تعالى ينصر عساكر المسلمين، ويخذل الكفرة والملحدين.
_________________
(١) بالأصل: المسلمين.
(٢) بالأصل: أبو.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وفيها وفاة السيد العلامة المعتقد صفي الدين محمد بن (^١) الحسني الإيجي في شهر رجب من السنة الماضية، وخالي الشيخ محمد المعمر المسند شرف الدين أبو القاسم ابن الشيخ فخر الدين أبي بكر بن فهد الهاشمي المكي في التاريخ المذكور، وعُملت ربعة السيدة بديعة على ولدها السيد صفي الدين وصُلّي عليه في ظهر يوم الجمعة ثاني عشر الشهر ونادى له الرئيس فوق ظلة زمزم بألقاب كثيرة ذكر فيها كرامات أسلافه وهى على الألسنة شهيرة.
وفي ليلة الأحد رابع عشر الشهر بكى الأخوات على خالنا وعَزّانا الناس فيه وصُليّ عليه صلاة الغائب في ظهر يوم الجمعة تاسع عشر الشهر ونادى له الرئيس فوق ظلة زمزم صورته: "الصلاة على العبد الفقير إلى الله تعالى الشيخ العلامة الإمام الهمام خادم سُنّة سيّد المرسلين، خاتمة المحدثين بقية السلف الصالحين، محمد أبي القاسم شرف الدين بن فهد الهاشمي المكي الشافعي، رحمه الله تعالى في غُربته، وأناله الجنان بشهادته الصلاة".
وفي ضحى يوم الإثنين خامس عشر الشهر وَلدت زوجة قاضي القضاة بديع الزمان بن الضياء الحنفي جوهرة شقيقة القاضي جمال الدين محمد بن يعقوب المالكي أم أولاده بنتين توأمين في بطن واحد، فتشوّش والدهما بذلك وقصّده الناس بالتهنئة بهما فلم يُعجبه ذلك.
وفي يوم تاريخه دخلت الخماسين وكثر مرض الحصبة في أهل مكة، يمرض كل واحد أسبوعًا ثم يُشفى، وغالب ذلك من الصغار، ومرض فيه ابنتاي فشفاهما الله تعالى، ولله الحمد.
وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه أرسل نائب جدة الرومي قاصدًا لمكة لطلب البُناة والسقائين منها لعمارة البُرج الشامي في بندر جدة فجمعهم الحاكم بها القائد مبارك
_________________
(١) بياض بالأصل بمقدار ثلاث كلمات.
[ ١ / ٣٢٤ ]
ابن بدر وأرسلهم إليه مكرهين امتثالا لأمر (^١) ملك الأمراء نائب الديار المصرية في المراسيم الماضي ذكرها في الشهر الذي قبله.
وفي ضحى يوم الأربعاء سابع عشر الشهر عُمِلتْ وليمة عظيمة في المدرسة الباسطية للعزاء في السيد صفي الدين محمد الإيجي على قاعدة العجم، عملها أقاربه من أرز وأطعمة وحلوى ورقاق من غير خبز، حضرها القضاة الأربعة وخلق من الأعيان وغيرهم وجلس القضاة الثلاثة على يمين الشافعي المستقل من صاحب مكة القاضي محب الدين بن ظهيرة حاجبين للحنفي وجماعته على يساره وبقية الناس على مراتبهم.
وفي ظهر يوم الجمعة صُلّي صلاة الغائب على خالنا بالمسجد الحرام كما تقدم ذكره قريبًا.
وفي صبح يوم الثلاثاء ثالث عشري الشهر مات النوري علي بن محمد بن مهدي الصائغ فجهّز في يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة، وخلّف ولدا ذكرا وزوجة.
وفي يوم تاريخه قبض الحاكم بمكة على أهل السوق من الصيارف والجبّانين والسمّانين وغيرهم وضرب كثيرًا منهم وتهدّدهم بكلمات كثيرة للزيادة في صرف المساعيد الجدد إلى اثني عشر مسعوديا كل محلق بعد أن فعل بثمانية، وقال لهم: هذه مخالفة لصاحب البلاد، فخدموه بمال وطلّعوا الأسعار في ثاني تاريخه بعد نزولها.
ثم قدّر الله تعالى في هذه الجمعة إشاعة وصول مركبين من الهند أحدهما يقال له البَروَجي، من بَرْوَج (^٢) ويُقال فيه صدقة أرز من أميرها خير الدين، وبعض قماش من الملك إياس نائب السلطان مظفر، ولم يتحقق ذلك، وثانيهما مركب بركات
_________________
(١) بالأصل: لأمر به.
(٢) بَرْوَج: من مدن الهند البحرية يُجلب منها النيل، ياقوت: معجم البلدان ٤٠٤:١.
[ ١ / ٣٢٥ ]
الحلبي من الديو.
وأرسل ناخوذة ثانيهما عدة أوراق إلى مكة فيها الأخبار المكدرة التي استسمجها السامعون لها خصوصا وهي غير مقبولة، ومنها أن مراكب الشاهي والمحمدي والمظفري خرجوا قبله من بندر كنبايه فلاقوا الفرنج المخذولين في طريقهم قريب البندر فرجعوا إليه لذلك، وبعضهم حصل له فتح في جانِبه، وتعجّب الناس لإخباره بذلك لعدم مشاهدته لهم أو ملاقاة مَن يُخبره عنهم وبعضهم ذكر أن هذه إشاعة لتحسين البضائع التي معه، فالله تعالى يلطف ويُقدّر للمسلمين خيرا. وفيها أنّ خمسة جلاب وصلت من اليمن وزيلع والقصير فيها حب كثير، ففرح الناس به ونزل السعر في مكة فبيعت الربعية الحنطة والدخن بثلاثة محلقة والذرة بمحلقين ونصف.
وجاء جماعة من الشرق أخبروا بمطر تلك الناحية وحصول السيل فيها مرة بعد أخرى، وأنّ قافلة خرجت من بَجيلة (^١) فيها جماعة من الأعراب معهم حبّ وزبيب فخرج عليهم عرب عتيبة ونهبوهم وقتلوا منهم شخصا مصريا في محل يُقال له الحجر قرب الطائف. فبلغ ذلك صاحب مكة السيد بركات في ناحية اليمن فدخل مكة على نية التوجه الشرق لأجل المرعى في ضحى يوم الجمعة سادس عشري الشهر، فهرع القضاة والأعيان للسلام عليه وشكا إليه أهل القافلة العرب الذين أخذوهم، فوعدهم بنصرهم وأخذ ثأرهم وردّ ما أخذ لهم، فدعوا له وانصرفوا.
وفي عصر تاريخه عقد القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري بابنته الكبيرة .. (^٢) على الإمام زين الدين أبي الفوز بن محمد الخجُنْدي المدني الحنفي
_________________
(١) بَحيلة: قرية شرقي الطائف، في وادي لِيّة يسكنها بعض الأشراف، ذكرها البلادي مرارا في معجم الحجاز، انظر فهارسه.
(٢) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وذلك بالمسجد الحرام وحضره بعض جماعة اتفاقا. وكان خطبها منه فتوقّف معه مدة ثم أنعم عليه وشرط عليه الدخول في أول السنة الآتية، وانتقِد على الزوج مصاهرته، فالله تعالى يُعينه عليه لسوء معاملته.
وفي عصر يوم السبت ثاني تاريخه ركب الشريف بركات صاحب مكة وتوجّه لعزاء القاضي الشافعي محب الدين بن ظهيرة في عمّه القاضي صلاح الدين وجلس عنده قليلًا وجابَرَه بكلمات كثيرة ثم توجّه لعمّته السيدة سعادة ابنة القاضي أبي السعود بن ظهيرة فعزاها أيضا وعاد لمنزله.
وفي يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر مات القائد بدر الدين حسن بن عبد الكريم بن شكر الحسني الناظر على أوقاف جده بالمسفلة وأوقافه، وكان كفّ نظره مع كثرة كلامه وإيصاله لمراده، فوجع زمنا طويلًا، فجهّز في يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة في تربة سلفه، رحمه الله تعالى وعفا عنه آمين، وخلّف ولدين ذكرين عبد الله ومحمد وكلاهما رجلان وحالهما أصلح من أبيهما.