وفي صبح يوم الأربعاء نَظف أماكن في المسجد الحرام ناظره مع جماعة من التجار الأروام والأعاجم وأولاد العرب وغيرهم، وأرسل الناظر إلى جدة يُخبر مشدّ العمائر الخنكارية المظفرية العثمانية لكونه نزّلها لحمل مُؤن العمائر بمكة المشرفة، فوصلها في اليوم الثالث ووالَى العمل في المسجد من يوم السبت رابع الشهر وكوّم الطين في أطراف المسجد ومعه المهندسون (^١) والعمال من المصريين والأروام، وكان قصده عمل الطين آجورا للبناية في العمارة لمنارة باب علي التي شرعوا في هدمها يوم تاريخه لكون بعضها متشعبًا (^٢). وكان بناها المهدي لأبي جعفر المنصور العباسي ويقال الوزير الأصفهاني الجواد، وأصلح سفلها مما يلي المسجد في الجهتين سودون المحمدي في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة.
وجاوَدَ الأمين على العمارة الخنكارية العثمانية على حمل التراب المكوّم بالمسجد الحرام وهو نحو ثلاثين كوما بأزيد من ألف دينار وعلى قطع المسعى من باب السلام إلى جهة الصفا إلى سفل مكة جهة باب إبراهيم بألفي أشرفي ومائتين وثلاثين أشرفيًا وتنظيف العتبة مع باب سويقة بخمسمائة أشرفي، واستمرّ العمل في ذلك جميع ربيع الثاني.
وفي شهر جماد الأول كمل هدم منارة باب علي مع هدم باب السلام والرواق الموالي له إلى أمام مدرسة الأشرف قايتباي، وظهر في أساس المنارة أربعة أعمدة، وعُمِّر مكانها حجارة سوداء منْحوتة وعلّوها حجر أصفر رخو وبُني بنورة جديدة مخلوطة بالنورة العتيقة وآجِرّ مدكوك ومدر مخلوط معها، واستمر العمل في باب
_________________
(١) بالأصل: المهندسين.
(٢) بالأصل: متشعب.
[ ١ / ٣٥٤ ]
السلام [إلى باب القفص وغيرّ جميع السقف، وفي المنارة مؤن عظيمة في غاية الاستحكام ما أمكنهم هدمها إلّا بعد علاج شديد] (^١).
وفي نصف شهر جماد الأول شرع الأمين على العمارة في هدم قُبّة دار الوحي مع مولد السيدة فاطمة ابنة المصطفى ﷺ وكان المباشر لها المعلم … (^٢) الحميماتي المصري والمعلم محمود بن … (^٣) المكي.
واتفق في صبح يوم الجمعة تاسع عشريْ الشهر اجتماع القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات ابن أبي العباس الأنصاري المكي مع الشيخ محمد بن … (^٤) القيرواني (^٥) [٨٤ ب] المغربي، القادم لمكة مع الحاج في عام تاريخه، في مجلس وتكلّم معه فيما بلغه عنه في جواب مسألة رُفعتْ إليه من كلام الشيخ سهل بن عبد الله التستري (^٦) الصوفي، نفع الله به وهو: "إذا ظهر سرّ الربوبية بطلت النبوية، وإذا ظهر سرّ النبوية بطل العلم، وإذا ظهر سرّ العلم بطلتْ الشريعة".
ونُقِل عنه كلمات يترتب منها أنّ كفار قريش كأبي جهل بن هاشم وأترابه اطلعوا على سر الربوبية فجحدوا نبوة محمد ﷺ. فقال له القاضي شهاب الدين: كفرتَ، هذا مخالف للشريعة ونص الكتاب العزيز، وقام من مجلسه فأدركوه مع جماعته وطلبوه إلى مجلس الشرع فتوجّه معهم إلى قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة والتمَّ عليهم خلق كثير من العامة المعتقدين للمغربي وغيرهم، فحضر مجلس الشافعي أخو المنكر قاضي القضاة الشرفي المالكي المفصول وقال: مذهبي أنّ قائل ذلك يكفر
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بياض بمقدار أربع كلمات بالأصل.
(٣) بياض بمقدار كلمة واحدة بالأصل.
(٤) بياض بمقدار كلمة واحدة بالأصل.
(٥) بالأصل: القرواني.
(٦) بالأصل: البشري.
[ ١ / ٣٥٥ ]
ولا تُقْبَل توبته. فسألوا المغربي عن ذلك فأنكره، فشهد عليه ابن أخت المنكر القاضي سعد الدين ابن القاضي خير الدين أبي الخير بن أبي السعود بن ظهيرة الشافعي والخواجا عبد الكريم ابن الفخري أبي بكر الطهطاوي المالكي مع غيرهما، فحينئذ أمر القاضي الشافعي المغربي بالتشهّد، وردعَه بكلمات ومنعه من الكلام على العامة بالمسجد الحرام.
فخرج من المجلس وهو ذليل خائف، والْتَمَّ عليه جماعة من المفسدين العوام وغيرهم من الأروام وألزموه بالجلوس ومكاتبة الشريف بركات بأمره، فكاتَبَه وجلس في المسجد على عادته فرآه القاضي الشافعي، وأرسل له بالقيام وامتثال أمر الشرع الشريف، فقام بسرعة وهو مع … (^١) ومحبيه كثيري (^٢) الإنكار على أهل البلد.
وكثرت القالات والأهواء المضلات (^٣) وموجب ذلك شغور المسجد الحرام من واعظ يلتمّ عليه العامة، فإنّهم لما رأوا المغربي التمّوا عليه خصوصًا ويعمل ذِكْرًا وأورادًا (^٤) بعد صلاة الصبح والعشاء.
وفي ثالث يوم الواقعة وهو يوم الأحد ثاني شهر جماد الثاني جلس المغربي بجرأته وإقدامه وكون بعض الأروام منهم اليازجي في العمارة الخنكارية سأل الشافعي في عود المغربي لعوده (^٥) في مجلس ورده، فقال: لا يتكلم بكلام الصوفية في حضرة العامة، فإنهم لا يفهمون ذلك، فجلس وتكلّم في الحسد وغيره مع التعرّض للمنكرين، فاشتدّ العوام في نُصرته بل بالغ المشدّ على العمارة وأخذ المغربي وذهب
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
(٢) بالأصل: كثيرين.
(٣) بالأصل: وأهوا المضلات.
(٤) بالأصل: وأوراد.
(٥) كذا بالأصل.
[ ١ / ٣٥٦ ]