استهل ناقصًا في ليلة الجمعة.
وفي صباحها جاء الخبر إلى مكة بوصول ثلاث جلاب من اليمن في أحدها الأمير
_________________
(١) كلمة تكررت بالأصل.
(٢) بالأصل: لفراشين.
(٣) بالأصل: غليت.
[ ١ / ١٢٦ ]
سِنان الرومي الذي كان باليمن أميرًا في اللّحية، ثم ركب البحر في غراب وصار يقطع الطريق ويمنع الميرة لأهل مكة، فألهمه الله تعالى التوجّه إلى السيد بركات سلطانها في فريقه جهة اليمن وإهدائه له هدية والتكلّم معه في العفو عنه ما صدر منه، ويأذن له في التوجّه إلى مكة. فأكرمه على هديته وأثابه وأذن له في التوجّه إلى جدة فوصلها وصحْبته الشهابي أحمد بن قاسم المغربي الأصل المكي المشهور (^١) بابن الدب. وكان في دهلك مع أخيه الوجيهي عبد الرحمن متولي البلد. فلما قُتِل فيها توجّه إلى سلطان النصارى لصحبته لأخيه. واحتال عليه سنان الرومي بالأمان والأيْمان ووعده المساعدة والنصرة على قاتل أخيه. فلما جاءه قدم إليه هدية كبيرة وطمع فيه وطلب منه فرضة مال ليصرفه على عسكره، فأعطاه ألفي دينار ثم قبض عليه فوضعه في الحديد واستولى على الذي معه، وصحبَه رفقْته إلى جدة، ففارقه منها وعاد إلى مكة فوصلها صفر اليديْن عاري الثديين، خلا ما هو على جسده، ففرح به إخوانه وأهله وجيرانه.
وفي ظهر يوم الإثنين رابع الشهر مات الشيخ المعمر عز الدين عبد العزيز بن عبد اللطيف بن أحمد بن جار الله بن زائد المكي بعد توعّكه مدة يسيرة بالإسهال، ثم قوي عليه ريح القولنج، وقيل ذات الجنب في ليلة وفاته فقضى نحبه، وعمره سبع وثمانون سنة وثلاثة أشهر، فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، وشيّعه جماعة من الفقهاء إلى المعلاة، ودُفن بتربة بني النويري في الشعب الأقصى على قبر أمّه وجدّاته من جهتها وهي زينب ابنة القاضي أبي الفضل النويري التي صار إليه منها التحدث على رباط والدتها السيدة أم الحسين ابنة القاضي شهاب الدين الطبري بمكة وأوقافها بها وبأعمالها. وخلّف عصَبَة فيهم عمه، هم ابنا أخيه شقيقه عبد اللطيف وأبو
_________________
(١) غير مقروءة بالأصل.
[ ١ / ١٢٧ ]
سعيد ابنيْ عبد القادر بن علي جار الله بن زائد وعبد الباقي بن محمد الله بن عبد بن جار الله المذكور.
وفي صبْح يوم الأربعاء سادس الشهر عُمل عقد مجلس في زيادة دار الندوة عند قاضي القضاة الشافعي والمالكي بسبب الخواجا بركات الحلبي والخواجا بدر الدين بن مالك. وكان أولهما أرسل قاصدًا لصاحب البلاد السيد بركات في اليمن يُخبره بقضيته، فأرسل جوابه للحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر عَبْد الشريف بالتوجّه صحبتهما إلى الشرع لينفصلا بحضوره. فحضر معهما وصحْبَته جماعة من أتباعه وبعض الفقهاء والتجار، وتعدّر الحضور لسقْمِه، فوقعتْ في المجلس قلاقل لا طائل تحتها، وأمِرَ الخصمان بالصلح فلم يرضيا، وطال المجلس إلى الظهر ثم انفضّ على غير فصل لتساهل القضاة واختلافهم وعدم مبالاة الأخصام بهم، وقوة شقاق التجار، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي صبح يوم الجمعة ثامن الشهر مات شيخ الحنفية مفتي الفرقة الإسلامية الورع الزاهد والقدوة العابد شمس الدين محمد ابن المقرّ النجمي دولات باي نائب الديار الشامية كان، تغمّده (^١) الله بالرحمة والرضوان، وكان توعّكه نحو شهر بالحمى والإسهال، فجهّز في يومه وصلّى عليه عند باب الكعبة بعد صلاة العصر إمام الحنفية السيد عبد الله البخاري بأمر ولديْه محمد بن النجمي والبدري، وشيّعه خلق من الأعيان والعامة إلى المعلاة ودُفن بها في الشعب الأقصى في تربة لأمه أوصى أن يدفن تحت رجلها وترحّم الناس عليه لفقدهم له ولاحتياجهم إليه، وخلّف ولدين كبيرين وبنتا وزوجة، رحمه الله تعالى وأخلفهم فيه خيرًا.
وفي يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة أنّ قاصدًا وصل إلى جدة المعمورة من مصر
_________________
(١) بالأصل: تغمدها.
[ ١ / ١٢٨ ]
دوادار نائب جدة الأمير قاسم الشرواني ومعه أوراق له ولجماعة فيها الإخبار بدخول الحاج إلى مصر في سابع عشريْ الشهر بعد عادتهم بخمسة أيام، وذلك لانقطاعهم في الطريق من الغلاء والجوع وتعب الجمال. وكان ملك الأمراء أرسل لهم مُلاقين إلى الأزلم (^١) فارتفقوا بها. وأنّ المباشرين الخمسة المتوجهين إلى إسطنبول صحبة المقر العلائي ناظر الخواص أسَرهم الإفرنج وأسَرَ منهم ثلاثة أنْفُس هم نقيب الجيش يونس والمقر البدري والمقر العلائي. وأنّ ملك الأمراء نائب الديار المصرية أرسل إلى الطور أربعة آلاف إردب قمح لبيعها بمكة وتفرقة مائة إردب على الفقراء بها. فتباشر الناس بها بذلك ورخصتْ الأسعار بمكة وجدة، الربعية الحب المصرية في مكة بثلاثة محلقة ونصف وبعضها ينقص ربعا، وبجدة بثلاثة محلقة إلا ربعًا. والإردب بعشرة أشرفية وقيل بتسعة، والله تعالى يُرخّص الأسعار.
وفي يوم الإثنين حادي عشر الشهر وصل الخبر بمكة بوصول شخصٍ بدويّ لجدة وهو قاصد لصاحب مكة السيد بركات معه خِلَعٌ ومراسيم له، وجملة أوراق لخلق مِن أهل مكة والمقيمين بها، فلم يعطِ أحدًا شيئًا قبل مواجهة خلا ربطة (^٢) للوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح من عند المقر الشهابي ابن الجيعان، فيها ورقة لقاضي القضاة الشافعي بمكة، وثانية للمحيوي العراقي فيها الإخبار بقضية المباشرين المأسورين وبعض أغراضه، ولم يتعرضْ لذكر القاضيين اللذْين بمصر الحنفي والمالكي، وأشاع بعض أصحابهما أنّ القاصد ذكر بجدة أن معه أوراقًا (^٣) لهم، والله أعلم بحقيقة ذلك.
_________________
(١) الأزلم: من محطات الحجيج على الطريق الساحلي بين المويلح والوجه، انظر الجزيري: الدرر الفرائد ص ١٣٨٨ - ١٣٩٣؛ البلادي: معجم معالم الحجاز ١: ٩١.
(٢) الربطة: هنا معناها مجموعة أوراق المرسلات.
(٣) بالأصل: إنّ معه وأوراق.
[ ١ / ١٢٩ ]
وفي يوم الأربعاء ثالث عشر الشهر وصل قاصد لمكة من جدة أخبَر أنّ مركبًا هنديًا يقال له الشاهي الكبير وصل إلى قرب جدة فيه صدقة لأهل الحرمين من عند صاحب كنباية الملك مظفر شاه ونزل منه جماعة وأخبروا بأن أربعة مراكب وصلتْ صحْبَتهم وتأخّرت (^١) بعدهم في الباحة وهم يوسف التركي وطليعته وبركات الحلبي وناظر الصدقة الملك خواجا محمد بن شيخ علي الكيلاني (^٢). ووصل فيها جماعة من أهل مكة المجاورين في الهند منهم الخواجا بدر الدين حسن بن حسين قاوان، والخواجا إبراهيم الشامي ابن الشيخ علي الدمشقي والشيخ عبد (^٣) الرزاق ابن الشيخ عبد الله بن عامر المساوي، فتباشر التجّار وأهل الحرم بذلك، فالله تعالى يُكْثر الخير على المسلمين ويُرخّص أسعارهم.
وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه دخل الإمام شرف الدين ابن الإمام مكرم ابن شيخنا قاضي القضاة محب الدين محمد الطبري المكي الشافعي على زوجته فاطمة ابنة الوجيهي عبد الرحمن بن علم الدين العقيلي النويري المكي، فهنأه الناس بها في صباح تاريخه على العادة، وعمل سُفرة حضرها أهله وبعض أصحابه، فالله تعالى يجعل كلًّا منهما مباركا على الآخر.
وفي عشاء ليلة السبت سادس عشر الشهر مات شيخنا العلامة المفتي القدوة الزاهد ولي الله تعالى عفيف الدين عبد الله باكثير ابن الشيخ شهاب الدين أحمد
_________________
(١) بالأصل: تأخر.
(٢) ورد هذا الاسم في نص الكتاب مرارًا، وهو تارة يرد بالكاف "الكيلاني" وتارة بالقاف "القيلاني" والتزمنا في ذلك متابعة المخطوط.
(٣) كلمة تكررت بالأصل.
[ ١ / ١٣٠ ]
ابن (^١) الحضرمي الأصل المكي الشافعي بعد توعّكه جمعة بالحمى وانكتام باطنه. وكان قبل ذلك في الجمعة التي قبْل تاريخه صلّى في المسجد الحرام جماعة وقال: هذه جمعة الوداع وصار يودع البيت ويقول: لا أوحش الله منك. وأمر بعض أولاده بتحمّل دَيْنه في حياته فدار على مُداينيه فأخبرهم بذلك فرضُوا بذلك وبعضهم أبْرأ ذِمّته منه، وجملته مائة وعشرون (^٢) دينارًا، فحينئذ طاب خاطره وصار يلازم ذكر الله تعالى وقت إفاقته وتردد الناس إليه أفواجًا وهو يسألهم الدعاء ويمازحهم كعادته، وكلّهم خائفون عليه، فقدّر الله تعالى إسكاتَه يومين وليلتين مع كونه يشير بذكر الله تعالى يفهم ذلك مَن حوله.
وُرئَيتْ له عدّة منامات حسنة يُقْضى له فيها بالخير، منها أنّ شخصًا جَبَرتِيا مباركًا يقال له الشيخ عبد الله رأي النبي ﷺ في المنام وهو يقول له: الليلة يموت الشيخ أبو كثير توجَّهْ لجنازته فإنه من أهل الخير وقل لأولاده يجعلون في قبره قطعة من كسوة الكعبة، فأخبرهم بذلك فامتثلوا أمره.
ورأى شخص آخر أنّ منائر المسجد الحرام الأربعة التي في أركانه وقعتْ، فأوّلَ بعض الناس موت أربعة من علماء البلد في هذا العام، فكان أولهم شيخ الحنفية شمس الدين محمد ابن النجمي ثم شيخنا باكثير. فجُهّز في ليلة موته وصُلّي عليه بأمر أولاده بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة الشيخ عبد الكبير بن ياسين ابن الشيخ عبد الكبير الحضرمي، نفع الله به، وشيّعه خلق من الأعيان والعامة في جنازة (^٣) خلفه حُمِلتْ على
_________________
(١) بياض بمقدار كلمة.
(٢) بالأصل: عشرين.
(٣) وردت هذه الكلمة بالأصل غير معجمة.
[ ١ / ١٣١ ]
الرؤوس وتزاحم الناس عليها. وكان يومًا مشهودًا، والخلق فيه شهود (^١)، فدُفن بالشِّعب الأقصى في تربة استجدّهَا من حياته، فحصل عليه البكاء والأسف ممن لم يعرفه ومَن له معرفة، وفقدَه الناس لخيره وعلمه وبشاشته وحلمه مع الزهد والورع وملازمة الإقراء للطلبة ونفعهم به طول النهار وعدم تكلفه لهم وإمدادهم بصالح دعواته. فصار الخلق يترددون إلى قبره صباحًا ومساء ويقرؤون له القرآن وعُمل له ختم في يوم الثلاثاء رابع يوم موته أنشدت فيه مرثيتان أولاهما (^٢) لإمام الشافعية شرف الدين إسماعيل الطبري وثانيتهما (^٣) للشهابي أحمد المحوجب، أولهما أحسن نظما فنذكرها هنا وهي (^٤).
وفي ظهر يوم الأحد سابع عشر الشهر مات المعلم عمر بن أحمد المكي المعروف بشنة أحد باعة الصبغة في القفص.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريْ الشهر كان عقد الخواجا وجيه الدين عبد الرحمن ابن المسعودي الطرابلسي المغربي على زوجته البكر السيدة المحجّبة سيّدة الجميع ابنة شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين النجمي ابن يعقوب المالكي رحمه الله تعالى في (^٥) والدها، حضرها قاضي القضاة الشافعي وجماعته وبعض الفقهاء والتجار، وانشِدَتْ (^٦) في المجلس قصيدة حسنة لبعض المغاربة في الزوج، فأعْجبتْ الحاضرين لما
_________________
(١) بالأصل: شهودًا.
(٢) بالأصل: أنشد فيها مرثيتين أولهما.
(٣) بالأصل: وثانيهما.
(٤) سقطت القصيدة من الأصل وترك الناسخ بقية الورقة بيضاء وهو مقدار عشرة أسطر.
(٥) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٦) بالأصل: وأنشد.
[ ١ / ١٣٢ ]
فيها من المعاني والبلاغة وهي (^١).
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه دخل الخواجا عبد الرحمن المسعودي على زوجته في بيت والدها وهنأه الناس بها وعمل له مَدّة مختصرة أطعمة مفتخرة كالمأمونية والزايرباج والرزين والضلع المحشي وغير ذلك. حضرها جماعة من أصحاب أخيها والزوج، فالله تعالى يخلف عليهما بخير ويبارك لكل منهم بمحمد وآله.
وفي يوم الإثنين خامس عشريْ الشهر وصل مرسوم السيد الشريف مع قاصد من عنده وصل من جهته حلي لقاضي القضاة الشافعي فيه الشكر منه فيما فعله مع أمير الحاج المصري وتفويض أمر الحجاز إليه. وإخباره بإرسال عسكر بحرًا للتوجّه إلى جهة الفرنج المخذولين ومساعدتهم وتجهيزهم بسرعة. وكتب الشريف معه رزمة للقاضي يخبره بوصول ورقته إليه وبلغه وصول مرسوم أخيه القاضي بدر الدين بن ظهيرة بالنيابة في القضاء لمكة، فأمره بالتوقف حتى يحضر فينظر في حاله وأنه يرسل بمرسومه إلى نائب جدة بها ليطلع عليه ويرسله له بعد ذلك. ووصل منه للحاكم بمكة القائد مبارك ورقة فيها: إنّا أرسلنا إليك بالأوراق التي وصلتْ مع قاصدنا من جهة مصر فترسلها إلى أصحابها (^٢) كالقضاة الذين بمصر والتجار ويأخذ منه حلوانه على العادة. ولم يصرح بولاية أحد ولا غزله، فخاط أهل الأغراض في ذلك وماطوا، خصوصًا، واستمر القضاة الذين بمكة يباشرون الأحكام على عادتهم ولم يعتبروا إشاعة عزلهم لكونها من أخصامهم وكون الشريف لم يتعرض لولايتهم بوجه من الوجوه. والله أعلم بحقيقتها.
وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه دخل الجمالي محمد ابن الشيخ زين الدين عبد الكبير
_________________
(١) سقطت القصيدة من الأصل وترك الناسخ بياضًا بمقدار ستة أسطر.
(٢) بالأصل: فترسلهم إلى أصحابهم.
[ ١ / ١٣٣ ]
الحرازي على زوجته البكر المراهق أم الحسين ابنة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الخياط المكي الشهير بروح جده وفي صباحها هنّأه الفقهاء بها وعُمل له سفرة مختصرة حضرها أقارب الزوج وأصحاب والده وغيرهم.
وفي يوم تاريخه ظهرتْ سرِقة كبيرة عند شرف الدين ابن القاضي بهاء الدين ابن قاضي القضاة جمال الدين أبي السعود بن ظهيرة مِن جارية حبشية، لبعض التجار الشاميين وكان ساكنًا في بعض بيوت بني ظهيرة في السويقة، وتوجه إلى جدة وأغلق بابه، ففتحَه وأخذ منه نقدًا كثيرًا نحو الألف وقماشًا وعنبرًا ولآلئً، وتوجّه ببعضها إلى حلي فباعه وعاد إلى مكة وأقبل على اللهو والفساد. فاطّلع التاجر على ذلك برؤية بعض ملبوسه عليه، فشكاه إلى عمّه قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة فمسكه وضربه ضربًا مؤلمًا، فأقرّ بحمله أمتعة عند جماعة من السوقة وغيرهم اشتروها منه. فدفعه عمه إلى حاكم مكة القائد مبارك بن بدر فوضعه في السجن وضربه أيضًا ضربًا مؤلمًا، وطالب المشترين منه بما أخذوه فظفر بجملة أمتعة رُدّتْ على صاحبها مع كونها قدرًا كثيرًا. وتألم أقاربه وغالب أهل مكة لذلك لكونه من بيت رئاسة. فالله تعالى يتوب عليه ويستره أو يهلكه ويقصمه.
وفي يوم الأربعاء سابع عشريْ الشهر أمر القائد مبارك بن بدر بالنداء في شوارع مكة وأسواقها بتجهيز الأروام الذين بها إلى جدة ليسافروا صحبة الأمير سنان الرومي بحرًا إلى اليمن لمواجهة السيد الشريف بها، وما عُلِم مقصده بذلك مع كونه أشيع أنّ السيد بركات نيته العود إلى مكة قبل تنجيل (^١) المراكب الهندية ليحضر عشورها،
_________________
(١) التنجيل: إنزال التجارة والبضائع من السفن، ورد استعمال هذا اللفظ في العقد الثمين للفاسي ٤: ٩٢؛ وعند العز ابن فهد في غاية المرام ٢: ٢٥٦، ٢٩١، ٣٤٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
وتواترت الأخبار بذلك. فالله تعالى يقدر للمسلمين خيرًا ويحفظ عليهم السيد الشريف بركات ويطيل [عمره] (^١) فإنه بركة الحجاز، في الحقيقة لا المجاز.
وفي يوم الخميس ثامن عشريْ تاريخه ظهر للقاضي الحنبلي المحيوي عبد القادر بن ظهيرة القرشي ابنة ثالثة من جارية حبشية سماها لطيفة، لطف الله تعالى بها وبالمسلمين. وفي ليلة الجمعة تاسع عشريْ الشهر وُلد للشيخ محيي الدين عبد القادر بن فهد ابنة ثانية مباركة إن شاء الله تعالى سمّاها أم هاني ست بني هاشم، وأمها سيدة الكل ابنة الشيخ جمال الدين محمد بن قاسم الدب المغربي الأصل المكي. فالله تعالى يجعلها مباركة عليه وعلينا وينشئها نشأً صالحًا ويُقِرّ أعْيننا بأولاد ذكور، بجاه سيد الأولين والآخرين.
وفي صبح يوم السبت ثاني تاريخه ماتت ابنة للخواجا عبد القادر بن شمس الدين المصري نزيل مكة الشهير بالمغربي من الشريفة فاطمة ابنة الشيخ إمام الحنفية شمس الدين محمد البخاري، عمرها ثمانية أشهر، فصلّي عليها بعد صلاة العصر وشيّعها جماعة من الفقهاء لأجل خالها إمام الحنفية العفيف عبد الله البخاري، وتخلف عن الطلوع معها إلى المعلاة شقيق أمّها الشيخ شهاب الدين أحمد البخاري نفسه ولأمها من مدة طويلة (^٢)، وأنكر عليه ذلك بعضٌ، فإنه كان أحق بها من أخيه الثاني. فسبحان مقلّب القلوب وقاسم العقول.