في أوله وصلت الشريفة أم الكامل ابنة عجل زوجة الشريف بركات إلى مكة وذكرت أنّ زوجها توجّه إلى جهة اليمن للكشف على إبله ويعود إلى الوادي في نصف الشهر.
_________________
(١) وردت الكلمة بالأصل غير تامة الإعجام.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وفيه ظهرت الفاكهة بمكة المشرفة وهي الرطب والعنب والتوت والتين والخوخ والتفاح، وبيع تمر النخل بالأودية بيعا حسنا مع كثرة، فالله تعالى يرخّص الأسعار.
وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه ماتت غزال الراجحية موطوءة القاضي بجدة كمال الدين أبي البركات محمد بن علي بن ظهيرة وأمّ ولده أبي البقاء وصفية.
وكان القاضي جمال الدين أبو (^١) السعود بن ظهيرة تزوجها ثم فارقها وتزوجها جوهر … (^٢) سيّدها، وهي مشهورة بالحسن والعقل لكنّها كبرت وسمعتُ أنّ الشريفة أم الكامل ابنة عجل زوجة السيد بركات صاحب مكة أقامتها متكلمة على رباطها بجياد. فجهّزت في يومها وصُلي عليها بعد صلاة العصر وشيّعها جماعة من الفقهاء ودفنت بتربة مواليها بالمعلاة رحمها الله تعالى وإيانا.
وفي ضحى يوم الثلاثاء ثالث الشهر مات الخواجا الكبير المعمّر محيى الدين عبد القادر بن بدر الدين الحلبي بعد توعكه مدة بجدة وحُمِل إلى مكة وأراد الوصية وطلب ولده عبد الكريم القاضي الشافعي النوري بن ناصر لأجلها فأسكت. ومات ولم يُوصِ فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم ودُفن بالمعلاة في تربة الملك المسعود يوسف بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن أيوب صاحب مكة واليمن. وأظنّ ذلك بطلب من القاضي الشافعي فإنه أصلحها بعد خرابها وأعدّها لنفسه فوافقوا ولده الثاني، وخلّفه مع ولد أكبر منه غائبًا وآخرين أصغر منه وغير ذلك. وتركته لها صورة من النقد والعقار ببلاده وعدة سفرات، فالله تعالى يرحمه ويعفو عنه، فإنه كان يخرج زكاة ماله على الفقراء بعنف وسبّ على طريقة أهل بلاده، مع انجماعه وملازمته العبادة وصلاة الجماعة. فعمل له ولده ختما (^٣) بالمعلاة فيه أطعمة وبخور على قاعدة
_________________
(١) بالأصل: أبا.
(٢) كلمتان غير واضحتين بالأصل.
(٣) بالأصل: ولد ختم.
[ ١ / ٢٥٧ ]
بلادهم. وخدم القاضي الشافعي بمبلغ كبير يقال ألف دينار حتى أقامه على أخوانه الصغار وتركة والده.
وفي ليلة الجمعة وصل من الفريق ميتا (^١) الشريف عجلان ابن السيد أبي الغيث ابن صاحب مكة الشريف [بركات] (^٢) بن محمد بن بركات الحسني وهو بالغ ومعه والده فجهّزه وصُلي عليه بعد صلاة الصبح ودفن بالمعلاة قريب قبر أخيه الماضي قريبًا، رحمه الله تعالى وعوّض والدهما فيهما خيرا.
وفي مغرب ليلة الثلاثاء عاشر الشهر ولدت زوجة الشيخ العالم المبارك المعتقد الصوفي نور الدين علي ابن سيدنا وشيخنا العارف بالله تعالى مربي المريدين ومرشد السالكين ناصر الدين بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الدمشقي الشافعي ولدا مباركا سماه بلالًا، فالله تعالى يُنشئه نشأ صالحا وينفع به كما نفع بأبيه وجدّه.
وفي صبح تاريخه تحرّك الخواجا الأصيل بدر الدين حسن ابن المرحوم الخواجا العالم بدر الدين حسين قاوان المكي - أعزه الله تعالى - للسفر إلى جدة بطلب من الملك محمد بن شيخ علي القيلاني الشافعي وكيل السلطان مظفر شاه الكجراتي لكونه نوى السفر إلى الهند مع المراكب في هذا العام وأمره بثبوت الأوقاف التي اشترى بها البيوت الموقوفة بمكة على القراء في المدرسة المظفر شاهية. وكان مشتراه لغالبها في أول السنة وتأخرت كتابتها لوجع شاهدها كبير الموقعين رضي الدين محمد بن علي الحناوي، فلما مات طولب ولده المحجبي بكتابتها لأخذ والده معلومها وهو مائة دينار فقال: لا يلزمني ذلك إلّا بأجرة جديدة، وإذا كان لكم عند والدي شيء (^٣) فخذوه من تركته، وتوجّه إلى صاحب البلاد السيد بركات جهة جدة فتكلم معه في إعطاء مبلغ فجعل له خمسين أشرفيا وكتب المستندات كتابة حسنة
_________________
(١) بالأصل: ميت.
(٢) كلمة سقطت من الأصل.
(٣) بالأصل: شيئا.
[ ١ / ٢٥٨ ]
بطريقة معتبرة استكثرت عليه، ويقال إن والده سّودها من حياته وأثبتها على قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء الحنفي.
البيوت، وهي:
(١) قاعة القاضي الشافعي جمال الدين أبي (^١) السعود بن ظهيرة التي صارت لولده التاجي محمد، وقيمتها ألف وثلاثمائة دينار.
(٢) وبيت الخواجا علي الطاهر الصائر للبرهاني ابن قاضي سالم، وقيمته ألف وثلاثمائة دينار.
(٣) وبيت الخواجا شرف الدين يحيى بن علي المغربي المعروفة بدار اللؤلؤة، وقيمتها ألف وثلاثمائة.
(٤) وبيت الخواجا ابن شمس الصائر للشهابي أحمد دوادار المقر الشهابي بن الجيعان وقيمتها ألف وخمسمائة.
(٥) وبيت القاضي أبي البقاء ابن العفيف بن ظهيرة المجاور لقاعة القاضي أبي السعود، وقيمته مائتان وستون.
(٦) ودكان بالمسعى بجانب وقف ابن عمران لقاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة بتسعين أشرفيا.
(٧) وبيت الزير بالقرارة.
الجملة للجميع ستة آلاف ومائتان وخمسون دينارا. وتكلم بعض البائعين (^٢) فيما باعوه لطمعهم في المشتري وكون المال الذي اشتريَ به من عين الصدقة. فمسك القاضي المستندات حتى جُعلت مصلحته يقال بخمسين دينارا أو أقل منها، فلا قوة إلّا الله.
_________________
(١) بالأصل: أبو.
(٢) وردت الجملة مضطربة كما يلي: "وتكلم بعض البائعين فيما باعوه".
[ ١ / ٢٥٩ ]
وتصدّى البدري حسن قاوان لها وتعب فيها وكتب قائمة باسم فقهاء مكة وعيالهم وأتباعهم لكون الوكيل طلب تفرقة الباقي عنده من صدقة سلطانه - نصره الله تعالى - وأمر العدل ولي الدين أبا (^١) زرعة المنوفي بالتوجّه إلى جدة لضبط ذلك، فبلغ القاضي الشافعي النوري ابن ناصر ذلك فكتب قائمة فيها الغثّ والسمين من الفقهاء والعامة وأرسلها إلى الوكيل صحبة رسالة بالحط على أبي زرعة ومنْعه من الشهادة وكتابة القوائم لأجل القاضي الشافعي المفصول الصلاحي ابن ظهيرة. وكتب بذلك ورقة لنائب جدة وبالحط على مخدومه، فمُقت لذلك، وعَرض فيه عرضا (^٢) وأرسل الشريف بركات للوكيل يوصيه على أبي زرعة لمخدومه.
وفي يوم الجمعة ثالث عشر الشهر سافرت قافلة قليلة للمدينة الشريفة فيها إمام الحنفية بها النوري علي الخُجُندي، وتخلّف كثير من الناس لسماع الخوف بها لنزول العرب عليها.
وفي أثناء هذه الجمعة وصل جماعة منها على درب الماشي ومعهم أوراق من بعض أكابر أهلها اطلعتُ عليها ومضمونها: أنه قد حصل لأهل المدينة الشريفة ما لم يقع لهم نظيره قبل تاريخه وهو وصول طائفة من العرب يقال لهم آل ظفير ونزلوا في موضع يقال له البركة شامي المدينة الشريفة وقطعوا ثمارها وجميع ما كان في تلك الناحية من الثمار أيضا، ثم إنهم رحلوا وغابوا نحو الأسبوع وعادوا إلى شرقي المدينة ونهبوا من جمال الحدائق نحو التسعة. ثم إنّ أمير المدينة خرج إليهم ومعه جميع بني حسين وجماعة من الفقهاء وغالب أهل البلد وكان خيل الأمير ثلاثة أرؤس من غير زيادة، وصل الأربعين نحو الأربعين (^٣) فأرسل كاتب هذه الورقة وهو القاضي
_________________
(١) بالأصل: أبو.
(٢) بالأصل: عرض.
(٣) كذا وردت الجملة مضطربة بالأصل.
[ ١ / ٢٦٠ ]
الشافعي السيد عبد الله السمهودي للأمير ينهاه عن القتال لعلمه بعدم مقاومتهم للعدو، وأن يعطى ما يمكن إعطاؤه ويصالح به عن دماء المسلمين وأموالهم فامتنع، ووقع بينهم القتال فانكسر أهل المدينة الشريفة كسرة شنيعة بحيث قُتل منهم ثمانية أنفس اثنان الأشراف وواحد من الفقهاء والباقي من العامة، ومسكوا من أهل المدينة أربعة عشر رجلا منهم سبعة من بني حسين واثنان من الفقهاء ولم يرجع أحد من الفزع إلّا وهو مُصاب إما بالسلاح أو الحجارة، وغُلّقت أبواب المدينة وصارت خيل العدو تصل إلى باب البقيع والى تحت قلعة الأمير ولا يمكن الخروج إليه. فالله تعالى يلطف بالمسلمين وينصرهم على أعدائهم بجاه سيّد المرسلين. وفي يومه قطع نحو نصف ثمار المدينة وأفسدها وعزم على إفساد عمار قبا والعوالي فلم نر (^١) لنا بُدّا من أن ندفع له خمسمائة دينار وفرسًا ومائة لمن كان واسطة حتى كفّ عن الإفساد وأخذ من الربطاء ما يزيد على الألف حتى أطلقهم. وكان الناس في وجل عظيم وإلى الآن هم على حالهم من الخوف، ولم يبق طائفة بالمدينة إلّا وحصل فيهم القتل والأسر والجرح، فلا حول ولا قوة إلّا بالله بتاريخ ثاني عشر جمادى الآخرة.
وأخبر الزوار بسفر العرب عن المدينة لما سمعوا بوصول الشريف أبي نمي ابن السيد بركات صاحب مكة وابن عمّته صاحب المدينة الشريف باز بن فارس بن شامان مع العسكر إلى الصفراء، فأقاموا بها إلى أن فاتهم العدو لأجل مصالحهم، وهو مسك بعض عرب الصفراء وقطع نخيلهم وتوجّهوا إلى ينبع، فالله تعالى يلطف بالمسلمين.
وفي يوم الجمعة عشري الشهر وصل الخبر لمكة من جدة بوصول زعيمة إليها فيها مراسيم لنائب جدة المتولي حسين بك الرومي ولولد المفصول البرهاني إبراهيم ابن الأمير قاسم الشرواني، وفيها الإخبار بإطلاق الأمير قاسم المشار إليه من
_________________
(١) بالأصل: فلم نرى.
[ ١ / ٢٦١ ]
الترسيم بالقلعة ونزوله إلى القاهرة مكرما معظما وتخيير ولده في الإقامة بمكة أو السفر إلى والده مكرما وتمكينه من تعلقات والده ومساعدته عليها. ففرح أهله بذلك ودقت النقارة عندهم، فالله تعالى يجمع شملهم ويُتِمّ سرورهم.
وفي ليلة الثلاثاء رابع عشري الشهر وصل إلى مكة العفيف عبد الله ابن القاضي الشافعي النوري ابن ناصر بالمبلغ الذي قبضه من معلوم الصدقة التي أوصى بها الحاج محمد شنيبل الشامي وهو ألف وثلاثمائة دينار بعضها قماش وبعضها نقد وتكملة المبلغ وهو سبعمائة تأخّر عند التجار المشترين للتركة، ويقال إنّ الدولة وصَّوا المرتهنة في عدم دفع المبلغ لهم حتى يصل قاصد ابن الشريف من القاهرة ويأتي بولاية صاحب الوظيفة قبله القاضي صلاح الدين بن ظهيرة. فنوى القاضي ابن ناصر تفرقتها بوصول ولده، وشرع في مهمّ لزواجه وزواج أخيه قاضي جدة الشهابي أحمد فلم يتمّ له مقصوده.
وفي ظهر تاريخه [وصل] (^١) قاصد من عند الشريف لخصمه القاضي الشافعي بأخبار ولايته ووصول قاصده مسلم البدوي إلى الوادي ومعه مرسومان (^٢) للقاضي أحدهما مطلق لكل واقف عليه بأخبار ولايته وثانيهما خاص به وفيه إرسال قاصد (^٣) ملك الأمراء للخنكار لإخباره بولايته لابن الشريف وأنه يأخذ المعلوم الهندي من تاريخ الولاية وهي سابع شهر رجب. وفيها خرج القاصد من مصر ففرح القاضي صلاح الدين بن ظهيرة بذلك وقصده الناس لتهنئته ولم يتوجّهوا لخصمه مراعاة له وأرسل عبده على فرسه بمرسومه المطلق إلى جدة لنائبه بها بعد مواجهة الشريف بالوادي وأخذ مكاتبته لنائب جدة حسين بك الرومي يخبره بولايته فدخل جدة في ضحى يوم الخميس سادس عشري الشهر وأعطى المرسوم لنائبه
_________________
(١) كلمة سقطت من الأصل.
(٢) بالأصل: مرسومين.
(٣) بالأصل: قاصدا.
[ ١ / ٢٦٢ ]
القاضي جمال الدين محمد بن محب الدين بن عبد الحي القيوم بن ظهيرة، فتوجّه به إلى نائب جدة وقرأه عليه ففرح بذلك لكونه اتفق له مع القاضي المفصول القاضي بها الشهابي ابن ناصر خصام في يوم تاريخه وغلق القاضي بابه، وكان فألًا عليه. وشمت به كثير من أعدائه، لطيشه وشدّة مرائه.
وفي فجر يوم الخميس سادس عشري الشهر ولدت للسيد أبي بكر بن الحسين القبيباتي الدمشقي ابنة سماها رقية وأمّها كمالية ابنة شيخنا قاضي الحرمين نجم الدين محمد بن يعقوب المالكي - رحمه الله تعالى - وصانها ولم يرض بها لكونها بنتا، فالله تعالى يعوّضه عقبها ذكرا ويُنشئها ويبارك له فيها.
وفي عشاء ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل إلى مكة السيد الشريف زين الدين بركات بن محمد الحسني محرما بعمرة كعادته من وادي مر، فطاف وسعى بعد صلاة العشاء.
وفي صباحها توجّه الأعيان للسلام عليه منهم قاضياها الشافعيان (^١) المتولي والمفصول وتقدم ثانيهما بالسلام وأراد الانصراف فأمره الشريف بالجلوس فقعد ساعة ثم وصل خصمه مرسومه فقرئ بحضرة الشريف وجماعة من الأعيان القضاة والفقهاء فقال القاضي المفصول النوري ابن ناصر: ليس لي في ذلك دافع ولا مطعن مع أنّ الشرع لا يعزل القاضي إلّا بجنحة ولا يجوز السعي عليه إلّا إذا وُجِدت الجنحة. فقال له الشريف: هذه عادة الدولة المصرية وغيرك عُزل بلا سبب، فقال: الأمور بيد الله تعالى وأنا وظيفتي العلم ولا أعْزَل عنه، وبلغني التهديد لي ولأولادي ونحن إذا وجدنا التشويش بمكة خرجنا منها إلى بلد يحصل لنا العزّ فيها. فقال له الشريف: لا تخرج منها إلّا إلى الله، يعني بذلك الموت. فقال له القاضي
_________________
(١) بالأصل: قاضيها الشافعيين.
[ ١ / ٢٦٣ ]
الشافعي المتولي الصلاحي بن ظهيرة: ممن بلغك التهديد؟ أما أنا شاكر منك (^١) وانفض المجلس بعد كلام من هذا النمط واستسمحه كثير من الحاضرين على القاضي المعزول وهو يقدّر في ذلك فإن العزل حبس الرجال. وقد قال بعض العقلاء من القضاة: إنّ الولاية لم تسرّنا لكن ساءنا العزل، فلا قوة إلّا بالله.
وأمر السيد الشريف القاضي المفصول في المجلس بتسليم مفتاح حاصل زيت المسجد الحرام إلى القاضي المتولي فأمر أمينه الشرفي الصلاحي بتسلُّمِه منه. فبلغني أنه وجده ناقصا فإنّ أصله أربعة وعشرون قنطارا قالوا أسرج منها في نصف السنة الماضية ستة عشر قنطارا وبقي ثمانية فوُزنتْ فوجد الباقي أربعة قناطير. وتكلم القاضي الحنفي بعد أن قام القاضي المفصول في الصدقة التي تحت يده فقال الشريف: أمرنا إلى مولانا المتولي وانفضّ المجلس على ذلك.
ووصل مع الشريف قاصده مسلم وهو وجع ومعه أوراق لكثير من الناس فقرئت على أربابها ووصلتني ورقة من القاهرة من بعض الأكابر المقيمين بها مضمونها أنّ السيد الشريف ثقبة ابن السيد بركات - أدام الله عزه ونصر والده - وصل إلى القاهرة في رابع عشري جمادى الآخرة سنة تاريخه وأقام يوم وصوله بالعادلية وفي ثاني تاريخه طلع إلى القلعة للسلام على ملك الأمراء نائب الديار المصرية - أعزه الله - وشقّ القصبة في موكب عظيم قدامه جميع العسكر وهو لابس خِلعة وكذلك السيد عرار بن عجل - أيده الله - ثم نزل من القلعة بعد السلام وقُدّامهما من العسكر البعض ممن طلع وعليهما خلعتان خلاف الأوليين ونزل معهما القاضي المالكي بمكة عبد الحق النويري والقاضي المالكي بالمدينة محمد السخاوي وهما لابسان قفطانين. واستقر ابن الشريف بالسبع قاعات ببيت المقر الشهابي ابن
_________________
(١) كذا وردت الجملة مضطربة بالأصل، ولعل صوابها: ما أنا شاك منك.
[ ١ / ٢٦٤ ]
الجيعان بإشارة ملك الأمراء بذلك. وحصل له خير عظيم من ملك الأمراء (^١) ورسم له بمثل ما رسم به السلطان الغوري لوالده (^٢) عند قدومه عليه.
وقد وصل من أهل المدينة مع ابن الشريف القاضي الشافعي بالمدينة أبو الفتح بن صالح ومالكيّها محمد السخاوي وجمال الدين بن عمر وغيرهم.
ووقعت حركة في أيام الخماسين (^٣) توفي فيها جماعة من أهل البلد كثيرون منهم الشيخ شهاب الدين المسمرسي (^٤) أحد نواب المالكية ومحب الدين البلبيسي أحد نواب الشافعية ومن الحجازيين حسن بن موفق البرهاني ومصلح القاواني.
وأشيع أنّ مولانا السلطان - نصره الله - قصد قتال الفرنج برودس وأن عسكره ثلاثمائة ألف من البر والبحر. وأمر ملك الأمراء القضاة بالتوجّه إلى الإمام الشافعي وقراءة سورة الأنعام والدعاء للسلطان بالنصر وذلك بعد العشرين من جماد الأول وأن مصر متشحطة الأسعار، والإردب بأشرفيين بعد أن كان نزل إلى دون ذلك والسمن الرطل بخمسة محلقة، والعسل بثلاثة، والسكر المكرر كذلك والنبات بأربعة (^٥)، والجبن الرطل بأزيد من محلق، واللحم البقري بمحلق، والضاني بمحلق ونصف، والقماش أيضا في غاية الغلو، والله تعالى يلطف بالمسلمين.
وقد أعيدت وظيفة القاضي الشافعي الصلاحي بن ظهيرة إليه بواسطة السيد الشريف بركات بسؤال ولده وأعيدت وظيفة الشمس بن جلال الحنفي بالمدينة الشريفة وولي محمد ابن الرئيس حنبليّها بالمدينة عوضا عن إبراهيم السكندراني.
وفي ثاني تاريخه تخلص الأمير قاسم الشرواني من الترسيم ونزل إلى بيته
_________________
(١) بالأصل: ملك الأمر.
(٢) بالأصل: لوالد.
(٣) الخماسين: رياح حارة جافة تَرِبَة تهبّ في أشهر الربيع.
(٤) كذا بالأصل.
(٥) كذا وردت الجملة بالأصل.
[ ١ / ٢٦٥ ]
بالمدينة - عامله الله بلطفه - وتاريخ الورقة في سابع عشري جماد الآخر سنة تاريخه.
وفي ضحى يوم السبت ثامن عشري الشهر طلب السيد الشريف بركات صاحب مكة الشيخ العلامة المبارك أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي المالكي الشهير بالحطاب - نفع الله به - وسأله بحضرة القاضي الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وغيره عن مخلّف الحاج يوسف بن الطبّالة الدمشقي فأخبَره بوصيته الظاهرة فقال له: بلغني أنّ له نقدا عندك غير الذي ذكره في الوصية، فأنكره وقال: لا أعرف ذلك، فقال له الشريف: أنا أعتقدك وتحققتُ أنّ عندك المال، والناس - بحمد الله - في أمان، وما الحامل على الكتمان؟ فقال له: أنتم أعرف بذلك، وكان في المجلس ناظر المواريث الكمالي أبو الفضل بن أبي علي فقال للشريف: عندي جماعة يشهدون على الشيخ أنّ المال في منزله، فأنكر الشيخ ذلك، فقالوا نتوجّه إلى منزلك وننظره، فقال: افعلوا ما شئتم، فأمره الشريف بالتوجّه مع جماعته إلى منزله فتوجّه معهم امتثالًا لأمره فأراهم عبد الميت مع شخص كان حاضرا الوصية المخزن الذي فيه المال. فأمر جماعة الشريف الشيخ بفتح المخزن ففتحه لهم موافقة فأراهم العبد والشاهد محلّ المال وهو في صندوق كبير مغلق عليه بقفل ففتحها (^١) جماعة الشريف فوجدوا فيها خمسمائة وستين دينارا ذهبا عتيقا وألفا (^٢) وسبعمائة أشر في فضة وثمانية آلاف وسبعمائة قفلة فضة خالصة. قُوّم الجميع الألف دينار على ما يُقال.
وكان الميّت كتبها في وصية مخفية وقال: إنها وديعة عنده لأخيه الغائب وإذا حضر يدفعها الشيخ له، فأراهم الشيخ حينئذ الوصية، فقالوا له: لأي شيء أنكرتَ ذلك أولا؟ فقال لهم: كان يجب عليّ الإنكار. فأخذ المال جماعة الشريف وتوجّهوا
_________________
(١) أي الوصية والأمانة المذكورة سابقًا.
(٢) بالأصل: دينار ذهب عتيق وألف.
[ ١ / ٢٦٦ ]
به إليه وتشوّش الأخيار لذلك، فلا حول ولا قوة إلّا بالله، وقدّر الله وصول أخي المّيت في الموسم فأخذ المال من جماعة الشريف، وعُدّ ذلك من بركة المّيت والوصي وعدل الشريف.
وفي عصر تاريخه توجّه السيد الشريف بركات إلى وادي مر بالدكناء وصحْبَته قاصده مسلم البدوي على نية السفر إلى القاهرة، وأودعه الناس أوراقًا كثيرة.
وفي يوم الأحد ثاني تاريخه شرع القاضي نور الدين في تفرقة الصدقة التي تحت يده وأوصى بها الحاج شنيبل الشامي وهي قماش ودراهم، فسمع القاضي المتولي الصلاحي بن ظهيرة فمنعه من ذلك وقال: أمر تفرقتها لي، فوقع بينهما كلام ومراسلة في ذلك واتفق الحال على التوقّف ومراسلة الشريف في أمرها. وتكلم القاضي الحنفي بديع الزمان بن الضياء فيها بحضرة الشافعي المتولي وطلب الزيادة فيما عُيّنَ له، وهو عشرون دينارا، فلم يوافق على الزيادة ثم اتفق الحال على رضا المتولي بتفرقة المفصول لها لكونه شرع في بعضها وعيّن غالبها لكثير من العامة لا يمكن إعطاء المتولي لهم شيئا ويحصل له بذلك الضرر بعد عمل مصلحته، ففرّقها المفصول بعد ذلك بمساعدة أولاده البدري حسين والعفيف عبد الله وصار أولهما يكتب أوصالا بخطه لكل من عين له شيء بحسب حاله ويعطي الوصل للثاني فيدفع له ما يخصّه قماشا ودراهما.
وعَيّنَ لكل قاض عشرين (^١) أشرفيا وكذا فاتح الكعبة الشيخ عبد الله الشيبي والخطيب عبد الرحمن النويري والقاضي شرف الدين الرافعي ولكل نائب قاض عشرة أشرفية ولأئمة الحرم ومشائخه كل واحد ثمانية أشرفية وأنا منهم. فتكلم الأئمة فكمّلوا لهم عشرة أشرفية وزادوا القضاة أيضا خمسة أشرفية وجعلوا لأولاد الأئمة خمسة ولبقية الناس خمسة وأربعة وثلاثة وأقلّ من ذلك إلى ربع دينار. وردّ
_________________
(١) بالأصل: عشرون.
[ ١ / ٢٦٧ ]
كثيرا من الناس مع إنصافهم، وامتنع القضاة من القبض فإنهم قالوا: على كل ألف عادتهم عشرون أشرفية، فقال لهم المفرّق: هذه وصية ويجب فيها التساوي، وما رأيتُ أحدا راضيا، ورضى الناس غاية لا تُدرَك، مع أنه أنصف كثيرًا من الناس في البدأة وغيرها.