وفي عشاء ليلة الأحد ثالث الشهر مات الأصيل القاضي أبو المكارم جمال الدين محمد ابن القاضي أبي المكارم ابن شيخنا المعمر القاضي شرف الدين الرافعي
_________________
(١) بالأصل: أبي.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) بالأصل: أبي.
[ ١ / ٤٥٣ ]
الشهير بابن ظهيرة القرشي بعد وصية كتبها في آخر مرضه. وله سنين مريضًا بوجع الدق، ويقال لكثرة استعماله للمغيبات بحيث تغيّر جسده وانقطع بمنزله، وتصرف في جهاته بما لا يُحمَد فيها بحيث لم يمض غالب وصيته مع كثرة ديونه، ويقال نحو ألف.
وجعل وصيه القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي. فجهّزه في ليلته وصلّى عليه بعد صلاة الصبح عند الحجر الأسود، كعادة بني ظهيرة، ودفن بتربتهم بالمعلاة عند الحجون على قبر أمه وجده، وعُمل له ختم في صبح يوم الثلاثاء خامس الشهر (^١). وتنازع عم أبيه أبو المكارم بن أبي القاسم الرافعي وهو شاب مع زوج عمته سعد الدين بن ظهيرة في ما أوصى به من النزول لوظائفه وإجازة أوقافهم له ولغيره وساعده صهره القاضي شهاب الدين المالكي الذي جعله الميت وصيا وعزل نفسه منها وقال إنه قصد حرمانه من ميراثه وسأل في ضبط مخلفه من الكتب وغيره، وكان أوصى بوقفها مع ميراث غير ذلك. فقال الوصي: الديْن مقدم وغالب جهاته وقف على عصبَته، ووجد بعض المستندات التي بمنزلهم بباب إبراهيم والعصامية بوادي أرض خالد وهي مرهونة في ستمائة أشرفي عند الوزير الجمالي محمد بن أبي علي المكي وغيرها مصلح في أوقافها بالكشط. وأروها للقاضي الشافعي فأمر ببيع أثاث البيع (^٢) وضبط الباقي حتى تحرر أمره، فضبط ذلك وكثرت القالات فيه، ولا قوة إلّا بالله.
وفي ضحى يوم الخميس سابع الشهر وصل لمكة صاحبها الشريف أبو نمي محمد بن بركات الحسني وتوجّه الأعيان للسلام عليه ومقت غالبهم لتحمّله على الفقهاء. ويقال إن سبب وصوله للإشراف على الساباط دهليز دار السعادة مسكنه،
_________________
(١) كلمتان تكررتا بالأصل.
(٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب "البيت".
[ ١ / ٤٥٤ ]
وأخذ وديعة مال كان أخذها الشريف ثقبة من قسمته معه ويقال إنها نحو عشرين ألف دينار.
وفي صبح يوم الجمعة ثاني تاريخه زار قبر أخيه ووالده وصلّى الجمعة وسافر آخر النهار إلى فريقه جهة اليمن، وجّه الله وجهه حيث ما توجّه.
وفي يوم الخميس المذكور نعي على القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن ناصر لموته بالروم وجاءت ورقة من مصر من أخيه عبد الرحمن. وكان الناس تحدثوا بذلك من أول السنة، ولم يصدق أهله ذلك وتبيّنتْ (^١) أمه وإخوانه، فالله تعالى يرحمه ويعوّضهم خيرا منه.
وفي هذه الجمعة وصلت لمكة عدة أخبار من البحر على طريق الطور منها أنّ نائب مصر كتب عرضا إلى الروم فطلب ولاية الدفتردار (^٢) عبده بمصر لنيابة جدة واسمه داود الرومي. فجاء الخبر بولايته لها وأنه عين نائبه فيها واسمه (^٣) الرومي. فوصل بنفسه لجدة وأن النائب المذكور والسيد علاء الدين ملك التجار أمروا بشحن (^٤) حوائجهم من السويس وهم واصلون معها قريبا، وأن النوري علي بن المهتار مات بالقاهرة ووُجد معه مائة ألف أشر في ذهبا غوريا، ثمنها لاكيْن ونصف من الأشرفية، وأنه جعل وصيه الأمير جانم الحمزاوي. وادعى عمه (^٥) المهتار أن المال له فطولب بثبوته فلم [يُثبت] (^٦) ذلك. ويقال إنه وديعة للسلطان الغوري عند عمه وأودعه للميت عند سفره للروم، ولما عاد منها طالبه به فأنكره
_________________
(١) وردت الكلمة بالأصل غير معجمة.
(٢) بالأصل: الدفتدار.
(٣) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٤) بالأصل: بشحنة.
(٥) بياض بمقدار كلمة بالأصل.
(٦) إضافة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٤٥٥ ]
عليه. وحرمهم (^١) الله التصرف فيه حتى عاد للدولة. ولذلك فليعتبر المعتبرون. مع أن عليًا المهتار استدان بمكة من جماعة نحو عشرة آلاف دينار وتوجّه إلى القاهرة وسعى في عدة وظائف في جدة فوليها ومات (^٢) قبل أن يباشرها. وكان طلب بولايتها التستّر بالصرف في المال، فمنعه الله من ذلك، وبهذا يُعرف الله.
وفي يوم الخميس رابع عشر الشهر سافرت بقية القافلة المتوجّهة (^٣) للمدينة الشريفة لزيارة النبي ﷺ وكان مقدمها الشريف رميثة ابن السيد محمد بن بركات صاحب مكّة ورفقته القاضي عز الدين الفائز ابن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة وصحبته زوجته أم الحسين ابنة قاضي الشافعية الجمالي أبي السعود بن ظهيرة وولده القاضي شرف الدين محيي بعياله أم الحسين ابنة قاضي الحنفية نور الدين علي بن الضياء الحنفي وأولاده والعفيف عبد الله بن أحمد الفاكهي والشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن علي الزمزمي بعياله والشرفي يحيى ابن الشيخ حاتم المغربي والمحي محمد ابن الإمام عبد البر الطبري بزوجة والده ابنة الشيخ الأهدل والمعلم حسن بن عمر بن حسين البناء بعياله وأخته، وغيرهم من المعارف، وصار الناس ينجرّون إلى عصر يوم الجمعة ويقال عدة جمالهم نحو ثمانمائة جمل.