جعله الله مباركا. استهل كاملا في ليلة السبت. وفيه انحطّتْ الأسعار قليلا في الحب.
وفي يوم الإثنين عاشر الشهر وصل قاصد من مصر اسمه مسلّم وذكر أنّه خرج
_________________
(١) بالأصل: مركبين.
(٢) دابول: من بلاد الهند على الساحل المقابل لشواطئ عُمان.
(٣) بياض بمقدار ثلاث كلمات بالأصل.
[ ١ / ٧٦ ]
من مصر عاشر جماد الثاني، وأنّ السلطان سافر من حلب إلى جهة الروم، وكان صحبته وفارقه من بلاد عنتاب، ووصل صحبته مراسيم للشريف بركات مضمونها: تفويض الخنكار أمر الحجاز إليه وكذا اليمن والهند، فأمر ولده الشريف أبا نمي بزينة مكة سبعة أيام ولعب العيري عند منزله بأهل مكة السوقة. وجاء مع القاصد عدّة أوراق للحجازيين الذين بمصر، اطلعتُ على بعضها.
وفيها أنّ الأمير مصلح الدين الرومي وصل إلى مصر صحبة المقرّ الشهابي بن الجيعان وأهل مكة الذين رفقتهم في ثاني شهر جماد الأول بعد شدّة حصلتْ لهم في البحر يوما واحدا في مكان يُقال له الوفادي بعد أن أيقنوا بالغرق ونجّاهم الله تعالى، وأنّ ملك الأمراء نائب الديار المصرية خائر بك لا يحدث عزلا ولا ولاية في الحجاز ولا غيْره. وأنّ القاضييْن بديع الزمان ابن الضياء الحنفي وعبد الحق النويري المالكي اجتمعا به ومعهما المحيوي العراقي فحصل للأوّليْن منه غاية الجبْر، ثم أوْقفهما على مرسوم يتضمّن التفويض له من العريش إلى آخر الحجاز ثم قال لهما: لكن أتأدب مع الخنكار، وأشار عليهما بالسفر إليْه لِيَلِيَا (^١) من عنده، ورسم لهما بمائة دينار وللعراقي ثلاثين دينارا. وقد عزم القاضيان على السفر صحبة الأمير مصلح الدين إلى الخنكار فإنّه معتن بهما كثيرا ويعِدُهما بكل خير، والظاهر أنّ الخنكار يردّهما بلا ولاية إلى خائر بك ملك الأمراء ليوليهما هو وينظر في أمرهما، فإنه بلغنا أنّ السلطان وكّل أمر مصر إليه.
وقد تقرّر جماعة في الذخيرة الشريفة منهم الشيخ نور الدين حمزة الرومي في مائة دينار، وبركات أما قُطْلُباي (^٢) في ستين بواسطة أنه دخل في مصلح الدين بباب حدب (^٣) وصلاح الدين والقاضي بديع في ثلاثين، وملا علي الرومي أربعين، وجماعة
_________________
(١) بالأصل: ليليان.
(٢) بالأصل: فلطباي.
(٣) كذا بالأصل.
[ ١ / ٧٧ ]
أروام ما بين عشر وعشرين (^١) ونحوها، ولإماميْ الحنفية عبد الله وأحمد البخاري بين ثلاثين.
وقد توفّيت أمّ القاضي شهاب الدين بن الجيعان، وهي جارية تركية، وأخت البرهاني السمرقندي زوجة أبي السعود بن زبرق، وهي سُتَيْت (^٢) ابنة الشيخ زائد الشاهد، والشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الميري بالمحلّة سادس المحرم سنة تاريخه.
ومصر طيّبة غير أنّ بعض الأروام من بعد العصر يحصل منهم بعض عبث على الناس، وإلحاح كبير، وأميره ابن موسى والمحتسب. وليس بمصر رخيص غير الحبوب، وتاريخ الورقة رابع جماد الآخر.
وفي ضحوة يوم الخميس ثالث عشر الشهر توفي إلى رحمة الله تعالى الفقيه العدل أبو الخير ابن الشيخ بدر الدين حسن بن عطية بن النجمي محمد بن أبي الخير بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فهد الهاشمي المكي الحنفي - قرابة كاتبه - فجأة، وكان يحصل له ضيق النّفَس ويبرز لحاجته، ومن ذلك في صبح تاريخه، فجُهّز في يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر، وشيّعه جماعة من الفقهاء ودُفِن بجانب قبر والِدِه على قبر جدّه القاضي جمال الدين محمد بن عبد الله بن فهد. وخلّف ولدين صغيرين وزوجة، وترحّم عليه الناس لفقره وضعفه، ﵀.
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل من جدة إلى مكة قاضي القضاة الصلاحي ابن ظهيرة لأجل قراءة المراسيم (^٣) الشريفة الواصلة إليه من ملك الأمراء خائر بك نائب الديار المصرية بعد إرسال قاصد له من عند الشريف أبي نمي ابن السيد الشريف بركات. فاجتمع في صبح تاريخه تحت حطيم زمزم تجاه الباب الشريف - على العادة - الشريف أبو نمي وبعض الأشراف والقضاة الأربعة وخلق من العامة،
_________________
(١) بالأصل: ما بين عشرين وعشرين.
(٢) كلمتان تكررتا بالأصل.
(٣) بالأصل: مراسيم.
[ ١ / ٧٨ ]
فقُرئ مرسومان للشريف ووَلده مضمونهما: وصول الأمير مصلح الدين الرومي والمقرّ الشهابي بن الجيعان إلى الديار المصرية وأثنَيَا على المقرّ وشَكَرَا هِمّتَه وذكرا أمان البلاد، وأنّ الجمل الواحد يسير من مكة إلى جدة والينبوع وليس معه رفيق. فحمدنا الله تعالى على ذلك. وقصد الأمير مصلح الدين الإقامة بجدة مدّة أشهُر ليرسل الشهابي القاضي ابن الجيعان إلى الديار اليمنية لينظر في حالها ويتطلب الخواجا عباس. ثم بعد مدّة ظهر. . . . (^١) له، فسُرّ بذلك الأمير مصلح الدين وتوجّه مسرورا. ووصلتْ مكاتباتكم صحبة الأمير مصلح الدين وامتثلنا ما فيها، وكنّا أرسلنا لكم تشترون (^٢) لنا ما نحتاج إليه من البضائع الهندية واليمنية، فالآن تبذلوا هِمّتكم في ذلك وتجعلوا معشَر جدة على زمن الأشرف قايتباي، فإنّ بيننا وبينكم محبة قديمة في زمن الأخ قانصوه المحمدي محاورا بمكة (^٣)، وحصلت (^٤) له العناية والمساعدة منكم، ولنا فيكم محبة. ولما وصل إلينا قاصِدُكم الشيخ مسلم وأخبرنا بعافيتكم سُرِرْنا بها وأنعمنا عليه بتقرير مائتي دينار (^٥) في كلّ عام له ولأولاده، ووصلت معه مكاتبات منكم تتضمّن ما ذكرتموه من جهة سلمان القبطان فامتثلنا أمركم وجَهّزناه بعياله وأولاده إلى إسطنبول.
فأنتم تهتمّون في ضبط المراكب التي بجدة وإصلاحها وتحرير ما فعله الأشرف الغوري وسلمان وتحتفظون بالعدة التي في الحواصل الكائنة بالفرضة وتجعلون قبطانا ترضوْنه. فإنه بلغنا وصول الفرنج إلى قرب
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
(٢) بالأصل: تشتروا.
(٣) كذا وردت الجملة بالأصل.
(٤) بالأصل: حصل.
(٥) بالأصل: مائتين دينارا.
[ ١ / ٧٩ ]
جدة (^١) فارتجّتْ مصر لذلك، فأنتم تجهّزون المراكب وتحتفظون بها وترسلون تعرّفوننا (^٢) بحقيقة ذلك. وقد وكّلنا جميع الأمور إليكم، ومقامكم عندنا عظيم، ولا تأخذوا علينا بمكاتبتنا لكم بالأخ، فإنّ المقام الشريف الخندكاري رسَمَ لنا بتفويض الأمور من العريش إلى آخر الأقطار الحجازية. ورسمنا لكم بخلعة وكذلك لنجلكم السعيد الشريف أبي نُميّ.
ولُقِب الشريف بركات بألقاب كثيرة - كالعادة - وولده بالمجلس السامي ومرسومه أخصر من الأول. وبعد الفراغ من قراءة المرسوميْن لبس الشريف أبو نمي خلْعة قفطان مدنّر ملون، مدنّر (^٣) أصفر وأحمر وأبيض، ودُعِيَ بعد ذلك له ولأبيه ولناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي. ثم بعد الفراغ طاف أسبوعا ودعا له الرئيس فخر الدين فوق ظلّة زمزم - كعادة أسلافه - ثم صلّى ركعتين خلف المقام، وتوجّه إلى منزله راكبا ومعه أتباعه وخلق من العامّة، ووصّله القاضي إلى باب المسجد الحرام ثم لحقوه إلى منزله وهنّؤوه بالخلعة وتتابع الفقهاء وغيرهم. ثم ألبَس الشريف خلْعة للوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح الحفيصي وركب فرسه وتوجّه إلى منزله بالشبيكة وقُدّامه الطبل والزمر، وسُرّ الخلق في يومه هذا.
ووصلت فيه أوراق من جدة أرسلها الخواجا بيري الرومي، أمين الدولة المظفرية العثمانية، فيها أنّ الخنكار مقيم في أنطاكية وأرسل عسكرا إلى جهة الشرق لقتال الصوفي الخارجي، عدّتهم ثمانون ألفًا غير ألفي إنقشاري مقدّمهم الوزير الأعظم بيري باشا، وكان في الروم، فطلبه السلطان منها لذلك، والله تعالى ينصرهم
_________________
(١) في هذا إشارة إلى الحملة الصليبية البرتغالية على جدة التي قادها LOPO SOARES وجمع فيها ستين مركبا حربيا تحمل ألفي محارب. ووصل إلى جدة فحاصرها ولكنه لم ينجح في الاستيلاء على المدينة. وقد روى تفاصيل هذه الحملة أحد المرافقين لها واسمه CORSALI الذي كتب يومياته ونقلها المؤرخ الفرنسي KAMMERER في كتابه البحر الأحمر LA MER ROUGE ج ٢ ص ٣٦٣ وما بعدها.
(٢) بالأصل: وترسلوا تعرفونا.
(٣) وردت الكلمة مرتين غير معجمة؛ ويمكن أن تقرأ " مدير".
[ ١ / ٨٠ ]
ويخذل عدوّهم.
وعيّن الأمير مصلح الدين لإمرة الركب الشامي في هذه السنة، فالله تعالى يحقّق ذلك.
وفي مغرب ليلة الإثنين سابع عشر الشهر رجع القاضي الشافعي الصلاحي ابن ظهيرة إلى جدة لأجل سفر المراكب الهندية لكوْنه قاضي جدة.
وفي صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه مات محمد بن الشهاب أحمد الجوهري وصليّ عليه بعد صلاة العصر، ودُفن بالمعلاة بالشعب الأقصى، رحمه الله تعالى.