استهل كاملًا في ليلة الأربعاء ونحن بجدة المعمورة وكذا سلطان مكة السيد الشريف بركات وأولاده وقضاة القضاة والأعيان فتوجه الجميع إلى (^٢) الشريف للسلام عليه في فريقه خارج البلد. وأنشده قاضي القضاة الحنفي نسيم الدين المرشدي متع بحياته قول بعضهم في التهنئة بالشهر.
قد أقبل الشهر فأهلًا به … تَهَنَّ مولانا بإقباله
فالله يُبقيك لأمثالنا … والله يُحيك لأمثاله
_________________
(١) بالأصل: نزل.
(٢) بالأصل: على.
[ ١ / ١٥١ ]
فأعجب الشريف بهذين البيتين وصار يكررهما، وخلع على وكيل الصدقة الهندية الشيخ العلامة الملك شمس الدين محمد بن شيخ علي القيلاني (^١) الشافعي خلعة قفطان مدنّر فدخل بها إلى البلد وهو معجب بها.
وفي ثاني تاريخه دخل السيد الشريف إلى جدة ونزل في بيت قاضي القضاة الشافعي، ثم توجّه راكبًا إلى نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وسَقاه سكرًا مُذابًا ثم عاد إلى بيت قاضي القضاة الشافعي، فاجتمع به جماعة من الأعيان قضاة مكة فسلموا عليه وتكلموا مع القاضي الشافعي في أمرهم، فأمر السيد الشريف بالقاضي بعد توجهِهِ من عنده فحضّره الشريف عرار بن عجل ثم قدّم للشريف حلوى فأكل القضاة معه وانصرفوا. وأقام الشريف إلى قريب الظهر ثم توجّه إلى فريقه فعاد القضاة إلى القاضي الشافعي فوجدوا الشريف عرار عنده فتكلموا في معلوم القضاء بين القضاة المتولين والمعزولين، وتخاصم بعضهم ثم وقع الاتفاق على أن يُعطى لقاضي الدين المرشدي الحنفي نحو ثلث المعلوم لمباشرته للوظيفة عن أقل من سنة ثلاث وعشرين ونصف سنة تاريخه، والباقي لنائب القاضي المتولي قاضي القضاة بديع الزمان بن الضياء عن سنة لولايته عن سنة اثنين وعشرين والتي بعدها، ولقاضي القضاة الجلالي المالكي قريب النصف لولايته عن سنة ثلاث وعشرين ونصف سنة تاريخه، والباقي للقاضي المتولي الزيني عبد الحق النويري. وحصة كل سنة أربعين دينارًا هي معلوم سنتين ماضيتين سنة اثنين وعشرين والتي بعدها، وإنعام عن سنة تاريخه لوصول المصحف الشريف وتأخير الهند معلوم - سنتين على ما يقال - هما سنة تاريخه والتي قبلها. وحصل بوصول هذه الصدقة لأهل الحرمين الشريفين غاية الخير والرفق.
_________________
(١) هو الذي ورد اسمه سابقًا الكيلاني.
[ ١ / ١٥٢ ]
وفي صبح يوم الجمعة ثالث الشهر توجّه الوكيل والناظر إلى فريق السيد الشريف فوقع الكلام في الصرف للمستحقين المقيمين بجدة، فأنْعم الشريف بالصرف لهم وألبس الناظر والمباشر على الصدقة خلعة حسنة ودخلا إلى البلد. ثم اجتمع الخلق إلى منزل قاضي القضاة الشافعي وكَتب كل واحد من المستحقين إشهادًا بما يقبضه فكُتِب له عليه وتوجّه به إلى الوكيل فكتب له بالصرف إلى الصيْرفي فقبض الناس استحقاقهم ثاني تاريخه وانفرجوا بعد الضيق، وفرح لهم كل صاحب وصديق، فالله تعالى يُجزي المحسنين، ويُصلح أحوال المسلمين، ويفرج الهمّ (^١) عن المدينين، ويكتب السلامة على المسافرين، وينْصر غُزاة الموحدين، بجاه سيد الأولين والآخرين.
وفي فجر يوم الإثنين سادس الشهر وُلد بمكة النجل السعيد إن شاء الله تعالى نجم الدين محمد ابن القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين نجم الدين محمد بن يعقوب المالكي المكي، وأمه السيدة الجليلة سيدة قريش ابنة قاضي القضاة بالحرمين الشريفين محيي الدين عبد القادر ابن الشيخ العلامة نجم الدين محمد بن ظهيرة القرشي الحنبلي. وكان والده وجده لأمه بجدة فأُرسِل قاصد لوالده، ففرح بذلك هو وأصحابه. جعله الله ولدًا مباركًا وأنشأه نشًا صالحًا وأقر به عين أبيه، ووالدته ومحبيه.
وفي هذه الجمعة عاد إلى مكة الفقهاء الذين بجدة بعد قبضهم لتعلقهم في الصدقة المظفرية.
وفي مغرب ليلة الأربعاء ثامن الشهر وصلت إلى جدة زعيمة من ينبع أخبَر رَكَبَتُها بوصول جلاب إلى الطور، وفيها قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان ابن الضياء القرشي،
_________________
(١) بالأصل: المهمومين.
[ ١ / ١٥٣ ]
ووصل منه فيها كتاب لأخيه القاضي أبي السرور الحنفي مضمونه: الشكر ملك الأمراء والمقر الشهابي بن الجيعان، وأن رفيقه القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري توجه من مصر إلى الصعيد على نية العود منها إلى مكة، وأن إمام الحنابلة البدري حسن الزيني ولي قضاء المدينة الشريفة وهو يسعى في قضاء مكة، وكان للفخري أبي بكر ابن الشيخ كريم الدين بن ظهيرة. ثم بلغهم موته، وسبب ذلك ما أشيع عن المتولي قذف عرضه ولفعْلِهِ في ابنته، فبلغه ذلك فكتب محضرًا مضمونه براءته مما نُسبَ إليه وأن الناس راضون به في أحكامه وليس في البلد غيره من الحنابلة يصلح للقضاء، فكتب له فيه صاحب البلاد السيد بركات والقضاة والفقهاء والأعيان من أهل البلد وغيرهم من الغرباء الأروام، وتوجه به إلى جدة على نية السفر به ثم نأى عن ذلك وأرسل به مع نائبه الشهابي أحمد ابن الشيخ كريم الدين بن ظهيرة الحنبلي بحرًا ليوصله إلى ملك الأمراء بالديار المصرية. والله تعالى يلطف بالمسلمين ويقدر لهم خيرًا وفي ليلة الثلاثاء رابع عشر الشهر سافرت قافلة المدينة الشريفة من مكة المشرفة وفيها جماعة من الأعيان، منهم القاضي العلامة الزاهد عز الدين الفائز ابن قاضي القضاة بجدة ابن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة القرشي الشافعي وأخوه القاضي الرئيس جلال الدين محمد بن ظهيرة وزوجته السيدة الجليلة أم الحسين ابنة قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة شقيقة قاضي القضاة الصلاحي والشيخ الأديب محيي الدين عبد القادر ابن الشيخ عبد الرحمن العراقي المكي ومعه زوجته وعزم على أمها وأخيها الزيني جعفر بن عبد القوي واختهما، وغيرهم من الأعاجم والسوقة ما يأتي مقدار حمولهم نحو مائة حمل، فأقاموا في وادي الجموم إلى الظهر ثم رحلوا منها ووادَعْتُهم بها، كتب الله سلامتهم وتقبل زيارتهم.
[ ١ / ١٥٤ ]
وبلغني أن الشريف عرار بن عجل الحسني توجّه من جدة بقافلة أخرى على نية التوجه إلى المدينة الشريفة ثم إلى ينبع.
وفي ليلة الجمعة رابع عشريْ الشهر وصل إلى مكة المشرفة المتحدث على الصدقة المظفرية الهندية الملك محمد ابن شيخ علي القيلاني وصُحْبَتُه المصحف الشريف المظفري جماعة الشريف وبعض قواسة من جماعة نائب جدة، فسكن في بيت الشيبي المعروف قديمًا بدار عمرو بن العاص عند باب العجَلة أحد أبواب المسجد الحرام وتوجه الناس للسلام عليه، وتردد له جماعة من العامة لأجل الصرف عليهم فوعدهم بعد عوْده إلى جدة وبيْعه بقية القماش والأمتعة التي تحت يده. فتشوشوا لذلك وأرادوا رَجْمه فتخوفوا من الجماعة الذين صُحبته من الدولة.
وفي عصر يوم السبت مات القاضي نور الدين علي بن خالص المغربي (^١) نزيل مكة بها، وكان نائبَ جدة مدة في زمن الأتراك، فجُهّز في ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة الصبح من ثاني تاريخه وشيّعه جماعة ودفن بالمعلاة، وخلف أولادًا صغارًا، ﵀.
وفي ليلة الأحد المذكورة دخل السيد أبو (^٢) بكر بن … (^٣) القبيباتي الدمشقي على زوجته البكر كمالية ابنة شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين النجمي محمد بن (^٤) يعقوب المالكي المكي في منزل والدها، وهنأه الناس بها. فالله تعالى يجعل كلًا منهما مباركًا على صاحبه.
_________________
(١) علي بن خالص المغربي: ذُكرتْ بعض أخباره في غاية المرام للعز بن فهد ٣: ٢١٣.
(٢) بالأصل: أبي.
(٣) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٤) كلمة سقطت من الأصل.
[ ١ / ١٥٥ ]
وفي عصر تاريخه زُف المصحف الشريف المظفري الواصل من الهند منزل حامله الوكيل على الصدقة، فمشى معه القضاة والأعيان من الفقهاء وأركان الدولة وغيرهم ومعهم أعلام الفقراء وهم يهللون أمامه وهو محمول على الرؤوس وله رؤية عظيمة وأبهة جسيمة ورفقته كرسي له من صندل مصفح بالفضة ودكة من خشب مخَرمة يُوضَع عليها وعدة أمتعة يوضع في وسطها من حرير وغيره، ثم وضعوه في المدرسة التي اشتراها كأبيه السلطان الأعظم والخاقان المكرم مظفر شاه نصره الله، وهي عند باب الصفا - أحد أبواب المسجد الحرام - ومطلة عليه، وكانت دارا للخواجا إبراهيم بن الزمن ثم صارت لورثة عبد الرحمن ابن الشيخ علي الدمشقي. وأمر الوكيل بالقراءة فيه إمام الحنفية السيد العلامة الصالح عفيف الدين عبد الله ابن السيد إمام الحنفية وشيخ المدرسة الحلجية (^١) شمس الدين محمد البخاري الحنفي، فقرأ ابنه جانبًا من القرآن العظيم بحضرة الجماعة الحاضرين ثم بعد الفراغ دُعي لسلطان الحرمين الشريفين ولصاحب مكة ثم لصاحب الهند الملك مظفر شاه كاتب المصحف الشريف ولوزيره المسند العالي خداوند خان ثم سُلم المصحف الشريف ومفتاح المدرسة لصاحبنا الخواجا بدر الدين حسن قاوان المكي، وكان في الهند ووصل صُحبته، وجعل له على ذلك معلوم ستين دينارًا، ولم يعين القارئ في المصحف من هناك.
وفي عصر تاريخه أحرم الوكيل الملك محمد القيلاني بعمرة للسلطان مظفر شاه، وبعد العشاء من ليلة الإثنين سابع عشريْ الشهر عَمل مولدًا له في المسجد الحرام حضره الأعيان من الفقهاء وغيرهم وأوقد فيه الثريات والشموع ودعي له فيه. فالله تعالى يتقبل منه ذلك ويجزي السلطان على أفعاله الجميلة أحسن المسالك.
_________________
(١) كذا ورد الاسم بالأصل.
[ ١ / ١٥٦ ]
وفي ثاني تاريخه سافر الوكيل الملك محمد القيلاني إلى جدة على نية العود إلى مكة.
وفي هذا الشهر كان معظم الصيف، وبيع فيه الرطب غاليًا وكان رطل بُرني بمحلق ونصف ثم نزل إلى محلق، وكذا اللبان واللوز، بل بيعت اللبانة بجدة كل رطل بمحلقين للهنود، وكل حمل بخمسين دينارًا. وكيله نحو الغرارتين، عشرين مدًا مكيًا (^١). وارتفع السعر في الأقوات فبيع السمن كل رطل بسبعة محلقة واللحم كل رطل بمحلق ونصف وزيادة، والحب كل ربعية بأربعة محلقة وزيادة أيضًا مع وجود الصرام في الأودية في الحب الذرة، والقربة الماء بمكة بمحلق ونصف والرطل العنب بمحلق، والخوخ كل رطل وربع بمحلق، والناس في ضرورة (^٢) بسبب ذلك. فالله تعالى يرخّص الأسعار، ويكتب سلامة السفر في البراري والبحار، بمحمد وآله الأخيار.