استهلّ كاملا في ليلة الثلاثاء.
وفيها صلّى بالناس في مقام الحنفية، تحت القبّة الجديدة قبل تكميلها المبنية في هذا العام، أبو البقاء محمد ابن إمام الحنفية المحدّث شهاب الدين أحمد بن محمد الحسني البخاري، وعمُرُه ثلاثة عشر سنة، وصلّى خلفه جماعة من الأروام والفقهاء وغيرهم، وباشر والده صلاة الوتر لوجوبها عندهم وصغر سِنّ الولد، واستمر كذلك.
وفيه اشتدّ غلو الحَبّ وغيره من الأقوات، بيعتْ الربعية الحب الحجازية بثلاثة محلّقة، والرطل اللحم بمحلّق، والرطل السمن بأربعة محلّقة، والعسل بمحلقين ونصف، والرطل الجبن بثلاثة محلّقة، والراوية الماء الحلو بمحلق ونصف، والرّبْعية الأرز المصري بثلاثة محلّقة، والعنب رطل ونصف بمحلّق، وغالب ما ذكر لا يوجد إلّا قليلا.
وضاق الناس لذلك (^١) لاستمرار الغلو في جميع هذه السنة والتي بعدها، وذلك
_________________
(١) ثلاث كلمات مكررة بالأصل.
[ ١ / ٨١ ]
باحتكار الدولة وخَدَمهم لها، فضجّ العامة بالإنكار والدعاء عليهم. فسمع الحاكم القائد مبارك بن بدر فتوجّه بنفسه إلى السوق في عصر يوم الأربعاء ثاني الشهر وأمر الباعة بعدم الاحتكار وإظهار الأقوات في السوق ومَن لم يفعلْ لا يسأل ما يجري عليه، فأظهر السوقة البضائع، ولم تنزل عن سعرها، فالله يقدّر خيرا ويُرخّص أسعار المسلمين.
وفي هذا الشهر والاثنين قبله، رجب وشعبان، عمل الخواجا عبد القادر القاري الدمشقي صدقة شوربة أرز بلحم في مطبخ رباط الخواجا شمس الدين بن الزمن، فإنه استأجر أرضا من رقعةٍ بوادي سولة (^١) من أعمال نخلة لفقراء الرباط. عمل طعاما (^٢) لهم في كلّ سنة. بل سمعتُ أنّه أعطاهم غالبهُ وبقي اليسير منه، فعمل لهم الشوربة المذكورة فجعل في قدريْن كبيرين فيهما كبشين وقريب مُدّيْن أرز وعشرين قربة ماء حلو فيفرّق على فقراء الرباط المذكور ورباطيْ ربيع والموفّق، وغالب فقراء مكة، فارتفقوا بها في هذا الغلاء. جزاه الله خيرا وعوّضه الربح في ماله والنمو في عياله، وقضى عنه ديونه، وكبت عدوه وشونه.