استهل كاملًا في ليلة السبت، وابتدئ في أوله بعمل خبز للفقراء المنقطعين بمكة صدقة ملك الأمراء نائب الديار المصرية المقر الكافلي خائر بك كل يوم ألف رغيف يُعمل من إردب حب مصرية على يد الخواجا الأجل المحترم المؤتمن نخبة الملوك والسلاطين شرف الدين ابن شيخ سوق الدهشة الحلبي كما رسم بذلك له، وحصل بفعل ذلك النفع للفقراء. وفُرّق على جماعة من الفقهاء وأرباب الوظائف بالمسجد الحرام من الأئمة والمدرسين لكل واحد وَيْبة حب فارتفقوا بها مع وجود الغلاء في سائر الأقوات خصوصًا الحب واللحم والسمن فإن العمدة عليها (^١) بحيث بيعت (^٢) الربعية الحب المصرية بأربعة محلقة وزيادة واللقيمية بخمسة محلقة والذرة بأربعة إلّا ربعًا، والرطل اللحم الضاني بمحلقين مع عزته والرطل الجملي بمحلق والماعز بمحلق ونصف والرطل السمن بسبعة محلقة، والراوية الماء الحلو بثلاثة محلقة والقِربة بمحلق ونصف. وتألم الناس لذلك، فالله تعالى يُرخّص أسعارهم.
واستمر عمل الدشيشة للفقراء في هذا الشهر مع اللذيْن قبله من عند الخواجا الكبير محيي الدين عبد القادر القاري، كان الله له وعافاه، ومن الأسواء كفاه.
_________________
(١) بالأصل: عليهم.
(٢) بالأصل: بيع.
[ ١ / ١٦٢ ]
وقرأ فيه القاضي الشافعي صحيح البخاري بالمسجد الحرام في وقت واحد بعد صلاة الصبح وبعد ظهر الجمعة وكان الصبح وقت قراءة الشفاء لبعض الملوك المتقدمين وتركه مع قراءة البخاري في الظهر والعصر وذلك لضعف بدنه واستيلاء الحَب الفرنجي (^١) عليه، وما هو إلا بكثرة دعاء الناس عليه وانتقام الناس منه بما يفعله معهم، فالله تعالى يُصلحه ويوفقُه ويُلْهمه رشده.
وفي يوم الأحد ثاني الشهر وُلد لقاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي ولد سّماه عبد اللطيف وسمّتْه أمه سيد الناس، وهي اسمها خديجة ابنة المعلم عمر بن محمد الحضرمي الخراز، وكان تزوجها سرًا فحملتْ منه، فلما وضعتْ (^٢) هذا الولد أظهرها وتشوش أولاده وأمهم وأحباؤه لذلك، فالله تعالى يَقيه شر ما هنالك، ويسلك بنا وبه أحسن المسالك.
وفي ضحى يوم الأربعاء خامس الشهر وُلد للقاضي (^٣) شرف الدين أبي القاسم بن قاضي القضاة الجلالي المالكي ابنة سماها سعادة وأمها ابنة عمه ست قريش ابنة الإمام زين الدين عبد المعطي ابن الإمام مكرم الطبري الشافعي، فالله تعالى يجعلها مباركة عليه.
وفي هذه الجمعة وصلت أوراق من المدينة الشريفة وفيها الإخبار أن جماعة من العرب وصلوا من الشام إلى العلاء وذكروا أن السلطان سليمان شاه ابن عثمان نوي
_________________
(١) الحب الفرنجي: من الأمراض التي انتشرت بالحجاز خلال هذه الفترة، وهو المسمى بداء الزهري، ولعله هو نفس المرض الذي يسمّى بالحب الفارسي والذي ظهر بدمشق خلال سنة ٩٠٨ هـ وبعدها. انظر ابن طولون: مفاكهة الخلان ١: ٢٦٦. وكان له ظهور بمكة في سنة ٩٠٩ هـ وفي سنة ٩١١ هـ، انظر غاية المرام للعز بن فهد ١٨٥،١٦٩:٣.
(٢) بالأصل: وضعته.
(٣) كلمة تكررت بالأصل.
[ ١ / ١٦٣ ]
الحج في هذا العام في أربعة عشر سنجقًا كل سنجق ألف نفس ويكون صحبته نائب الشام ملك الأمراء جان بردي الغزالي، والله أعلم بحقيقة ذلك.
ووصل بجدة المعمورة كاتب الصدقة الرومية سِنان بك وأخبر أنها وصلتْ معه عن معلوم السنة الماضية ذهبٌ سليمية، ففرح الناس بها وتضاعف دعاؤهم للسلطان بسببها.
وفي يوم الإثنين عاشر الشهر وصل إلى مكة الملك شيخ محمد القيلاني الناظر على الصدقة الهندية المظفر شاهية، وبعده في هذه الجمعة وصل إليها نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وكاتب الصدقة الرومية سنان بك وذكر أنه ينتظر وصول الأمين عليها بحرًا فإن أمر تفْرقتها إليه، وأفاد عزل الجماعة الذين فوض إليهم ملك الأمراء تفرقتها وهم الشيخ نور الدين حمزة الرومي والقاضي مصطفى والآغا صند الخصي نائب الديار المصرية، وذلك أنهم سألوا السلطان في تعيين مبلغ لهم لأجل سفرهم إلى المدينة الشريفة لتفرقة الصدقة، فأُعْفُوا لذلك.
وفي ليلة الثلاثاء حادي عشر (^١) الشهر ماتت مستولدة الشيخ عبد الله الشيبي المدعوة سنية الهندية أم أبنائه الموجودين (^٢). فجهزت في ليلتها وصلّي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودُفنتْ بتربة سيدها بالمعلاة، رحمها الله تعالى وأخلف (^٣) بنيها خيرًا.
_________________
(١) بالأصل عشريْ، وهو خطأ أصلحناه.
(٢) بالأصل: أم بناته الموجودين.
(٣) بالأصل: وخلف.
[ ١ / ١٦٤ ]
وفي صبح يوم الخميس ثالث عشر الشهر ابتدئ في قراءة ربعة خلف مقام الحنفية بعد صلاة الصبح عقب ربعة السلطان سليم، شاه، قرر فيها ثلاثين نفرًا الخواجا الأجل المحترم شرف الدين ابن شيخ سوق (^١) الدهشة الحلبي، وقال: إن قصده استمرارها إن شاء الله تعالى، لكن القصد شهر رمضان، فإنه باع حمل دقيق بأحد وأربعين دينارًا ففرقه على الجماعة الذين عينهم، كل واحد دينار وثلث، فالله تعالى يتقبل ذلك منه بمنه وكرمه.
وفي ظهر يوم الجمعة رابع عشر الشهر ابتدئ في قراءة ربعة السلطان مظفر شاه الكجراتي في المدرسة التي اشتُريتْ له على باب الصفا، وقرر وكيل الملك محمد القيلاني فيها أربعة أنفس، هم إماما الحنفية البخاريان والقاضي تاج الدين المالكي وأعجمي والستة الباقين فوض أمرهم إلى قاضي القضاة الشافعي فقرر فيها أخويه البدري والتاجي وابن أخيه المحبي بن البهائي وقريبه القاضي شرف الدين ابن الفائز والبرهاني إبراهيم ابن عمه القاضي شهاب الدين ومحمد ابن الشيخ عبد الكبير الحضرمي وشيخ الفراشين النوري البيسقي في تفْرقة الأجزاء، والشرفي الصلاحي في الدعاء، واستناب كلًا من الأخيريْن في ذلك، وصرف لكل منهم نصف معلوم سنة وهو ستة أشرفية، وعَين الحضور في كل يوم بعد صلاة العصر ويترك يوم الثلاثاء، وتكون بعد صلاة الجمعة قراءة إمام الحنفية الكبير في المصحف الشريف الذي كتبه السلطان مظفر شاه بيده، تقبل منه ذلك.
وقرر في طلب الدرس في المدرسة المذكورة عشرة أنفار، عين ثمانية أنفار منهم قاضي القضاة الحنفي الجديد بديع الزمان بن الضياء القرشي وهم: ١ - ولده المولود علي
_________________
(١) بالأصل: يوسف، وهو خطأ من الناسخ، فقد ذكر الشخص مرات باسم "شيخ سوق الدهشة".
[ ١ / ١٦٥ ]
٢ - وشقيقه أبو السرور ٣ - وعمه قوام الدين - ٤ - وإمام الحنفية شهاب الدين البخاري ٥ - وجار الله ابن القاضي أمين الدين بن ظهيرة ٦ - وابن عمه الشرفي يحيى السامي ٧ - والشيخ أبو (^١) الفضائل ابن الضياء ٨ - والشرفي يحيى الرسولي. وأرسل لقاضي القضاة الشافعي تعيين تكملة العشرة أخذًا من جماعته فعين الشيخ شهاب الدين الحرازي والشيخ نور الدين علي بن عبد الرحمن المرشدي، فعين لكل واحد منهم أربعة وعشرين أشرفيًا، والشيخهم ثمانية وأربعين، وصرف لكل منهم نصف المعلوم. فتكلم القضاة الحنفي المعزول نسيم الدين المرشدي مع الوكيل وعيّن له وظيفة من العشرة، وأسقط من معلوم كل واحد من الطلبة دينارين وجعل ذلك لكل من كان قاضيًا حنفيًا معزولًا، فحُمِد على ذلك.
وفي يوم الجمعة المذكور جاء الخبر إلى مكة بوصول أمين الصدقة الرومية إلى جدة فتباشر الناس به ثم لم يصح ذلك، وقيل إنه وصل إلى ينبع، والله أعلم بحقيقته، كتب الله سلامته.
وفي ليلة الإثنين سابع عشر الشهر عمل الفقيه محمد ابن الشيخ عثمان بن إبراهيم الكلوي المقدسي وليمة حسنة بعد الإفطار حضرها جماعة من الأعيان لأجل زواجه بابنة الشيخ أيوب المقدسي، فدخل عليها في ليلة تاريخه، وهنأه الناس في صباحها. جعلها الله مباركة عليه.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر نُودي في شوارع مكة باجتماع الفقراء الرجال ثاني تاريخه في الحلقة السلطانية في المدعى لأجل تفرقة الصدقة الهندية فحضر
_________________
(١) بالأصل: أبي.
[ ١ / ١٦٦ ]
الفقراء لذلك في ثاني تاريخه فأعطى الوكيل لكل واحد أشرفيًا واحدًا (^١) ثم تكاثر الناس عليه فأعطى كل واحد نصف دينار وأقل من ذلك، وأقام عندهم إلى قرب الظهر ثم انصرف عنهم ولم يعُمهم لكثرتهم، ورضى الناس غاية لا تُدرك.
وفي ليلة الخميس عشريْ الشهر مات الرئيس على زمزم النوري علي بن أبي عبد الله الكازروني الأصل المكي بعد طول وجعه بالحب الفرنجي، فجُهّز من ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة (^٢) عند باب الكعبة، وشيّعه جماعة من الفقهاء ودفن بالمعلاة في تربة أسلافه، وخلف أمًا وأخًا، وكان نزل بوظيفته من الرئاسة من مدة طويلة لشقيقه الفخري أبي بكر. فلما مات قبله أخذ النزول وجحد فعل ذلك، وفرح بموت أخيه، وأخذه الله بسرعة لشماتته بموت أخيه، لكنه أشهد على نفسه قبل موته بمدة أن نزوله لأخيه صحيح وذلك بواسطة قريبه الشيخ شهاب الدين العليف وتحذيره عاقبة ذلك، فإن أخاه خلف أيتامًا صغارًا (^٣) عوضهم الله خيرًا وصبرهم.
وفي يوم تاريخه فرق الوكيل على الصدقة الهندية على الفقراء من النساء فكثر ازدحامهن (^٤) عند ذلك فوقع الضرب عليهن (^٥) من الغلمان الذين رفقته من أركان الدولة فتضررن (^٦) بذلك كثيرًا وقد صرن (^٧) يدعون عليه. وقد أساء التدبير في فعل ذلك،
_________________
(١) بالأصل: أشرفي واحد.
(٢) سقطت من النص الكلمة التي تعين الصلاة.
(٣) بالأصل: صارا.
(٤) بالأصل: ازدحامهم.
(٥) بالأصل: عليهم.
(٦) بالأصل: فتضروا.
(٧) بالأصل: صاروا.
[ ١ / ١٦٧ ]
فإنه لا يعرف أحوال الناس ولا يقدر على رضى كل أحد بل بلغني أن بعض أركان الدولة الذين كانوا صحبته خطفوا بعض المال الذي معه.
وفي يوم تاريخه قسم الأمير قاسم الشرواني نائب جدة المعمورة مَبَرة من عنده، يقال خمسمائة دينار على أرباب الشعائر بالمسجد الحرام وغيرهم من الفقراء كل واحد بحسب حاله بِهَنَاوَةٍ من غير مشقة، فإنه طلبَهم إلى منزله وأدخلهم عنده ثم أعطى كل واحد نصيبه وأخرجه. فصاروا يدعون له وذريته كذلك، فالله تعالى يؤيده ويخلف عليه خيرًا منه.
وكان أعطى قضاة القضاة ومعهم أرباب الشعائر من جدة كل واحد عشرين أشرفيًا وأكثر وأقل فوقع لذلك موقعًا عندهم وتضاعف دعاؤهم وثناؤهم عليه.
وفي ليلة الأحد ثالث عشريْ الشهر كان ختم الزمامية في صلاة التراويح بالمسجد الحرام على العادة فدُعي فيه لملك الأمراء نائب الديار المصرية بإشارة محبه وأحد المقربين عنده الخواجا شرف الدين ابن شيخ سوق الدهشة الحلبي فإنه أمر المقرئ بذلك. وكان ختم إمام الشافعية في ليلة أحد وعشرين فلم يدع له، وكان الدعاء له بعد السلطان سليم شاه والسيد بركات صاحب مكة، وبعده دعي لناظر المسجد الحرام ثم نائب جدة. وكانت العادة عدم الدعاء لنائب جدة لكنه أمر بذلك وتشوش لتأخيره بالدعاء بعد الناظر، فقُدم عليه بعد ذلك في ختم الحنفي في ليلة خامس عشريْ الشهر.
وفي ليلة الأربعاء سادس عشريْ الشهر حصل بمكة بعد المغرب رياح عاصفة وغيم مُطبق ثم انجلى ذلك من غير مطر وحصل سيل طالب (^١) من خارج مكة بعد
_________________
(١) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٦٨ ]
العشاء فدخلها وصار الناس يخوضون فيه ساعة ثم وقف. فالله تعالى يُكثر الأمطار، ويُرخّص الأسعار ببركة شهر الصيام، ونبينا محمد خير الأنام.
وفي يوم الخميس ثانيه كتب الوكيل أوصالًا كثيرة الجماعة من الفقهاء في الصدقة الهندية جعل لكل واحد خمسة أشرفية وأربعة وثلاثة ودون ذلك، وبعض الأكابر من الأئمة ثمانية أشرفية، وكذا المولود من بني ظهيرة وأصاغرهم ومَن يلوذ بهم، بإشارة كبيرهم (^١) قاضي القضاة الشافعي. فتشوش الناس لذلك وأطلقوا ألسنتهم بالسب والدعاء لمن كان السبب في ذلك، والله أحْكم الحاكمين.
وفي ليلة تاريخه ختم النوري علي ابن الحكيم الشيخ العلامة شمس الدين محمد القزويني المقيم بالروم عند السلطان ابن عثمان في مقام الحنابلة، وصلّى خلفه جماعة من الأعيان وخطب بعد الفراغ خطبة حسنة، فالله يبارك فيه، ويجمع شمله بأبيه. وأبوه حكيم السلطان سليم ورأس الأطباء عنده.
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل إلى مكة قاضي القضاة المالكية الجديد الزيني عبد الحق النويري من عند الشريف بعد وصوله من جدة وإتيانه بحرًا من الصعيد متوليًا القضاء، فهناه الناس لذلك واغتم بعضهم بولايته، فالله تعالى يلطف بالمسلمين. [فإنه جاهل سفيه قليل الدين] (^٢).
وفي ظهر تاريخه ختم قاضي القضاة الشافعي صحيح البخاري على العادة، حضره القضاة المتولون (^٣) خلا الحنبلي وجماعة من الفقهاء أقل من العادة، وخُلِع على القاري
_________________
(١) بالأصل: كبير.
(٢) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٣) بالأصل: المتولين.
[ ١ / ١٦٩ ]
وشيخ الفراشين وأنشد علي الجندار قصيدة من نظم غيره، وفرق الريحان على العادة وهنئ القاضي بذلك فالله تعالى يلطف به.
وفي ليلة الأحد تاسع عشريْ الشهر طلع الشهود إلى جبل أبي قبيس لرؤية الهلال وتخلف القاضي الشافعي عن ذلك لوجعه فلم يُرَ الهلال لصغر، قوسه وصام الناس تامًّا بحمد الله تعالى.