وفي ثاني الشهر ابتدئ في قراءة سورة الأنعام بالحطيم بعد صلاة الصبح ويدعى عليها وبين الجلالتين (^٢) بنصر السلطان الأعظم والخاقان المكرم حامي حمى الحرمين الشريفين إسكندر الزمان، صفوة الصفوة من ملوك بني عثمان، الملك المظفر سليمان خان، ويحضر ذلك القضاة الأربعة وأئمة المسجد وأرباب الوظائف وغيرهم من المباركين … (^٣) اثنين وأربعين نفرا، منهم ستة عشر أفاقيا عجميا وروميا والباقي من أهل مكة بتعيين القاضي الشافعي لذلك بأمر نائب جدة، وقرّر لكل واحد في كل يوم محلق كبير فالله تعالى يتقبّل ذلك.
وفي يوم الجمعة رابع الشهر كملتْ عمارة دار السبيل بالسويقة وقْف جدي
_________________
(١) بالأصل: فيه الوحي.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) كلمة غير مقروءة بالأصل.
[ ١ / ٣٥٧ ]
المرحوم الشيخ الحافظ تقي الدين أبي الفضل محمد ابن الشيخ العلامة المسند نجم الدين محمد بن أبي الخير محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فهد الهاشمي المكي الشافعي، رحمه الله تعالى، المشمولة بنظري كما شرَطه واقفه، وكانت خربة وعمَّرها والدي وأحدث مخزنًا في شرقي الدار مدة سبعين سنة بتقديم السين المهملة بمبلغ مائة وأربعين أشرفيًا جعلت منها للمستأجر خمسين أشرفيًا بعمارة عين الوقف ثم تعدى على تغيير شيء فيه ونقض بعضه، فأنكرتُه، وتكلّم معي بعض فقهاء الشافعية في تسليم إرش لما تعدى به في مدة إجارته مبلغ عشرين أشرفيًا فصار المقبوض بيدي من دراهم الإجارة مبلغ مائة وعشرة أشرفية عمرتُ بجميعها مع دين على الوقف بمثلها وأزيد، كما هو مكتوب في القوائم المخلدة تحت يدي، فالله تعالى يحسن عملي ويضاعف أجر الواقف وأجري.
وفي يوم الأربعاء تاسع الشهر المذكور سَبَّلْتُ الماء في السبيل طلبا للثواب والأجور قبل كراء الدار، طالبًا من الله الخير المدرار.
وتوالى في هذا الشهر عدة حوادث مؤلمة، وللقلوب مظلمة، فالله تعالى يحيلها عن المسلمين ويلهم الحكام العدل في العالمين، منها وصول عسكر الأروام إلى بندر جدة من البحر فارتفع سعر الحب بمكة بحيث بلغ: بيعت الربعية المصرية بربع دينار ونصف والذرة بخمسة محلقة صغار والشعير بأربعة صغيرة والفول بثلاثة محلقة ونصف. وكان غالب الناس لا يجدون في السوق غيره، نسأل الله أن يلطف بالمسلمين.
وفي يوم الأحد ثالث عشر الشهر وصل بعض عسكر الأروام لمكة بأمر نائب جدة العلائي علي الشاووش الرومي، ويقال فعل ذلك لضيق جدة وغلو الماء بها، فتشوّش لذلك صاحب مكة الشريف أبو نمي وجميع أهلها خصوصًا وقد عملوا بمكة أعمالًا شنيعة من هجم بيوت الناس وإخراجهم منها مع حريمهم ووضع أيديهم على أمتعتهم
[ ١ / ٣٥٨ ]
وإتلافها وسكنهم فيها عوضهم فيستغيث (^١) الناس فلا يجدون من يغيثهم إلّا الله تعالى، وكثر ضررهم بذلك، وصار يدعو عليهم كل قاطن وسالك.
ثم إنهم تمادوا بالأذى وتجاهروا بالفسق في النساء وأخذ المأكولات من السوق بثمن بخس وبعضهم لا يعطي شيئًا، ووضَع رؤساؤهم سناجقهم أمام الرواق الشمالي [٨٥ ب] من المسجد الحرام بالقرب من باب السلام. وتكامل عددهم أربعة عشر سنجقا، ويقال مع كل سنجق خمسون رجلا جملتهم سبعمائة رجل، وصاروا يطوفون بها ويسعوْن ويعتمرون كل جماعة بسنجقهم، فالله تعالى يعين المسلمين عليهم.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشر الشهر وصل لمكة قاضي الحنفية الجديد وجيه الدين عبد الرحمن ابن الشيخ زين الدين أبي الغيث بن زبرق الشيباني المكي.
وفي يوم الجمعة ثامن عشر الشهر وصل لمكة نائب جدة العلائي علي الرومي وسكن في مسكنه بالمدرسة العينية المعروفة قديمًا بالمجاهدية، فتوجّه بعض الناس إليه يشكون الأروام عليه وضررهم وسكنهم في بيوتهم، فأرسل إلى جماعة منهم وتكلم عليهم وقال لهم: لا تسكنوا (^٢) في بيوت الفقهاء والفقراء والمباركين فإنكم عسكر السلطان في الحرب وهم عسكره بالدعاء، فشكر الناس منه ذلك، ثم إنّ الأروام لازموا في سكن بيوت التجار الغائبين بجدة وأخرجوا حريمهم وبعض بيوت بني حسن بأجياد، ويقال بأمر نائب جدة، فالله تعالى يرفع عن المسلمين هذه الشدة.
_________________
(١) بالأصل: فيستيغيثون.
(٢) بالأصل: تسكنون.
[ ١ / ٣٥٩ ]