استهل ناقصًا في ليلة السبت وصامه الناس في شدة الحر واستوى فيه الرطب والعنب والتوت والتين وغيرها (^١) من الفاكهة، [واستعان الصائمون بالفواكه مَنْ قَدِرَ منهم على ذلك] (^٢).
وفي ليلة الإثنين ثالث الشهر توجّه قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة لجهة صاحب مكّة السيد أبي نمي لطلبه ليعقد بأخته حماطة على الجمالي محمد ابن الشريف عرار بن عجل، فاجتمع به في فريقه ظاهر بندر جدة فعقد بهما، وقال له السيد أبو نمي: تعقد بي أولا على الشريفة ابنة الشريف عرار بن عجل، وكانت مخطوبة أخيه الشريف ثقبة، ففعل به أولا ثم بأخته المشار إليها، وحضر القاضي دخولها وتأخر دخول أخيها على زوجته لغيبتها في جهة ينبع، وأقام القاضي الشافعي بجدة حتى فرغا وعاد لمكة في ليلة الثلاثاء حادي عشر الشهر، [وسلّم الناس عليه سلام القدوم أفواجا ووافوْه] (^٣).
وفي هذه الجمعة كانت للخطيب عبد [الرحمن] (^٤) النويري خصمة، تحدّث المحيوي العراقي في مباشرة خطبة العيد وسأل جماعة في التكلم مع الخطيب عبد الرحمن في ذلك فإنّها في جمعته وله الثلث ولخصمه الثلثان، فامتنع من ذلك، فتكرر كلام العراقي مع القاضي الشافعي وقال: جُمُعتي أولها يوم الجمعة وآخرها
_________________
(١) بالأصل: وغيرهم.
(٢) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٣) كذا وردت الكلمة بالأصل. وما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٤) كلمة سقطت من الأصل.
[ ١ / ٤٠٨ ]
يوم الخميس، وأنكر عليه ذلك وقال له: الجمعة أولها السبت، فحوّل الكلام على عادته وقال: العبرة بالمواكب وهي ثلاثة خطبة عيد الفطر وخطبة التروية وخطبة يوم عرفة، فقال: يُكشف التاريخ على ذلك. فأرسل لي القاضي الشافعي فاعتذرتُ له في الاشتغال في شهر الصوم عن الكشف عن ذلك وأنّ العراقي لا يحملني على النصح لعداوة بيننا وعدم انقياده للحق ورفيقه أحمد البخاري أولى بذلك لتعلّقه بالتاريخ. فلازمني مع عدة للكشف عن ذلك، فرأيْت في تاريخ جدي المسمى "إتحاف الورى بأخبار أم القرى" (^١) في حوادث سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (^٢) "أن في صبح يوم الثلاثاء الثامن عشر من ذي القعدة دخل مكّة نائب جدة الأمير جان بك فاجتمع مع القضاة والأعيان وقُرئ مرسوم للخطيبين أبي القاسم وأبي الفضل النويريين بالخطابة عن القاضي أبي اليمن النويري وباشر الخطيب أبو القاسم بن أبي الفضل النويري وظيفة الخطابة من يوم الجمعة حادي عشريْ القعدة. ثم في عصر اليوم الأول من ذي الحجة قُرئ مرسومهما أيضًا. وفيها خطب الخطيب أبو الفضل بمسجد الخيف بمنى يوم النحر ويوم النفر الأول أيضًا" انتهى (^٣).
فعُلم من هذه الأخبار أن الجمعة الأولى كانت لأخيه الخطيب أبي القاسم فباشر فيها نصف الخطابة والجمعة الثانية وهي ثامن عشريْ القعدة للخطيب أبي الفضل، والجمعة الثالثة وهي سادس ذي الحجة كانت للخطيب أبي القاسم، والجمعة الرابعة للخطيب أبي الفضل، وأولها يوم السبت وفيه خطبة السابع وفي ثالثها يوم الإثنين كانت الوقفة وخطبة ظهر عرفة، وأحدث في جمعته خطبتين يوم النحر ويوم النفر الأول. وأحيى هذه السنة المتروكة من دهر قديم، كما ذكره جدي
_________________
(١) هو من تأليف حد المؤلف عمر بن محمد بن فهد. طبع في أربعة أجزاء مع جزء من الفهارس.
(٢) بالأصل: وتسعمائة، وهو خطأ واضح.
(٣) النقل بتصرف من إتحاف الورى للنجم بن فهد ٤: ٢٧٩.
[ ١ / ٤٠٩ ]
في حوادث سنة. . . . (^١) وهي من بعد القاضي شهاب الدين بن ظهيرة، ثم باشر في آخر الجمعة الخطبة بمكة وهي ثالث عشريْ ذي الحجة وباشر الخطيب أبو الفضل في جمعته خمس خطب كما هو مفهوم من المباشرة لكل من الآخرين في التاريخ المذكور.
ومع هذا لم يلتفت العراقي المتعدي على صاحب الخطابة من أبيه وأجداده نحو مائة وسبعين سنة فعزم المشار إليه لمواجهة صاحب مكّة السيد الشريف أبي نمي بن محمد بن بركات الحسني إلى جهة جدة في عشاء ليلة الإثنين عاشر الشهر، فسمع خصمه المحيوي العراقي فعزم من نصف الليل على بغل ورفيقه الشرفي يحيى بن عمر الذروي ومعه هدية لجماعة الشريف يقال نقد وقماش وسكر لمساعدته على خصمه، فاللَّه تعالى يخذله وينتقم منه ويأخذه من مأمنه، فاجتمع الخصمان في فريق الشريف صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه وترك العراقي عند وزير الشريف القائد مفتاح المغربي والخطيب عبد الرحمن في خيمة قريب منزل الشريف أبي نمي وواجهه عند ركوبه للتوجّه لتهنئة زواج بعض أقاربه وقدم له قصة بشرح حاله فأخذها وركب ولم يجتمع به وبخصمه في يوم تاريخه، وقدّم العراقي هديته وتوجّه إلى جدة وعاد للفريق في صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه.
واجتمع كل من الخصمين بالشريف أبي نمي بحضرة جماعة من إخوانه وأكابر بني حسن كالشريف عرار بن عجل وغيره، فجلس كل واحد من الخطيبين في جهة وخاطب الشريف الخطيب عبد الرحمن بخطاب التعظيم بمولانا وخصمه بمحيي الدين، ثم إنّ بعض الحاضرين خاطبه بالشيخ فصار يذكرها له. وذكر الخطيب عبد الرحمن للشريف أنّ جماعة من أهل مكّة يصلون في جمعة العراقي ظهرا لعدم صحتها فبهت الشريف فيه، وتكلم العراقي بكلام لم يلتفت إليه كعادته في
_________________
(١) لم تذكر السنة في الأصل.
[ ١ / ٤١٠ ]
كثرة الكلام وادعى أن خطبة العيد في جمعته وأولها الجمعة وآخرها الخميس، فما وافقه أحد من الحاضرين على أنّ أول الجمعة أخرها بل أولها السبت، فالتفت وقال: المواكب ثلاثة العيد والتروية ويوم عرفة، فقال الشريف أبو نمي: أيّ المواكب أعظم؟ فقالوا له العيد ويقابلها يوم التروية، فأمر الشريف بالقرعة بينهما وذلك بعمودين وخاتمين للشريف أبي نمي وعرار، فطلعت خطبة العيد للعراقي والتروية للخطيب عبد الرحمن وأضيف إليه يوم عرفة لكونه يوم جمعة وهي له.
وبلغ العراقي مقصوده في تحقيق خطبة العيد، وسأله الشريف عرار: إيش يتحصّل لك من خطبة العيد؟ فقال: صفاعة الذقن وخسارة الفلوس. وقد صدق في ذلك وهو كذوب لكن مثله يتعاظم بمباشرتها للتشبّه بالرؤساء لكونه وقد أزرى هذا المنصب بولايته له، فلا قوة إلّا باللَّه، ويعَدّ ذلك من علامات الساعة، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
ثم عاد الخطيبان (^١) إلى مكّة فوصلها المحيوي العراقي مع مغرب ليلة الجمعة رابع عشر الشهر وفي أثناء الليل وصل الخطيب عبد الرحمن وصار كل واحد منهما ينبئ عن الشريف أبي نمي، والعراقي يعظّم نفسه كثيرًا وادعى أنّ له خطبة العيد مع خطبة يوم عرفة والخطيب عبد الرحمن يكذبه في الثانية، فالله تعالى ينتقم منه ويريح المسلمين من تأذيته وسفالته.
وأشيع بوصول الخبر إلى فريق الشريف بموت شيخ الحرم النبوي الأمير حاتم الأشرفي الجاركسي والآغا إيدين الرومي، ويقال إنهما مسمومان لأن أولهما تحتْحَتَ ذقنُه. وكان عمل لهما مع جماعة غيرهما من الأكابر وليمة في الحديقة الشمسية الآغا عنبر الخصي عتيق الأمير شاهين الجمالي، وهو مشهور بقتل جماعة بذلك وكانا يحترزان فأوقعتْهما قدرة الله تعالى، وهو أعلم بحقيقة الحال، وإليه المشتكى والمآل.
_________________
(١) بالأصل: الخطيبين.
[ ١ / ٤١١ ]
[وفي الحقيقة هذه تهمة لا يوقَف على حقيقتها] (^١).
واتفق أنّ صاحب المدينة محمد بن جامع الحسيني هجم بيت إيدين وأخذ منه جميع النقد والخف وهو متهم بمال كبير وضبط القضاة مخلّف الأول، وتشوّش صاحب مكّة الشريف أبو نمي من هذا الخبر وولى إمرة المدينة لابن عمته الشريف باز بن فارس بن شامان الحسيني وأمره بالتوجّه إلى محل ولايته.
وفي الساعة الأخيرة (^٢) من يوم السبت ثاني عشريْ الشهر وُلد ولدي المبارك الموفق السعيد، إن شاء الله تعالى، نجم الدين عمر المدعو أبو القاسم وانجبرتُ بوجوده وهنّأني الناس بولادته، فاللَّه تعالى يجعله ولد الحياة ويُقرّ به العيون، ويحقق فيه الظنون، بجاه محمد ﵊.
وفي معرب ليلة الأحد ثاني تاريخه وصل لمكة جماعة قُصاد صاحب مكّة الواصلين من الروم وهما الجمالي محمد بن مدهش والنوري علي بن أحمد بن نصر وتوجّها هما لفريق الشريف جهة جدة ودقت النقارة [لوصولهما بالخلع السلطانية للشريف أبي نمي بن بركات، نصره الله تعالى] (^٣).
وفي صبح تاريخه نادى الحاكم بمكة بزينتها والأسواق سبعة أيام فزُيّنت البيوت وبيوت التجار التي في الشوارع وابتهج الناس بحصولها لكن الصوم أشغلهم عن التفرّج عليها، وكذلك الغلاء.
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بالأصل: الأخير.
(٣) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
[ ١ / ٤١٢ ]