استهل ناقصًا في ليلة الخميس.
وفي ليلة الجمعة ثانيه مات الشيخ المبارك ناصر الدين الواسطي البصري نزيل مكة بها وعمره نحو سبعين سنة، وقَدِمَها في العشرين من عمره، فصار يتردد إلى اليمن للمتجر ويبيع البز ثم ترك ذلك وأقبل على العبادة، وسمع على الوالد كثيرًا من الحديث، وخلف أولادًا ذكورًا وغيرهم، فجهّز في ليلته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة بالقرب من قبر سلَفِه، رحمه الله تعالى.
_________________
(١) بالأصل: مكي.
(٢) بالأصل: استعمل لفظ "ضرورة" للدلالة على الضرر.
[ ١ / ١٥٧ ]
وفي يوم الأحد سادس الشهر وصل السيد الشريف بركات من جدة إلى أرض حسان (^١) بوادي مَر ومعه ولده الشريف أبو نمي وبقية جماعته.
وفي ظهر يوم الجمعة تاسع الشهر برز بعض المراكب الهندية إلى خارج المرسى بجدة.
وفي ثاني تاريخه برز الباقي، وفي ثالثه سافروا وهم ثلاثة مراكب (^٢) الشاهي المظفري الكبير والتركي وطليعته وبركات الحلبي، وسافر فيهم خلق من التجار المجاورين بمكة من الأروام والشاميين والحلبيين والأعاجم وغيرهم، لأجل التجارة والربح الذي ما سُمع مثله في الزمن الماضي. وحصل للمركب الشاهي شدة عند خروجه من البندر ثم سلمه الله تعالى، فالله يكمل له السلامة، وكذا جميع المسافرين ولا أعْقَبَهم ندامة.
وأرسلتُ مع بعض المسافرين إلى الهند مؤلفيْن عملتُهما في الشهر الماضي، أحدهما للسلطان الأعظم مظفر شاه سميته حسن السلوك في فضل الملوك، وهو مشتمل على أحاديث شريفة، وآثار منيفة، مرتب على مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة. وثانيهما لوزيره المسند العالي خداوند خان سميْتُه تحفة المسند العالي بنخبة الأسانيد العوالي، لشيخنا الحافظ السخاوي جمعتُه له بسؤال بعض أصدقائه من الهند وهو خالي الصالح الشيخ شرف الدين أبو القاسم بن فهد، نفع الله به، وجمع شملنا برؤيتِه.
_________________
(١) أرض حسان: من أودية مكة ذكره جار الله بن فهد في كتابه حسن القرى في أودية أم القرى، نشر في مجلة العرب (رمضان - شوال ١٤٠٣ هـ) ص ١٨٧ - ١٩٠.
(٢) كذا بالأصل، والواقع أنها أربعة مراكب كما ذكرها المؤلف في نص سابق. ويبدو أنه لم يعتبر هنا طليعة التركي مركبًا منفصلًا.
[ ١ / ١٥٨ ]
وأرسل كثير من أهل الحرمين الشريفين جملة قصص وقصائد للسلطان مظفر شاه، نصره الله تعالى.
وسافر إلى الهند جماعة لطلب الرزق من أهل مكة منهم الشيخ محمد بن أبي الخير الحريري الموقت، والشيخ نور الدين علي بن عبد الرؤوف بن ظهيرة قريب قاضي جدة، يقال بمحضر من القاضي الشافعي، وعبد الوهاب الأحمدي المنشد ورفيقه محمد البدري الحضاء (^١)، والشيخ ناصر المحدث وتزاحم أهل المراكب على حمله ثم اختار الركوب مع بركات الحلبي، فالله تعالى يرزقنا وإياهم القبول، ويبلغنا غاية الأمل ونهاية السول.
وفي يوم السبت عاشر الشهر وصل القاضي الشافعي إلى مكة وأقام بها جمعة، وفي يوم السبت سابع عشر الشهر توجّه إلى وادي أرض خالد (^٢) أحد أودية وادي مر وصحبته ابن أخيه المحجبي ابن القاضي بهاء الدين وأحد العدول الرضي الحناوي وابنه المحبي محمد لأجل كتابة أشاهيد بين صاحب البلاد السيد بركات وإخوانه الذكور والإناث من جهة براءة بينهم لما وضع يده عليه لهم بعد وفاة والده وإرضائهم في ذلك. فوقع الإشهاد في ليلة الخميس ثاني عشريْ الشهر على الإناث، وفي صباحها على الذكور بوادي الدكناء (^٣) وكُتِب بذلك مكتوب أثبت على القاضي الشافعي.
وفي تاريخه سلم الشيخ عبد الكبير ابن الشيخ ياسين ابن الشيخ عبد الكبير الحضرمي المكي ما كان تحت يده من الوديعة التي وضعها عنده السيد قايتباي أمير مكة المشرفة لأولاده بحضرة عمهم صاحب البلاد السيد بركات. يُقال إنها سبعة آلاف دينار
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) أرض خالد: من أودية مكة. ذكرها جار الله بن فهد: حسن القرى في أخبار أم القرى، نشرت في مجلة العرب عدد (رمضان شوال ١٤٠٣ هـ) ص ١٩٠ - ١٩١.
(٣) وادي الدكناء: نفس المصدر (ذو القعدة - ذو الحجة ١٤٠٣ هـ) ص ٣٥٧ - ٣٥٩.
[ ١ / ١٥٩ ]
نقدًا. وكتب بذلك إشهادًا بعد إذن القاضي الشافعي بدفعها لهم، فإن بعض الورثة صغار (^١) وبعضهم غائب.
وفي يوم الأربعاء حادي عشريْ الشهر دخل إلى جدة ثلاثة جلاب من الطور فيها حمل أمير الحاج وتليها ركبة، وفيهم قاضي القضاة الحنفي الجديد بديع الزمان بن الضياء الحنفي فتوجه إليه أخوه أبو السرور وقريبه الشيخ أبو الفضائل فلاقياه من الجلبة ونزلا معه إلى البلد فواجه نائبها وأراه مراسيمه بولاية القضاء وأكرمه بالترحيب والإنعام فأقام نحو جمعة، ثم خرج منها وتوجه إلى الشريف بركات بوادي الدكناء فواجهَهُ بها وأراه مراسيمه الثلاثة: اثنان من السيد الخنكار وواحد من ملك الأمراء نائب مصر بالوصية به والإعلام بولايته للقضاء، فقرأها وكتب على أحدها (^٢) "امتثال الأمر والإجابة بالولاية". وأضافه وأعطاه فرسًا للركوب عليها عند الدخول لمكة بسؤاله. فدخل إلى مكة في ليلة الخميس تاسع عشر الشهر محرمًا وطاف وسعي وفرحتْ (^٣) به والدته وإخوانه وأصحابه وهنأه الناس في صباحها بالولاية، وعُملت له سفرة طعام ودقتْ النقارة عنده.
وكان قبل تاريخه بيوم توجّه القاضي الشافعي من الوادي إلى مكة فدخلها ليلة الأربعاء تاسع عشريْ الشهر فوجد مات (^٤) فيها أحد جماعته المنتمي إلى أهله الشهابي أحمد بن مصطفاي الجندي الشهير بأبيه وكان صائفًا في الوادي بأرض خالد ومتوجعًا
_________________
(١) بالأصل: صغارا.
(٢) بالأصل: فقرأهم وكتب على أحدهم.
(٣) بالأصل: وفرح.
(٤) كذا بالأصل.
[ ١ / ١٦٠ ]
زمنًا طويلًا، فقوي عليه المرض فحُمِل إلى مكة (^١) الجميع مخلفه على جماعته منهم ابنة أخيه ووالدته وزوجته، وجعل وصيه القاضي الشافعي وأقر له بأشياء كانت محصولة له تجاه والده وأهله بحيث تياسر (^٢) من ذلك وحصل الدور والأصائل وعامل وعُد من أهل اليسار. وكان عنده أدب وخفة روح وملقًى حسن (^٣)، ﵀.
وسمعتُ أن الدولة ختموا على بيته بالشبيكة يوم موته حتى يُنْظر في أمره ويُراجع الشريف، فلذلك لم يظهر شيء مما أوقفه وأوصى به عند موته، ولكل امرئ عمله.
وفي ليلة الخميس ثامن عشريْ الشهر وُلِد للقاضي تاج الدين محمد ابن قاضي القضاة الجمالي محمد أبي السعود بن ظهيرة ولد سماه أبو السعود باسم أبيه، وكان ظهر له قبل ذلك وُلِد فسماه باسمه ومات. وأمه سعادة ابنة الشيخ نجم الدين بن ظهيرة القرشي الشافعي.
وفي ليلة الإثنين سادس عشريْ الشهر مات بمكة الشيخ وجيه الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن محمد القلهاني الأصل المكي أخو (^٤) الشيخ زائد الشاهد عم البرهاني السمرقندي زوج أمه، وكان نائبه في كتابة الغيبة في المدرسة الأشرفية القايتبائية بمكة، بعد توجعه لمدة طويلة، فجُهّز في ليلته وصُلّي عليه طلوع الشمس عند باب الكعبة ودُفن بالمعلاة.
وفي يوم الجمعة ثالث عشريْ الشهر مات الطفل نجم الدين محمد ابن القاضي تاج الدين المالكي المولود في شهر رجب من هذه السنة بعد وجعه مدة يسيرة فجُهّز من وقته
_________________
(١) كلمة غير مقروءة بالأصل.
(٢) بالأصل: باشر.
(٣) بالأصل: حسنا.
(٤) بالأصل: أخي.
[ ١ / ١٦١ ]
وصلّي عليه عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة في تربة جده لأمه السيد أصيل، وحزن عليه والِدَاهُ كثيرًا وكذا جدتَاه وعَماته، فالله تعالى يعوضهم فيه خيرًا ويُعْظم لهم الأجر.