وصلّى الناس العيد في المسجد الحرام وهم خائفون، ومن الأروام وجلون، خصوصًا لعبثهم بهم وانتهاك عرضهم، ولم يطلع أحد منهم المعلاة للتفرّج على العادة بل طلع بعض الرجال والصغار وكثير من الأروام، فلم يحصل فيها لعب من العوام.
وفي آخر يوم تاريخه أشيع وصول القبطان الأمير سلمان إلى جدة من طريق السويس ومعه جماعة من العساكر الأروام، ويقال عدّتهم سبعمائة نفر، وكان مسيرهم نحو نصف شهر.
وفي ضحى يوم السبت ثالث الشهر مات الشيخ العلامة الصوفي أبو البركات محمد ابن شيخنا العلامة المحدث شهاب الدين أحمد بن صحصاح الخانكي نزيل مكّة المشرفة الشهير كوالده بالحرفوش وجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الأعيان، ودفن بالمعلاة على قبر أبيه بتربة بني زائد تحت الحجون، وأثنى عليه الناس خيرًا لكثرة عبادته وتقشفه، وبعضهم ذمّه لحرصه على الدنيا وجمعها. وخلف أملاكًا وبعض معاملات يخفيها وله أم وبنتان وأخ غائب (^١) عن مكّة وزوجة، فالله تعالى يرحمه ويسامحه. وقد كان بالمدرسة الشريفة وتوعك بها، وعاد إلى مكّة في آخر شهر رمضان لطلبه لذلك ومساعدة سيدي الشيخ ابن عراق له وحلول نظره عليه فإنه من جماعته، وقال إنه أسند وصيته له ولأمه وللخواجا عبد القادر القاري ولم تظهر صحة ذلك، والله ﷾ أعلم بحاله.
وفي يوم الجمعة رابع الشهر سافر من مكّة نائب جدة إليها وتتابع عسكر الأروام بعده جماعة بعد جماعة وصار حاكم البلد ومحتسبها من جماعة صاحب مكّة
_________________
(١) بالأصل: أخا غائبا.
[ ١ / ٣٦٠ ]
الشريف أبي نمي يجمعون له الجمال ليسافروا (^١) عليها، فأخذوا شقادف الناس وهجموا بيوتهم مع كثير من الجمال والحمير من أهلها بعنف بحيث قلّ الواصل لمكة من الأقوات والحبوب، وبيع الرطل الرطب [٨٦ أ] بمحلقين صغار، وكذا العنب فإن هذا أوان وصوله من الوادي والحجاز.
وتكامل خروج العسكر من مكّة في يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر وخلا المسجد من سناجقهم الموضوعة فيه، فاطمأنّ أهل مكّة بعدهم وظهر الحب بحيث بيعت الربعية المصرية بخمسة محلقة صغار عن كبيرين ونصف صغير مع كثرة وجودها في السوق.
وأشيع بمكة أنّ القبطان سلمان أمير العساكر الرومية نادى بجدة أن تباع الربعية الحب بها بأربعة محلقة، وباع حبّا له فيها بهذا السعر أمام منزله للآكلين، ومنع أهل السوق من شراء حبّه وصاروا يبيعون بزيادة نصف محلق على سعره، وتباشر الناس بالرخاء والأمن.
واهتمّ القبطان بجهاز المراكب السلطانية التي كانت مقيمة بجدة ليسافر فيها بالعساكر مع المراكب الهندية، بل يقال إنه شحن بعض حوائجه فيها، ثم إنه نأى عن ذلك وأمر العسكر من الأروام بالعود إلى مكّة وذكر أنّ البحر عري عن إدخال مراكبه وضاق الوقت عن شحنها وسفره مع المراكب إلى الهند، فأرجف الناس بذلك واهتم له كل قاطن وسالك.
ثم في يوم الثلاثاء عشريْ الشهر وصل أول لمكة (^٢) وهجموا بيوت التجّار وبعض بيوت الناس الكبار وأخرجوا أهلها خصوصا الحُرم وانتهكوا حرمة الحرم وتضرّر منهم الخاص والعام، والتجؤوا إلى ربّهم الملك العلّام.
_________________
(١) بالأصل: ليسافرون.
(٢) كذا وردت الجملة بالأصل.
[ ١ / ٣٦١ ]
وكان من لطفه بهم [أن] (^١) وصل إليهم في يوم الأربعاء سابع الشهر الشيخ العارف بالله قدوة السالكين، ومغيث المسلمين، أبو علي محمد … (^٢) المهاجر بن علي بن عبد الرحمن نزيل الحرمين الشريفين المدعو بابن عراق، نفع الله به المسلمين في جميع الآفاق، متقدما عن قافلة المدينة الشريفة ومعه ولده الثاني المدعو عبد النافع وقليل من جماعته. ويقال إنه وصل بإشارة من النبي ﷺ وقال له: توجّه إلى مكّة لإصلاحها، وكان غائبًا عنها نحو خمسين سنة.
ثم في يوم الأحد حادي عشر الشهر وصلت قافلة المدينة الشريفة وفيها جماعة من أهلها وأعيانها كقاضيها الشافعي السيد عبد الله السمهودي وقاضيها المالكي جمال الدين محمد ابن القاضي محب الدين السخاوي وعيالهما وأخبروا بغلاء المدينة في الحب والسمن وقصدهم تعلّقهم في الصدقة الهندية المظفرية، فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويرخّص أسعارهم، ويؤمنهم في أوطانهم.
وفي يوم الخميس خامس عشر الشهر وصل لمكة قاضي العسكر الرميلي كان واسع جلبي الرومي طلبًا للحج، وسكن في المدرسة الشرابية، وهرع الأعيان للسلام عليه وأظهر الزهادة والتقشف والعبادة.
وفي يوم السبت ثالث عشريْ الشهر كَثُر ضرر الأروام ومسكوا بعض العوام فاجتمعوا بالشيخ ابن عراق بالمسجد الحرام فجلس بزيادة دار الندوة ومحلّ ورده في أوقات الصلوات الخمس وطلب قاضي العسكر الرميلي كان واسع جلبي الرومي وقضاة مكّة الأربعة ما عدا الحنفي [٨٦ ب] وجماعة من الأعيان وحضر خلق كثير من الأعيان وشكوا أمرهم العام، فجمع لهم الشيخ رؤساء العسكر وتكلم عليهم
_________________
(١) إضافة تتطلبها الجملة.
(٢) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
[ ١ / ٣٦٢ ]
كالأسد دفعا للشر بحيث أصغوا لقوله، وأرعبوا من طَوْله، وأمرهم بإخراج جماعتهم من بيوت الناس، ودفع الأذى عنهم والبأس، وأمر بإرسال جماعة إلى نائب جدة وأميرهم القبطان سلمان وكتابة أوراق لهما، فكتب لهما قاضي العسكر، بما عليه يُشكر، وعين الشيخ شهاب الدين الزبيدي وملا حاجي الكردي وكتب معهما رسالة إلى الأميرين المشار إليهما، وزوّدهما مع الدعاء بإعانتهما، وسافرا من مكّة في عصر يوم تاريخه مخفين، ولإعانة المسلمين مسرعين. فوصلا جدة في صبح ثاني تاريخه ودخلا على باب نائب جدة فوجدا عنده الأمير سلمان فأطلعاهما على ما عندهما، فأظهر لهما الأميران التشويش من فعل العسكر، وصار الأمير سلمان لذلك يتفكر، ونائب جدة ينكر عليه، وينسب فعلهم إليه، وهو يحلف بالله أنه لا يقدر على ردّهم، وأمر بالبطش فيهم وضربهم، وأنّ الشريف أبا نمي يفعل ذلك وهو يساعده عليهم وأنهم يرسلون للشريف الأمين عليهم خير الدين الرومي أحد أخصاء الخنكار ويكتبون للشيخ ابن عراق جواب ذلك، ففعلوا هذا مِن ساعتهم وخرج رسُله من يومهم، وعُدّ هذا من كرامته وملاحظة المسلمين بنفعه.
فوصل إليه قاصداه في ظهر يوم الإثنين خامس عشريْ الشهر ثالث يوم إرساله وأخبروه بالجواب وأعطوا له ولقاضي العسكر كل واحد كتابًا وفيهما ما يسرّ المسلمين، ويقمع المفسدين.
وفي أثناء هذه الأيام ثار العرب في البرية وأذاقوا الأروام بالقتل والنهب ومقابلة فعلهم بالحرب ويقال قُتِل منهم في طريق جدة أزيد من عشرين نفسًا، وانقمعوا بذلك يقينا لا حدسا، ولله الحمد على ذلك والمنة، ثم تواتر القتل فيهم بحيث زادت القتلى على المائة.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشريْ الشهر وصل الأمير خير الدين الرومي إلى الشريف أبي نمي بوادي الدكناء، أحد أودية مر، وكان عند سماعه بوصوله إليه
[ ١ / ٣٦٣ ]
أرسل إليه أخاه الشريف ثقبة إلى وادي … (^١) فلاقاه بها فأكرمه وأنزله في محل عظيم على بركة النزهة، وواجهه في صباح تاريخه فخلع عليه خلعة مثمنة يقال بنحو ثلاثمائة دينار وأزيد وأعطاه مائتي أشرفي وأخبره بفعل الأمير سلمان معه وتشويشه عليه، وأنّ العرب عصوا عليه بواسطة فعله وقطع البندر عليه، وأنه طائع للخنكار ولو كان الأمر بينه وبين سلمان حاربه، فإنه عدو له ولوالده.
فحلف له الأمين خير الدين على المصحف الشريف أنه لم يطلع له على سوء وأنّ معه مراسيم الخنكار بأمر طاعة الشريف أبي نمي وأنه ما تأخر عن إحضارها له إلّا لعدم معرفته بالطريق إليه، وأن سلمان يقول له: الشريف في الجبال وهو بعيد، ولو عرفتُ أنّ هذا محلك ما تأخرتُ عن الوصول. فرضي الشريف منه بذلك وقال: أنا أرسل عسكري إلى العرب لحفظ الطرقات وعليّ جهاز العسكر لجدة على جمالي وأكفيهم ما يطلبون من شرب الماء والحطب، وإذا جاء وقت الحج أجهّز لهم أربعمائة جمل يحجّون عليها، وإن لم يخرجوا (^٢) من مكّة لا أدخلها ولا أواجه الحاج، فوافقه على توجّههم إلى جدة وأنهم يسافرون أي وقت حصل لهم التسهيل [٨٧ أ] في البحر ولو كان قبل الحج. فقنع الشريف بقوله، فالله تعالى يحوطه بقوته وحوله.
وأقام عنده بقية النهار ورجع إلى مكّة فوصلها مع جماعة أرسلهم الشريف معه في ليلة الأربعاء ثاني تاريخه واجتمع في صباحها بقاضي العسكر والشيخ ابن عراق وأخبرهما بعدم رضاهم بفعل العسكر وكلام الشريف له فقال له الشيخ ابن عراق: أنت فعلك مشتقّ من اسمك ووظيفتك خير الدين الأمين، وأخبرْني عن حقيقة حالكم، إن كان قصدكم خلاف ظاهركم فنهاجر من مكّة إلى غيرها ولا
_________________
(١) سقط اسم الوادي من الأصل.
(٢) بالأصل: يخرجون.
[ ١ / ٣٦٤ ]
نرى فيها شيئا (^١) من الفتن، وعليّ جواب الخنكار فيما يفعلونه. فحلف له وبكى وقال: إن شاء الله أزيل كل مُشْتَكى، فتوجّه من عنده إلى منزله وقبض على جماعة من أكابر الأروام وأغلظ لهم في الكلام بل ضرب بعضهم وهدد بعضهم، منهم أحد رؤسائهم ابن أخت يعقوب الناظر بجدة كان، فإنه ممن هجم بيوت الأشراف، وفعل كثيرًا من الإسراف وجَرّس به.
ثم في ضحى يوم الخميس ثامن عشريْ الشهر توجّه إلى المسعى الشريف مع جماعة من الأروام ووقف على باب مدرسة الأشرف قايتباي الجاركسي ونادى رؤساء العسكر وأغلظ لهم في الكلام بحضرة العوام وقال لهم: دلوني على من آذى الناس منكم وإلّا ضربتكم، فصار الرؤساء يخبرونه بالمؤذين ويشيرون إليهم، ومن كان غائبًا أحضروه. فضرب منهم … (^٢) نفسا ضربا مبرّحا على مقعدته كل واحد بعصاتين نحو المائة وأزيد من ذلك وأقلّ، فذلّوا لذلك، وانشرح لفعله كل قاطن وسالك، فالله تعالى يُكْثر من أمثاله، ويزيده من أفضاله.
وفي ثاني تاريخه أراد الأمين خير الدين قتل جماعة من المؤذين فنهاه الشيخ ابن عراق عن ذلك وقال: يكفيهم الأدب بالضرب، فحينئذ جَرّس ثلاثة أنفس منهم، وجعل كتف كل واحد منهم مكشوفا وغرز فيه سكينا نافذة في لحمه، وبعدهم جَرّس ثلاثة نسوة ممن يُفْسَق بهن وأركبهن على حُمُر في الشوارع سافرات الوجوه إحداهن يمانية وثانيتهن بجلية (^٣) وثالثتهن مولدة (^٤)، جزاه الله على فعله خيرا، وسكنت الفتنة لذلك بعض سكون.
_________________
(١) بالأصل: شيء.
(٢) سقط عدد المضروبين من الأصل.
(٣) وردت الكلمة على شكلها الوارد أعلاه، إلا أن نقطة الحرف الأول غير ظاهرة مما جعل نسبة هذه المرأة غير محققة.
(٤) وردت الجملة في الأصل كما يلي: "أحدهن يمانية وثانيهن بجلية وثالثهن مولدة".
[ ١ / ٣٦٥ ]
وفي أثناء هذه الأيام قلّ الواصل من جدة وغيرها وغلت (^١) الأسعار في الحبوب بحيث بيعت الربعية المصرية بثلاثة محلقة كبار عن سبعة صغار ونصف واليمانية بزيادة نصف والذرة بستة ونصف ولا يظهر في السوق إلّا القليل أول النهار وصاروا يكيلون الفول (^٢) كل ربعية بخمسة محلقة صغار عن كبيرين، وعدم السمن من الأسواق وبيع خفية كلّ رطل مصري بخمسة عشر محلقا وكل رطل سمن بثمانية عشر محلقا صغيرًا وأزيد من ذلك. وقاسى الناس شدة وذلك لخوف الطريق من العرب.
ثم إن الشريف أبا نمي أرسل أخاه الشريف ثقبة مع جماعة من عسكره إلى طريق جدة بخيول عدة فقبض على بعض العرب وقتل بعضهم ونادى بالأمان والاطمئنان، فعادت بعض القوافل من جدة وقلوبهم مرتجة على غير الطريق المعتاد، ثم عادوا منها بعد طمأنينة العباد، فالله تعالى يديم ذلك على المسلمين، ويؤمّن جيران بلد الله الأمين، بجاه سيد المرسلين ﷺ.