في صباحها صلّى الناس العيد في المسجد الحرام وخطب فيه الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري خطبة العيد المعتادة باختصار وأداها بفصاحة لكنه توقف في بعضها وانتقد عليه ذلك لعادته.
ولعب عامة مكة أهل المعلاة والمسفلة في حاراتهم، فأهل المسفلة في الصباح بها وأهل المعلاة آخر النهار بسوق الليل كالعادة وحضر بعض كل منهم على الآخرين واختلس أهل المعلاة نقارة صغيرة لأهل المسفلة لكونهم محتاجين إليها ففطن بها عند الأخذ بعضهم فاستردها ممن أخذها فتخلف شيخ أهل المعلاة عن أخذها فقدّر الله تعالى أنه سكر وتوجّه إلى لعبهم في عصر يوم السبت ثاني العيد فطعنه أحمد بن عمر الدلال صهر الكمالي ابن أبي علي وغيره من أهل المعلاة بجنابيهم (^١) وطعن هو بعضهم وكان شجاعا واسمه محمد بن حسن الشاعر الشبيكي وأمه كرامة بياعة القهوة فكثر عليه أهل فوق (^٢) إلى أن قتلوه. وتعصب له جماعة فكونوا بعض أهل المسفلة وطاح هو ميتًا فحمل إلى بيته فغسل وكفن وصلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة وحضر دفنه شخص من أقاربه فقال له (^٣) لكونه مخالفا لأهل فوق ففطن به بعض أهل المسفلة فأرادوا قتله عند القبر فصاح والد الميت فقال: يقتل ولدي وابن أخي؟ فقام شيخ أهل المسفلة ومنعهم من قتله فأظهروا الشر والانتقام من أهل المعلاة فبلغ الحاكم
_________________
(١) جمع جنبية: وهي نوع من الخناجر.
(٢) ولعله يقصد أهل المعلاة المقابلين لأهل المسفلة.
(٣) بياض بمقدار كلمة بالأصل.
[ ١ / ٢٧٨ ]
مبارك بن بدر ذلك فنادى لهم بترك اللعب والكف عن بعضهم حتى يصل الشريف بركات لمكة. فما سمع أهل المسفلة ذلك بل صلوا صلاة العصر في المسجد وتجمعوا أكثر من خمسين رجلًا وتوجّهوا إلى سوق الليل وحضروا لعب أهل فوق فاختفى بعضهم.
ثم في مغرب ثاني تاريخه ضرب محمد بن شهوان الشبيكي شيخ أهل فوق عبد الكريم ابن زرد به بجنبيته في رقبته وكان السبب في أخذ النقارة والاحتراس بهم ويقال انه اختفى في المعلاة عند قبة السيد بركات وما ظهر لما سمع النداء بالأمان لهم وأراد شكايتهم (^١) عند الحاكم لما جاؤوه لمحلهم بعد النداء. فلما رأى ذلك هرب ودخل إلى المسجد والناس في صلاة المغرب والضارب له خلفه إلى أن وصل إلى الكعبة وتعصب لكل منهما جماعة وتكلم عليهم بل ضرب (^٢) أخو المقتول من أهل المسفلة سياطًا على رجليه وجرس (^٣) محمد شهوان الكائن بأمر نائب جدة وفي رقبته الحديد. وطعن في كل من أحد جنبيه الأيمن والأيسر بسكين وجنبيه لينظرهما الناس (^٤) فداخل حينئذ أهل المسفلة الوسواس وما أخذوا ثأرًا لقتيلهم، فالله تعالى يظفر هم به.
وفي ضحى يوم الأحد ثالث الشهر وصل إلى مكة قاصد من مصر أرسله الشريف ثقبة ابن السيد بركات صاحب مكة واسمه معبر مولد (^٥) لأهل الوادي فجاء معه بأوراق للشريف من ولده ثقبة وبأوراق من غيره، وأخبر بأنه خرج من مصر في سادس رمضان وصحبته قاضي المالكية بمكة الزيني عبد الحق النويري الذي توجّه معه
_________________
(١) بالأصل: شكيتهم.
(٢) كلمتان مكررتان بالأصل.
(٣) كذا بالأصل.
(٤) كذا وردت الجملة بالأصل.
(٥) كذا وردت الجملة بالأصل.
[ ١ / ٢٧٩ ]
ورفقته بعض الحاج يقال أزيد من مائة حمل، فسر الناس بذلك ونادى الحاكم بمكة بالزينة سبعة أيام واللعب عند بيت الشريف على العادة، وتوجّه القاصد من يومه للشريف بركات جهة الحجاز فلاقاه في الطريق فعاد معه إلى مكة في يوم الثلاثاء خامس الشهر وأقام الشريف بمكة يومًا واحدًا وتوجّه في ليلته إلى وادي الدكناء (^١) أحد أودية مر لإقامة له وملاقاة ولده.
وفي صبح يوم الإثنين رابع الشهر [اجتمع] (^٢) شاه بندر جدة أحد المقربين لملك الأمراء نائب الديار المصرية الجناب العالي الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة وقاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وقاضي القضاة الحنبلي بديع الزمان ابن الضياء وغيرهم من الأعيان في دار الخضر التي عند الحناطين لأجل تفرقة الدقيق الواصل لمكة في البحر. فاتفق رأيهم على إعطاء كل نفس عشرة أرطال فحرر لذلك مكيال من خشب فكيل به لكل واحد ثم يزنه القبّاني، فأعطوا أهل الدور المطلّة على المسجد ومن يقاربه فتضاعف الدعاء لمرسله لعموم الناس بالخيرات والصلة والمبرات فالله يتقبل منه ذلك.
وفي ظهر يوم الجمعة ثامن الشهر مات أحمد بن محمد الهندي السقّاء بالمدعى أحد المكويين (^٣) من أهل المعلاة، فصُليّ عليه بعد صلاة الجمعة ودفن بالمعلاة، وقال أصحابه: قتيلٌ بقتيل، وأهل المسفلة ما رضوا به.
وفي طلوع الشمس من يوم الأحد ثاني تاريخه وُلِدَتْ ابنتي المباركة، إن شاء الله تعالى، أم عبد الله عائشة والمدعوة ست الجميع وأمها أم الهدى زينب ابنة قاضي المسلمين نور الدين علي بن أبي بكر المرشدي الأنصاري الحنفي وقاست عليها شدة ثم خلّصها الله تعالى يضاعف لها ولي الأجر ويرزقنا الحياة لتربيتها وأختها
_________________
(١) بالأصل: الوادي الدكناء.
(٢) سقط فعل الجملة من الأصل، والإصلاح مقترح لأنه المناسب لمعنى الكلام.
(٣) كذا وردت الكلمة بالأصل.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ويعضدهما بذكر صالح يحصل به الخير.
وفي يوم الإثنين حادي عشر الشهر وصلت أوراق من الشريف بركات لقاضي القضاة الشافعي بمكة الصلاحي بن ظهيرة وغيره فيها الإخبار بنُصْرة ولده الشريف أبي نمي على شيخ بني لام عين الشرّ في القرب من المدينة الشريفة لتعديه (^١) على أهلها، وقتل مقتلة كبيرة منهم أربعة من مشائخ العرب وسبعة عشر نفسا وهرب عين (^٢) مغبونا في أربعة عشر فارسًا مجرحين بالبندق والنار انتقاما من الله لجيران نبيه المختار، واستولى على جميع حلته وقبض على الذي بها من رجال ونساء وكسب إبلا وشياه كثيرة وثلاثة وعشرين فرسًا وثلاثة دروع، وغير ذلك من الأصول والفروع، وأن ولده الشريف ثقبة وصل إلى ودّان ويدخل إلى الوادي في ثالث عشر الشهر. فسر الناس بأخبارهما وتحدثوا بسعدهما، وأمر الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر بزينة الأسواق سبعة أيام، ولعب العيري عند بيت الشريف بأجياد والعرضة كذلك في كل يوم صباحا ومساء.
وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه توجّه محب الدين ابن أخي القاضي الشافعي لتهنئة الشريف وملاقاة أولاده في الوادي عوض عمه، لوجعه وانقطاعه في منزله، وتبعه قاضي القضاة الحنفي وابن المالكي الواصل صحبتهم وغير ذلك ممن يتردد لهم رجالا ونساء.
وتهيأ الشريف بركات لعمل سماط كبير لولده ثقبة في الوادي وتوجّه له من مكة كثير من آلات السماط والمباشرين لعمله. فوصل إلى والده في ليلة الأربعاء ثالث عشر الشهر فعمل له سماطا حسنا وحضره القضاة الذين في الوادي، وعادوا في ليلة الخميس ثاني تاريخه إلى مكة وصحبتهم القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري
_________________
(١) وردت الكلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) وردت الكلمة غير واضحة بالأصل.
[ ١ / ٢٨١ ]
الواصل صحبة ابن الشريف من القاهرة، فقصده الناس للسلام عليه فصار يظهر لهم عظمة نفسه وما حصل له مع ابن الشريف، خِفَّة منه على عادته.
وفي مغرب ليلة الجمعة خامس عشر الشهر وصل الشريف أبو نمي من الشرق (^١) ظافرا على أعدائه، ونزل بستان نائب جدة جان بك في جهة الأبطح فأقام به إلى الصباح.
ووصل في أثناء الليل والده السيد بركات إلى مكة وصحبته ولده الشريف ثقبة وبقية العسكر لأجل الخلع والمراسيم الواصلة له من القاهرة. فلما صلّى الناس صبح الجمعة تهيأ الشريف أبو نمي لدخول مكة فهيًا خيله ورجله وأرسل إلى والده يخبره بذلك، فخرج إليه ورفقته عسكره ونائب جدة الأمير حسين بك الرومي والخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة شاه بندر جدة وغيرهم من عربان مكة وأهلها فلاقود عند بستان بيرم خجا بالقرب من تربة المعلاة فسلموا عليه ومشوا معه إلى تربة جده السيد محمد بن بركات فدخلوا إلى عند قُبَّته فنزلوا عن خيلهم فلبس الشريف أبو نمي خلعة أمير مكة [على] (^٢) العادة وأخوه ثقبة خلعة النائب الثانية والشريف عرار بن عجل خلعة لصحبته الشريف ثقبة من القاهرة وكونه قاصد صاحب مكة وأمير جده خلعه وقاضي مكة المالكي خلعة قفطان وولده خلعة قفطان حمراء لطلب والده ذلك له من القاهرة لكونه توجّه صحبة ابن الشريف إليها فلم يطلع هو وولده فيها، وترك الشريف بركات لبس الخلعة هناك ومشى أمام العرضة قُدَّام أولاده مع جملة العسكر. فكانت العرضة عظيمة لاجتماع العسكر فيها والطبول والنفط ونشور الجيوش وآلة الحرب من السيوف والدرق والرماح وغير ذلك من الكسب. وابتهج الناس برؤيتها وسُروا ببهجتها. فلما وصلت العرضة
_________________
(١) بالأصل: الشريف أبو نمي صاحب من الشرق.
(٢) كلمة سقطت من الأصل أضيفت لتمام المعنى.
[ ١ / ٢٨٢ ]
إلى باب السلام ترجل الشريف وأولاده وجميع الأكابر ودخلوا منه إلى المسجد الحرام وتوجّهوا إلى الحطيم لقراءة المراسيم.
فقرئ به للشريف ثلاثة مراسيم ولولده الشريف أبي نمي مثلها ولنائب جدة واحد، وللقضاة الثلاثة، خلا الحنبلي، ثلاثة.
وفي مراسيم الشريف وولده إخبارهما بوصول الشريف ثقبة إلى القاهرة وإكرامهم له بملاقاة العسكر من خارج البلد صحبة الأمراء المقدمين من الأروام وغيرهم منهم الأمير فرحات والأمسير موسى فرأوا الأمير خير الدين نائب القلعة وطلعوا صحبته إليها فواجهوا بها ملك الأمراء نائب الديار المصرية فأكرمه وعظمه وخلع عليه مع الواصلين صحبته وأنعم عليهم بالهدايا المرضية والخلع السنية.
وفوض إلى الشريف أبي نمي إمرة مكة لسؤال والده في ذلك وأشرك معه أخاه ثقبة في لبس الخلعة الثانية وأعفى الشريف من لبس الخلعة عند وصول أمراء الحاج، وعوّلوا في الأمر عليه مع إكرامه (^١) والتودد له وتوصية ولده بالرعية والعدل فيهم، والرضا عن نائب جدة واجتماع كلمتهما لئلا يطمع فيهما العدو والمخذول. والإرسال إلى صاحب عدن في الاحتراز من إسكندر صاحب زبيد وإخباره بأن الخلعة التي لبسها من نائب جدة ليست من الخنكار وإنما لبسها من عنده وإن كان طائعًا يدوس البساط ويحصل الرضا عنه. والاحتراز من الفرنج، وأخذ العشور من الهندي الذي دخل عدن على العادة من زمن الأشرف قايتباي ولا يسامح أحدا (^٢) من التجار إلّا بمرسوم ويترك الجلاب التي عملها الغوري. وولاية المدينة الشريفة والينبوع لمن يصلح لهما فإن أهل المدينة شكوا من أميرها باز بن فارس بن شامان وأمه الشريفة خزيمة أخت الشريف بركات وغير ذلك من إزالة الضرورات.
_________________
(١) بالأصل: الكرمية، والإصلاح مقترح.
(٢) بالأصل: أحد.
[ ١ / ٢٨٣ ]
واختصر القارئ من قراءة بعض المراسيم عند ذكر شكوى أهل المدينة من أميرها باز، وكان حاضر القراءة مع خاله الشريف بركات، فإنه كان مع ولده الشريف أبي نمي في الغزو.
وفي مرسوم نائب جدة غالب ما في مراسيم الشريف والتأكيد عليه في مصالحة الشريف واجتماع كلمتهما لئلا يطمع فيهما الأخصام.
وفي مرسوم القاضي الشافعي الإخبار بولايته لسؤال السيد بركات، وأنّ الشريف عرار يشافهه بما شافهوه به واختصر في قراءته بعدها ولم يقرأ لأحد من المراسيم تواريخ، وكذا مرسوما (^١) القاضيين بديع الزمان بن الضياء والمالكي الزيني عبد الحق النويري الذي وصل صحبة الشريف ثقبة من القاهرة وفيهما استمرارهما على وظيفتهما، والإخبار بوصول المالكي صحبة ابن الشريف وإكرامهم له.
ورأيت في أوراق بعض المكيين الذين بالقاهرة أن ملك الأمراء كان عزم على عزله لشكوى الناس منه، وسعى أقضى القضاة محي الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة الجلالي أبو السعادات الأنصاري المالكي في الوظيفة لوالده، فلما وصل مع ابن الشريف، بطّل ذلك مراعاة له، وإذا سافر معه يعزل في الموسم، فالله يحقق ذلك ويريح المسلمين من أحكامه وأحكام ولده.
وبعد الفراغ من قراءة المراسيم بالحطيم لبس السيد بركات وقاضي القضاة الشافعي كل واحد خلعة (^٢) فعلى أولهما خلعة جوخ حمراء مبطنة بفرو سنجاب عال من خواص ملبوس ملك الأمراء بالديار المصرية، وعلى ثانيهما خلعة صوف أصفر. ثم طاف الشريف أبو نمي أسبوعا وتوجّه إلى منزله ووالده قبله والقاضي الشافعي إلى محله بزيادة دار الندوة ومشى الفقهاء معه، ثم لحق الشريف
_________________
(١) بالأصل: مرسومي.
(٢) بالأصل: حفلة.
[ ١ / ٢٨٤ ]
أبو نمي بعد مشي بعض الفقهاء مع المالكي إلى محل منزله بباب البغلة (^١). فلما وصل الشريف إلى منزله قلع خلعته وألبسها لنائب قاضي القضاة الشافعي وابن أخيه القاضي محب الدين أحمد بن القاضي بهاء الدين بن ظهيرة بيده بحضرة القاضي الشافعي المفصول نور الدين علي بن ناصر. فظهر الغيظ في وجهه، لكن ماذا يفعل الضعيف مع القوي. ومشى غالب الفقهاء أمام نائب الشافعي إلى منزل عمه بالسويقة وهنؤوه بها.
وعمل القاضي الشافعي للشريف مدّة لطيفة في منزله بأجناد وسافر الشريفة أبو نمي إلى الوادي في عصر تاريخه وامتدحه كثير من الشعراء بعدة قصائد قُدّمت لوالده لتهنئته بنصر ولده الكبير وقدوم ولده الصغير حفظهما الله تعالى، وأبقاه للمسلمين بجاه جده سيد المرسلين.
وفي ليلة الخميس حادي عشرى الشهر زُفّ ولد للجمالي محمد بن الفقيه عبد المعطي بن حسان وكيل الشرع الشريف لأجل طهارة من الصفا إلى سكن والده بالفلق بشموع الحرم ومفرعاته، ومشى معه خلق من الفقهام والعامة.
وفي ليلة السبت ثالث تاريخه عمل شراعا حضره بعض الفقهاء والتجار منهم قاضي القضاة الحنفي والجبيلي وألصقوا دراهم (^٢) مجموعه قريب الخمسين كما أشيع. وفي صباحها ختن الولد هداه الله تعالى.
وفي ليلة الأحد رابع عشري الشهر عمل مولد شريف في منزل القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين نجم الدين محمد بن عبد الوهاب بن يعقوب المالكي حضره فاضيل القضاة الشافعي والجنفي وكثير من الفقهاء والتجار وغيرهم لأجل طهارة المحيوي عبد القادر ابن أخيه القاضي
_________________
(١) باب البغلة هو أحد أبواب المسجد الحرام من الجهة الجنونية وهو الذي ذكره الأرزقي باسم باب بني سفيان، قال عنه الفاسي "ولم أدر ما سبب هذه التسمية والشهرة" الفاسي: شفاء العرام ١٨١:١.
(٢) بالأصل: دراهما.
[ ١ / ٢٨٥ ]
جمال الدين محمد وابنيْ أختيه أم الحسين وكمالية، أولهما من الخواجا الوفائي، والثاني من الخواجا النحربادي (^١) وكل منهم مات والده، ومَدّ سماط حلوى وفتوت (^٢) بعد تقدمة سحوى (^٣) بُنّ ومُسَكّر.
وألصق الحاضرون له نحو مائة دينار وتفصيلها: من قاضي القضاة الشافعي عشرة، ومن شاه بندر جدة الخواجا شرف الدين بن شيخ الدهشة عشرة مثلها، ومن إبراهيم ابن الشيخ علي خمسة، ومن عشرة من التجار عشرين، ومن خمسة تجار خمسة، ومن القاضي فائز أربعة، ومن أخويه أمين الدين ثلاثة وجلال الدين ثلاثة ومن ابن أخي القاضي الشافعي ثلاثة ومن أخيه التاجي ثلاثة ومن المحيوي العراقي ثلاثة، ومن كاتبه واحد. وبعد المجلس أعطى القاضي الحنفي خمسة وأخوه اثنين وإماما الحنفية أربعة ومن يحيى بن فضيضة خمسة. ولما فرغ المولد طهر الأولاد الثلاثة مع صبي وعبد لهم.
وفي صباحها ظهرت أخت الولد الأول ومعها مولديات، وعُمل طعام للنساء والرجال من أهل البيت حدابه (^٤) ومأمونية ولبن مخردل، فالله تعالى يخلف عليهم بخير ويجعله مباركا.
وفي صباح تاريخه قُسّم الدقيق الفاضل من القسمة على الأعيان من القضاة وأرباب الوظائف بالمسجد الحرام وغيرهم من المشائخ والمعتقدين فجعل لكل قاض مائتا رطل وللقاضي الشافعي أربعمائة ويقال زيدَ للشافعي، ولكل مقام مثل ذلك، وجعل الناس من مائة رطل وأقل من ذلك. وكان المتصدي لتفرقتها الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة البشاشة والكرامة والمحبة للمستحقين، جزاه الله
_________________
(١) ورد الاسم بالأصل غير معجم.
(٢) الفتوت: ثريد من خبز مفتوت كالسويق، الزبيدي: تاج العروس ١: ٥٦٧.
(٣) كذا وردت الكلمة بالأصل.
(٤) كذا وردت الكلمة بالأصل.
[ ١ / ٢٨٦ ]
خيرا وكثّر من أمثاله.
وفي صبح يوم الخميس ثامن عشري الشهر ماتت القائدة أم الكمال ابنة مفتاح المغربي الحبشي الشريفي الحسني أخت ملحم المؤاخي مع بني إبراهيم، زوجة القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري، وكان تزوج بها سرا خلافا لقاعدة مذهبه ولم يسمع بذلك غالب أهل مكة إلّا بعد موتها منهم كاتبه، فجهّزت في ضحى يومها وصلي عليها عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة، وأخذ العزاء فيها الحاكم مبارك بن بدر لقرابته لها ولكونه تزوج بها أول أمرها. وخلّفت بنتًا وأملاكًا بالوادي وغيره، وختم لها بالمعلاة، رحمها الله تعالى وعفا عنها.
وفي هذه الجمعة تكلم الشيخ العارف بالله سيدي محمد بن عراق - نُفع به - مع ولاة الأمر كالقاضي الشافعي والحاكم بمكة من جهة الشريف ونائب جدة الرومي في النداء للناس بعدم التوجّه إلى منى لأجل السبت في أول جمعة من شهر القعدة الآتي لإزالة البدعة من اجتماع الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات التي تحدث بها وبمسجد الخيف، فنودي بذلك في شوارع مكة، فأخذت الحمية بعض أهل الجاهلية وتكلموا مع القائد في التوجّه إليها لأجل العادة وأنهم لا يحدثون شيئًا من المنكرات، فتكلم مع الشيخ في ذلك ووافقه عليه، فيما سَمعتُ.
وفي ليلة السبت سلخ الشهر طلع نائب القاضي الشافعي مع الشهود إلى جبل أبي قبيس لرؤية الهلال على العادة فلم يروه.
وتوجّه في صباح تاريخه إلى منى جميع التجّار من الحلبيين والشاميين رفقة شاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة لأجل النزهة وشركتهم (^١).
وحصل مطر بمكة ومنى وتباشر الناس به لحاجتهم إليه في منى لأن آبارها قليلة الماء والصهاريج التي بها يُحتاج إلى ملئها في هذه الأيام، وبلغت الراوية إلى
_________________
(١) كذا بالأصل.
[ ١ / ٢٨٧ ]
محلقين، فالله تعالى يرخّص أسعار المسلمين، بجاه سيد الأولين والآخرين.