وفي صباحها عَيّدَ أهل مكة ونواحيها وخطب للعيد الشرفي يحيى النويري خطبة لطيفة توقف في كثير منها وعاب ذلك السامعون له. فالله تعالى يوفقه ويُلهمه صحة الخطبة.
وفي مغرب ليلة الأربعاء ثالث الشهر وصل إلى مكة صاحبها السيد الشريف بركات وإخوانه حميْضة وأبو الغيث وسيسد من أجل حضور عقد ابن أخي قاضي القضاة، الشافعي، فهرع الأعيان للسلام عليه [وأظهر التألم لولاية عبد الحق النويري وعبد القادر الحنبلي، فلا تخفى أحوالهما] (^١).
وفي صباحها بُل سكر العقد المذكور عند بيت والد الزوجة القاضي شهاب الدين بن ظهيرة بحارة قريش وحضره القضاة المتولون (^٢) وقاضي القضاة الجلالي المالكي
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بالأصل: المتوليين.
[ ١ / ١٧٠ ]
المفصول وبعض الفقهاء، وبعد الفراغ عُملتْ مَدة لطيفة ثم مدة لطيفة ثم شرب الحاضرون سكرًا وانصرفوا.
وفي عصر تاريخه قُرئ في المسجد الحرام مرسوما القاضيين الجديدين (^١) الحنفي بديع الزمان بن الضياء والمالكي الزيني عبد الحق النويري، حضر ذلك قليل من الناس وذلك بسؤالهم للشريف، ولم يحضر معهم القاضي الشافعي واعتذر عن ذلك. [ولم يفرح بولايتهما أحد] (^٢).
وفي عشاء ليلة الخميس ثاني تاريخه عُمل العقد المشار إليه أمام الرواق الشمالي بالقرب من مقام الحنفية جُعل فيه شموع كثيرة (^٣) في فوانيس صغار وكبار نحو السبعة، لم تُعمل في غيره كانت مدخرة عند جديْ (^٤) العريسين لأبيهما. وهما القاضي الرئيس كريم الدين محب الدين أحمد ابن القاضي بهاء الدين محمد ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام جمال الدين أبي السعود بن ظهيرة القرشي الشافعي، والمحجبة الأصيلة البكر سيدة الكل ابنة عم أبيه أقضى القضاة شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام البرهاني إبراهيم بن ظهيرة القرشي الشافعي.
حضره السيد الشريف، صاحب الحجاز المنيف، زين الدين بركات وإخوانه الثلاثة الماضي ذكْرهم والقضاة المتولون (^٥) ونائب جدة المعمورة الأمير قاسم الشرواني
_________________
(١) بالأصل: مرسومي القاضيين الجدد.
(٢) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٣) بالأصل: كثير.
(٤) بالأصل: جد.
(٥) بالأصل: المتوليين.
[ ١ / ١٧١ ]
وخلق من الفقهاء والتجار والعامة الرجال والنساء. فابتهج الناس به وسُروا برؤيته وباشر العقد عم العريس وابن عم الزوجة الزوجة قاضي القضاة شيخ الإسلام خطيب الخطباء وناظر المسجد الحرام صلاح الدين أبو (^١) المحاسن محمد بن ظهيرة القرشي الشافعي، فكان العقد على قاعدة بني ظهيرة بمائتي مثقال. وبعد الفراغ شرب الحاضرون سكرًا مذابًا بعد البخور والماورد على العادة، وأنشد المقربون بعض قصائد، ودُعيَ بعد ذلك للسلطان سليم شاه ثم ملك الأمراء نائب الديار المصرية ثم لصاحب مكة ثم لنائب جدة ثم لناظر المسجد الحرام، وانصرف الخلق بعد تهنئة العريس وعمه، فالله تعالى يجعل ذلك مباركًا عليهم.
وفي عصر يوم الجمعة خامس الشهر ابتدئ في لعب العيري أمام منزل والد الزوجة بحارة قريش.
وفي ليلة السبت سادس الشهر ماتت نور الصباح الحبشية مستولدة الشيخ كمال الدين أبي البركات بن أبي الفضل الزين المكي، وكان توعكها نحو نصف شهر في الوادي وغيره وجاءت إلى مكة، فجهزت في ليلتها، وصلّي عليها ضحى تاريخها عند باب الكعبة، وشيّعها جماعة من الفقهاء ودفنت بتربة أسلاف سيدها في المعلاة بالقرب من الفضيل بن عياض رحمها الله تعالى وعوض سيدها خيرًا، وخلفت بنتًا سباعية.
وفي صبح يوم الإثنين ثامن الشهر عُملت فازة لعرس ابن أخي قاضي القضاة الشافعي في منزله بحارة بني ظهيرة في السويقة حضرها القضاة المتولون والمفصولون (^٢)
_________________
(١) بالأصل: أبي.
(٢) بالأصل: المتوليين والمفصولين.
[ ١ / ١٧٢ ]
وغيرهم من أهل الزوجين والفقهاء، وقدم لهم حلوى سكرية ولوز مُلبس، وكانت العادة معمولًا.
وفي صبح يوم الأربعاء عاشر الشهر حضر في فازة قاضي القضاة الشافعي خلق من قضاة القضاة المتوليين والمفصولين وغيرهم من الفقهاء والتجار الموجودين بمكة على دِكَكٍ من خشب متعددة لأجل خروج المؤذنة على العادة. فخرجتْ مؤذنتان إحداهما لجماعة الزوج وثانيتهما (^١) للزوجة. فتوجهتْ إحداهما إلى القضاة المتولّين وهم في جهة من الفازة، وثانيتهما (^٢) للقاضيين المفصوليين وهما في ناحية، فألصق كل واحد من القضاة على كل واحدة دينارين، ثم اجتمعتا عند غيرهم فألصق غالب الحاضرين على كل واحدة دينارًا واحدًا (^٣) وبعضهم نصف دينار، فالتمّ من ذلك نحو الثمانين دينارًا وأكثر، ودقت الطبلخانة والمغاني عند خروجهما على العادة. وبعد ذلك قدم للحاضرين حلوى سكرية ومعمولًا عظيمًا، وسلم الناس على الزوج وعمه وانصرفوا.
وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه كانت الغمرة من غير زفة للعريس لأنه وعمه لم يرضيا بفعلها. وكان السيد الشريف بركات سأل قاضي القضاة الشافعي عنها فقال: لم يفعلها، فلزما ذلك، ولعب النساء على العادة في ستارة فُعِلَتْ لهن (^٤) أمام منزل والد الزوجة في حارة قريش.
_________________
(١) بالأصل: فخرج مؤذنتين أحدهما لجماعة الزوج وثانيهما.
(٢) بالأصل: وثانيهما.
(٣) بالأصل: دينار واحد.
(٤) بالأصل: لهم.
[ ١ / ١٧٣ ]
وفي ليلة السبت ثالث عشر عُمل شراع (^١) حافل في الستارة المذكورة حضره القضاة، المتوليان والمفصولان (^٢) وقرابة الزوجين خلا القاضي أمين الدين بن ظهيرة وقريبه القاضي أبي البقاء لتشوشهما (^٣) من عم الزوج وهجرهما له وغيرهم من الفقهاء والتجار والعامة. فلعب المغاني على العادة وقدم لهم حلوى سكرية وملبسًا وانصرفوا من غير لصق، وحمد الناس فعل ذلك.
وفي ليلة تاريخه وصل الأمين على الصدقة الرومية الأمين علي بك الرومي ونزل في المدرسة العينية وتباشر الناس به وبما في يديه من الصدقة الرومية عن عامين. وفي صباحها هنأه الناس بوصوله، ونصت العروس على زوجها (^٤) وفي السماط في منزل قاضي القضاة الشافعي، وكان هائلًا معظمًا، فيه المأمونيتان الحموي والسكب والهريسة الفستق والرغيف الأسيوطي والجرجانية والمروزية والرزان الحلوي والمفلفل والضلع المحشي والمشورات وغير ذلك من الأطعمة المفتخرة، فحضره القضاة والفقهاء والتجار والعامة ومن لا يُحصى ذكره ولم يتغير لكبره. وبعد ذلك مُد للنساء مدة لطيفة فيها من جميع الألوان المذكورة.
وفي يوم تاريخه اجتمع التجار عند الخواجا بيري الرومي بعد أكلهم من السماط وجمعوا للقاضي الشافعي نقده، يُقال مائة وخمسين دينارًا ليستعين بها، كان ذلك بقية اللصق.
_________________
(١) بالأصل: مراع.
(٢) بالأصل: المتوليين والمفصولين.
(٣) بالأصل: لتشوبهما.
(٤) بياض بالأصل بمقدار ثلاث كلمات.
[ ١ / ١٧٤ ]
وفي ليلة الأحد رابع عشر الشهر دخل القاضي محب الدين بن ظهيرة على زوجته في منزل عمه قاضي القضاة الشافعي المعروف بِبَيْت المال، فهنأه الناس فيه وقدم لهم معمولًا حسنًا، فالله تعالى يخلفه عليهم ويجعله مباركًا بمحمد وآله آمين.
وفي صباحها وصل إلى مكة الشريف عبد الله بن حسين الفراش المكي من جدة، وكان وصل بحرًا من الروم صحبة الأمين ووصلت معه جملة أوراق وأخبار، منها أن السلطان سليم شاه ابن عثمان منع أبناء العرب من دخول الروم، ومن دخلها مُنِع من الخروج منها، وأنه خرج فارًا مستخدمًا مع الأمين، وكان أهل المدينة جعلوه وكيلًا على الصدقة الرومية ولم يحصل على طائل.
وجاءتني معه ورقة من أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عبد الله محمد العباسي وهو مقيم في إسطنبول مضمونها السلام وسؤال الدعاء والوصية برباط جَدهِ العباس بمكة وإخباره أنه وعد بالتوجه إلى مكة إذا قدم السلطان إلى إسطنبول ويستقر بها إلى الممات. الله تعالى يحقق له ذلك ويرزقه الثبات.
وفي الأوراق الواصلة صحبته: الإخبار بموت كاتب الأسرار الشريفة كان المقر المحبي ابن الأجا الحلبي بها وبَلَدِيّه شيخ الإسلام حسام الدين حسن بن علي السيوفي الشافعي. وغلو القاهرة في جميع الأقوات بحيث بيع الإردب الحب بثلاثة أشرفية ونصف، وعُدم الخبز والدقيق في الأسواق وذلك لتوقّف بحر النيل. ثم مَنْ الله تعالى بجريانه في شهر شعبان وزاد زيادة عظيمة لم يُسمع بمثلها، ويشاع أنها عشرة أصابع من إحدى وعشرين ذراعًا، فإن صح ذلك حصل به خير كبير (^١) ورخصتْ الأسعار بعد الزيادة وبيع الإردب بأربعين محلقًا ثم بثلاثين.
_________________
(١) بالأصل: خيرًا كبيرًا.
[ ١ / ١٧٥ ]
ووصل من الروم مرسوم بالقبض على الأخويْن المباركين صاحبنا المحدّث شمس الدين محمد بن علي الداودي المالكي وأخيه الشيخ شهاب الدين أحمد وتسليمهما إلى الوالي حتى يدفعا المال المودَع عندهما للأمير طقطباي نائب القلعة كان المدفون في تربته، الذي أولهما متحدث عليها (^١) فقبض عليهما الوالي ولم يجد عندهما شيئًا من المال وظهر كذب الناقل لذلك. وأقاما عنده حتى يراجع في أمرهما ويدفعان كل يوم ترسيمًا نحو الدينارين. فالله تعالى يفرّج عنهما ويسلّمهما ويكفيهما شرّ المؤذين ويفرج عنهما.
وفي ضحى يوم الإثنين خامس عشر الشهر اجتمع الشريف عرار بن عجل والأمين على الصدقة الرومية عند الأمير قاسم الشرواني نائب جدة، وتكلموا في أمر الصدقة الرومية وأنّ الأمين يؤخّر تفرقتها حتى يواجه الشريف بركات ويُريه المراسيم الواصلة صحبته على ما جرتْ به العادة، فأظهر الأمين تشويشًا لذلك وعتبًا على جماعة الشريف بما فعلوه معه في بندر ينبع ثم جدة. فاعتذر له الشريف بعدم معرفتهم له، وتفرّقا على نية التوجّه إلى الشريف بالوادي. ثم في آخر النهار أشيع توجّه الشريف إلى جهة جدة فتوقف الأمين عن التوجّه إليه.
وفي يوم تاريخه ماتت المرأة المباركة المعمّرة عائشة ابنة سعادة الهندية والدة المعلم إبراهيم الخياط، وصلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة العصر، وشيّعها جماعة إلى المعلاة، ودُفنت بتربة الهنود بالقرب من تربة الخواجا محمد سلطان، رحمها الله تعالى. وكان عمرها أزْيَدَ مائة سنة، وكفّ نظرها وخلفت ولدها إبراهيم، تحرّق عليها كثيرًا. ورأت أولاد أولاد أحفادها، فإنها رُزقت عدة أولاد مات في حياتها سبعة وخلّفت ذكرًا وبنتين هما فاطمة وزينب وبنت فاطمة سُتيت، وولدت هذه عائشة،
_________________
(١) أي القلعة.
[ ١ / ١٧٦ ]
وولدت هي شمسية فسُميّة ابنة عائشة ابنة ستيت ابنة (^١) فاطمة ابنة عائشة. وهذا أكثر ما رأيتُ في زماننا من إدراك زمن الأحفاد بالأجداد.
وفي ليلة تاريخه مات المعلم عمر ابن المعلم أحمد بن علي بن إسماعيل السحولي المكي الخطا (^٢) بعد توعّكه مدة يسيرة، فجُهّز في ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة الصبح ودفن عند والده بالمعلاة. وكان مباركًا فاضلًا حفظ كتبًا منها الأربعين للنووي والمنهاج له واشتغل قليلًا ولازم طريقة التصوف والصلاة مع الجماعة وكثرة الطواف، رحمه الله تعالى ونفع به.
وفي ليلة الخميس ثامن عشر الشهر مات الشريف حميدان بن شامان ابن (^٣) الحسيني الشرفي صهر صاحب الحجاز السيد بركات بن محمد وابن خال أبيه. وكان قدم عليه في شهر رمضان بأرض حسان فتوعّك بها عند ابنته الشريفة غنية (^٤) والدة الشريف أبي نمي وثقبة، ثم قوي عليه الألم فحُمل إلى مكة وصحبته ابنته فجهّزته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح من يوم تاريخه عند باب الكعبة ونادى عليه الرئيس في المطاف، وشيّعه جماعة من الأعيان ودفن بالمعلاة عند قبور الأشراف خلف قبّة ابن أخته السيد محمد بن بركات. وعُمل له ختم في رابع وفاته حضره القضاة والأعيان وعزى ابنته جميع الأشراف بمكة. ولم يحضر وفاته صهره ولا أحفاده، رحمه الله تعالى وإيانا. ولأجل وفاته بطل القاضي من عمل سابع لابن أخيه، وذلك حزنًا عليه.
_________________
(١) بالأصل: بن.
(٢) كذا بالأصل، ولعلها الحطاب.
(٣) بياض بمقدار كلمتين بالأصل، ولعله شامان بن زهير الذي ذكره العز بن فهد مرّات في كتابه غاية المرام، انظر فهارسه.
(٤) كلمة غير واضحة بالأصل.
[ ١ / ١٧٧ ]
وفي ليلة السبت عشريْ الشهر سقط سقف المدرسة الجمالية وكان نائما فوقها الكاتب على الصدقة الرومية وولده فتألما لذلك وحصل لهما عاطل في يديهما، ويقال إنّ الولد يُخشى عليه، فالله تعالى يسلّمهما. وفي صباحها انتقل الكاتب منها إلى المدرسة البنجالية، المتحدث عليها الشيخ عبد الله الشيبي.
وفي صبح يوم الأحد عُمل ختم بالمعلاة للشريف حميدان صهر صاحب الحجاز.
وفي يوم تاريخه ماتتْ زوجة قاضي القضاة الحنبلي محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة القرشي وشيّعها جماعة من الفقهاء بعد الصلاة عليها ضحى عند باب الكعبة، ودفنها القاضي الحنبلي في تربة السادة المشائخ الصوفية الفضيل بن عياض وعبد الله أسعد اليافعي، وكان والده دفن بها. وأخذ العزاء فيها مع أرملة مطلقة منه وهي مصرية تزوج بها في القاهرة. وتزوجتْ البنت في العام الماضي على مملوك الشريف بركات وهو غائب عن مكة لم يحضر وفاتها. رحمها الله تعالى.
وفي صبح يوم الإثنين ثاني عشريْ الشهر اجتمع الشريف عرار والقاضي الشافعي ونائب جدة عند الأمين على الصدقة الرومية وتكلموا في أمرها من جهة تعلّق الشريف، صاحب الحجاز المنيف، ورأوا الدفتر وفيه أسماء له، وطالب جماعة الشريف بركات بمتعلّقه فيها، فأخرج الأمين هدية السلطان له وهي قماش بمائتي دينار فأكثر، فأخذها جماعة الشريف منه وأمروه بتأخير القسمة حتى يكاتبوا الشريف ويأتي جوابه. وحضر في المجلس الشريف عبد الله الفراش ومعه مرسوم بولاية وظيفة المشدية في المدرسة القايتبائية بمكة المشرفة ومعلومها ستون دينارًا، فعارضه الشريف عرار وقال علينا جواب السلطان وقصْدنا حدان (^١) جماعة السمرقندي وأنت ابن خالته، فتشوش لذلك وانتهر
_________________
(١) كذا وردت بالأصل.
[ ١ / ١٧٨ ]
الرومي المتولي عليه، فالله تعالى يلطف بالمسلمين.
وفي يوم تاريخه أشيع أن الشريف توجّه إلى العزيب (^١) جهة اليمن، فانتظره الأمين الجمعة سادس عشريْ الشهر فلما أبطأ الجواب اتفق مع الكاتب ونائب جدة على التفرقة بعد صلاة الجمعة فحضر الجميع في بيت الكاتب وصحْبتهم الشيخ الرئيس مصطفى الرومي وبعض المستحقين والأعاجم وتأخر القضاة والأعيان لأجل الدولة المكية، فبلغ جماعة الشريف فعلهم فجاء الحاكم القائد مبارك بن بدر إلى الأمين وقال له: الأدب مطلوب، كان ينبغي لكم انتظار جواب الشريف. فأجابه الأمين بأني ما فرقت الصدقة العامة وهذه صُرر أمانة معي لأربابها، فتكلم الحاكم على بعض الحاضرين من الفقهاء فلم يجبه أحد منهم واستمرتْ القسمة إلى بعد آذان العصر. وكان في المجلس قبض الشيخ نور الدين حمزة الرومي صررًا له ولبعض جماعته وقدر ذلك مائتي دينار وتوجّه بها إلى منزله وردّ منها واحدًا زاعمًا أنه زاد معه في العدد. فتكلم الناس ذلك وقال بعض الأروام في المجلس: لا يُعرف الرجل (^٢) وإظهار الزهد والثناء عليه غير جميل.
وكان إذا حضر في مثل هذا المجلس يؤذي المستحقين، فأراحهم الله منه (^٣) وعوضهم بالأمير قاسم الشرواني نائب جدة والعلامة المدرّس مصطفى الرومي فإنهما كثيرا (^٤) النفع لقضاء الحوائج ومساعدة المستحقين جزاهما الله خيرًا وكثر من أمثالهما.
_________________
(١) العزيب: ذكره ولم يحدد مكانه ياقوت في معجم البلدان ٤: ١٢٠.
(٢) بياض بمقدار خمس كلمات.
(٣) بالأصل: فأراحه الله منهم.
(٤) بالأصل: كثيران.
[ ١ / ١٧٩ ]
وفي صبح يوم السبت ثاني تاريخه اجتمعوا أيضًا وأرسلوا للقضاة وجماعة الشريف فحضر الجميع وروّح الأمين تعلّق الشريف من الأسماء الواردة في الدفتر لصهره الشريف عرار بن عجل، واتفقوا على التفرقة وإرضاء الشريف بعد ذلك. وحصل في أول المجلس خصام بين القاضيين الحنفي الجديد والحنبلي بسبب تعصّب ثانيهما مع القاضي الحنفي المفصول في معلوم تدريس الحنفية كان من مقابيض الحنفي الجديد وأبيه من قبله، ووقع بينهما كلام لا طائل تحته، وانتصر نائب جدة للحنفي الجديد وتكلم على الحنبلي بل من المجلس وخرج منه، ثم عاد بطلب منه ثم عاد بطلب منه للصلح بينهما. وتشوّش كثير من الناس لذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وبعد ذلك قُسم المعلوم بين القاضيين فأخذ المتولي الثلثين (^١) وهو عشرون دينارًا والمفصول الثلث وفرق بقية الصرر وشرع في البيوت فأعطى بعضهم وانصرفوا بعد أذان الظهر والناس راضون بتفرقتهم داعون لسلطانهم. فالله تعالى ينصر سلاطين المسلمين ويرخص أسعارهم ويقضي الدين عن المدينين.
وفي صبح يوم الأحد ثامن عشريْ الشهر فرّق غالب البيوت في الصدقة الرومية ولم يحضرها الأمين لتوعكه، عافاه الله تعالى وشفاه.
وفي ثالث تاريخه وقع خصام بين نائب جدة الأمير قاسم الشرواني والشيخ المدرس مصطفى الرومي الحنفي بحضرة الكاتب على الصدقة الرومية وقت تفرقتها في منزله، وذلك أنّ الأمير - نصره الله - قصد الجميل مع أهل مكة لكونه لم ير (^٢) لهم مرتبًا في الصدقة الرومية كالأعاجم والأروام فقال: يُنظر في الفائض من مال السلطان مع الأسماء الشاغرة من الأموات والغياب فيُقرر الأعيان من المستحقين من أهل مكة، فقال
_________________
(١) بالأصل: الثلثا.
(٢) بالأصل: لم يرى.
[ ١ / ١٨٠ ]
له الشيخ مصطفى: الأروام يستحقون ذلك أكثر منهم، فقال له الأمير: السلطان ما قصد إلا أهل مكة والرومية لا يُسَمّى إلّا لهم، وليس لهم فيها مرتب. فترادا في الكلام، فقام الأمير من المجلس وتركهم فانفضوا بعده ولم يفرّقوا على أحد لأنه الناظر على التفرقة كما رسم به السلطان في مرسوم أرسله في هذا العام مع الأمين والكاتب. فكثر الدعاء من أهل مكة للأمير والوقيعة في المعارض له، فالله تعالى يخذله ويؤيد الأمير وينصره.
وفي آخر النهار اجتمع جماعة من الأروام وتوجهوا بالشيخ مصطفى إلى منزل الأمير وأصلحوا بينهما، فعفا عنه واتفقوا على ما يريده من الخير، فالله يُكثر من أمثاله ويدفع عنه شرّ كل وضيع.
وأشيع في هذه الجمعة وصول مركبين من عدن وأخبار ثماني مراكب بعدها. فالله تعالى يحقق ذلك ويرخّص أسعار المسلمين، ويكتب السلامة على المسافرين، بجاه سيد الأولين والآخرين.