وفي صبحه صلّى أهل مكّة العيد بالمسجد الحرام كعادتهم وخطب بهم المحيوي العراقي خطبة طويلة تأنّق فيها ولم يرتضها كثير من الناس لطولها وعدم أنسه، [فإنه مسلوب الأنس متكلف] (^١).
وفي ليلة تاريخها مات الخواجا محب الله العجمي أخو (^٢) الخواجا زين الدين الناظر بجدة كان، فجهّز في ليلته وصلّي عليه بعد صلاة العيد عند باب الكعبة قبل الخطبة وشيّعه جماعة من الأعيان لباب السلام وعادوا، وتوجّه معه خلق من الأعاجم [ثم بُنيت (^٣) عليه قبة، وهي تحت قُبَب أمراء جدة] (^٤).
وفي مغرب ليلة الثلاثاء ثامن الشهر ماتت المرأة الجليلة المعمّرة كمالية ابنة الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد الحرازي المكي الحنفي والدة إماميْ الشافعية الزيني عبد المعطي والشرفي يحيى الطبريان. وكانت مريضة نحو سنتين، فجهّزت في ليلتها
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بالأصل: أخي.
(٣) بالأصل: بني.
(٤) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
[ ١ / ٤٦٤ ]
وصلّي عليها عقب صلاة الصبح وشيّعها خلق من الفقهاء وغيرهم ودفنت في المعلاة في تربة سلفها عند بني ظهيرة وبيت النويري.
وخلّفت لولديها أثاث بيتها من نحاس وصيني وغير ذلك وبعض نقد. وكانت على طريقة السلف الماضي في طرح الكلفة والحرص على حفظ متاعها، وعمرها نحو سبعين سنة. وعمل لها ربعة وختم في صبح يوم الجمعة بواسطة أخواتها وأولادها، رحمه الله تعالى وعوضهم خيرًا.
وفي يوم تاريخه وصل لمكة الخبر بوصول جلبة لجدة من الطور فيها الخواجا أحمد بن أبي بكر السكندراني وأخبر بوصول قاصد صاحب مكّة من الروم القائد شهاب الدين أحمد بن نصر الحسني إلى بندر الطور لأجل شحنة جلبتهم (^١) فيها على عادة القصاد في مسامحة عشورها له ومعه مراسيم خنكارية وبلغة لمرسله السيد الشريف أبي نمي واستمراره على وظيفته وقبول هديته. وأن معه عدة مراسيم بتولية قاضي الحنفية أبي السرور بن الضياء عوض بديع الزمان في قضاء مكّة وتولية قاضي المالكية بها الشرفي أبي القاسم الأنصاري عوض التاجي تاج الدين بن يعقوب وتولية الخطيب عبد الرحمن النويري لثلثي الخطابة بالمسجد الحرام عوض المحيوي العراقي وكان بيده الثلث منها فتم له جميعها، وتواتر الخبر بذلك.
وفي ليلة الإثنين رابع عشر توجّه قاضي القضاة أبو (^٢) القاسم المالكي بعياله لوادي هدة بني جابر مع سماعه بخبر ولايته ولكنه لم يحققها.
وفي صبح يوم الخميس سابع عشر الشهر وصل لمكة قاصد من ينبع وأخبر أنه فارق القاصد أحمد بن نصر منها ومعه أوراق فيها خبر ولاية القضاة والخطيب عبد الرحمن، فتجرَّأ خصمه العراقي على الخطبة يوم الجمعة ثاني تاريخه مع أن القاصد
_________________
(١) وردت الكلمة بالأصل غير معجمة.
(٢) بالأصل: أبي.
[ ١ / ٤٦٥ ]
وقف على أرباب الوظائف وأخبرهم بذلك وأخذ منهم بشارته، وأنكر الناس مباشرته الخطبة خفية ولم يواجهوه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي صبح يوم الخميس المذكور مات الشيخ الأصيل شرف الدين إسماعيل بن محمد بن إبراهيم العراقي المكي بعد توعكه مدة بحصر البول، فجهّز في يومه وصلّي عليه عصر تاريخه وشيّعه جماعة ودفن بالمعلاة عند تربة سلفه قريب الدرب، وحزن الناس عليه لضعفه خصوصا بعد إخراج نظر البيمارستان المكي عنه في العام الخالي. وبه انقرض بيت العراقي نُظّار البيمارستان من الرجال، وكان عمره نحو سبعين سنة.
وخلف زوجته (^١) ابنة السيرجي لأنه تزوج بها في عام تاريخه ويقال إنها حاملة منه ولم يصح. ونزل بالتحدث على رباط البانياسي في الصفا للقاضي أبي البقاء بن ظهيرة القرشي وغير ذلك من جهاته، وجعله وصيّه، ولم يخلّفْ كبير أمر بل بلغني أنّ تركته بيعتْ بنحو عشرين دينارا وأنّ دينه نحو خمسين أشرفيا، سامحه الله تعالى وعفا عنه.
وفي ليلة الأحد عشريْ الشهر وصلت لمكة قافلة المدينة الشريفة وفيها القاضي عز الدين الفائز بن ظهيرة بعياله والشيخ شهاب الدين بن عبد الغفار والعفيف الفاكهي وجماعة، وهنّأهم الناس بها.
وفي يوم تاريخه مات السيد المعمّر عفيف الدين عبد الله بن عبد اللطيف بن أبي السرور الحسني الفاسي، فجهّز في يومه وصلّي عليه ضحى عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة في تربة سلفه بشعب النور، ولم يخلف ذرية بل انقرض به أهل بيته من الرجال ما عدا النساء. وكان عمره نحو سبعين سنة وهو ممتع بحواسه مع ضعف بدنه وقلة ما بيده، رحمه الله تعالى وإيانا.
وفي يوم الإثنين حادي عشريْ الشهر ظهرت السرقة التي أخِذْت من خان
_________________
(١) بياض بمقدار كلمة بالأصل.
[ ١ / ٤٦٦ ]
عجل بالمسعى في أواخر شهر رمضان مع شخص مغربي كان باع بعض الرزق بجدة وجاء بأحدها شخص ليبيعها بمكة فعرفه فدلّه على المغربي الذي اشتراه منه، فمسكه وتوجّه به للحاكم فقرره فأقر بجميعها وأحضرها، ولله الحمد.
وفي يوم تاريخه وصل لمكة الوجيهي عبد الرحمن ابن الشيخ العلامة نور الدين علي بن ناصر المكي وكان توجّه إلى الروم صحبة القائد أحمد بن نصر وعاد معه إلى وادي مر وفارقه فيها، فهنأه الناس بسلامته وأخبر أنه تولى نظر أوقاف المدرسة الأشرفية القايتبائية مع مشدّيتها بمكة. ويقال إن النظر لأخيه العفيف عبد الله وإنه تقرر في صرة أخيه قاضي جدة كان شهاب الدين أحمد المتوفى بالروم في العام الخالي وقدرها أربعون دينارا ذهبا وأخبر أنّ المحيوي عبد القادر بن علي المزين تولى مشيخة رباط الأشرف قايتباي بمكة ونظر أوقاف المقرّ الزيني ابن مزهر بالمروة وتوجّه هو للشام برًا ليعود مع الحجاج. وأن قاضي الحنفية بالمدينة الشريفة خضر الرومي أعيد إليها لقضائها عوض القاضي أبي الفوز الخُجُنْدي وأن القاضي أبا (^١) الفتح بن صلاح الدين بن صالح تولى الإمامة والخطابة بالمدينة الشريفة عوض الخطيب زين الدين عبد الحق بن القطان لموته في الروم سنة تاريخه عقب ولايتها عن قاضيها الشافعي السيد عبد الله السمهودي مع أن أخاه السيد جمال الدين محمد مقيم بالروم ليتعقّبه في عود الوظائف لأخيه، وقد وُعِد بها بعد خروج خصمه.
وتعجّب الناس من ولاية الأروام لهذه الوظائف وعزل أربابها بسرعة مع أنّ صاحب مكّة السيد أبا (^٢) نمي أمر قاصده بالسعي لقاضي مكّة الشافعي المحبي بن ظهيرة في قضاء جدة وعودها له وعزل المتولي عوضه فيها [قاضي] (^٣) الحنفية بمكة بديع الزمان بن الضياء فلم يُجَب لذلك. ويقال إن المتولي لها أرسل لقاضي العسكر
_________________
(١) بالأصل: أبي.
(٢) بالأصل: أبي.
(٣) كلمة سقطت من الأصل، أضفناها لأن المعنى يتم بها.
[ ١ / ٤٦٧ ]
الناظوي (^١) بهدية في عام تاريخه ووعده بإرسال مبلغ في كل عام يقال قدره ألف دينار. والله أعلم بحقيقة ذلك. والغالب على أهل الروم الطمع في أرباب الوظائف لما رأوه من تكالبهم (^٢) على السعي فيها. فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويولي عليهم خيارهم.
وفي ضحى يوم الثلاثاء ثاني تاريخه وصل لمكة قاضي القضاة المالكي الشرفي أبو القاسم الأنصاري ومعه مرسومان بولايته للقضاء، أحدهما من القائد أحمد بن نصر من الوادي وأخذ عليهما خط السيد الشريف أبي نمي بإجابته على استمراره فيها. وهنأه أهل مكّة بالولاية وتغمّموا للمعزول القاضي تاج الدين بن يعقوب وكذا قاضي الحنفية أبو السرور بن الضياء والخطيب عبد الرحمن النويري وباشر الخطبة في الجمعة الآتية وصحبته ستة أعلام، أربعة جاء بها (^٣) من منزله واثنان موضوعان في قبة الفراشين بالمسجد الحرام. وكان أخذ اثنين من خصمه المحيوي العراقي. وبلغني أنه أرسل بهما له إخسارا.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشر الشهر وصل لمكة القائد أحمد بن نصر وتوجّه الأعيان للسلام عليه. وعمل له أهله مَدّة في منزله. ونادى الحاكم بزينة أسواق مكّة سبعة أيام، فزُينت زينة خفيفة لم يعْتن الناس بها لاشتغالهم عنها بأحوالهم. فالله تعالى يلطف بالمسلمين.
وفي عصر يوم السبت سادس عشريْ الشهر وصل الخبر لمكة بوصول مراكب لجدة من الطور فيها نائب جدة داود الرومي، أحد الدفاترة بالقاهرة، وكان وصوله لها في آخر يوم الخميس.
وفي عصر يوم الجمعة حلّها ملك التجار السيد علاء الدين الحسيني
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) بالأصل: تكلّبهم.
(٣) بالأصل: بهم.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وصحبتهما جماعة من الحجاج، وتحدث الناس بوصولهما لمكة مع صاحبها الشريف أبي نمي لقراءة المراسيم الخنكارية ولبس الخلع الشريفة في ثاني الشهر. وكانت (^١) نية الشريف الوصول إليها قبلهم عند وصول قاصده فتأخر في الوادي لفراغ تسقيف المقعد الجديد بمنزله دار السعادة مع رفرفه وتبييضه، فبُيض وصار نزهة للناظرين، ولله الحمد والمنة.
وفي عصر يوم الثلاثاء تاسع عشريْ الشهر طلع قاضي القضاة الشافعي وناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة على جبل أبي قبيس لرؤية الهلال، على العادة، وصحبته جماعة من الأعيان والفقهاء والشهود والقضاة فصلّى المغرب هناك ولم يره. فكان هذا الشهر تاما، ولله الحمد.