وفي ثالث الشهر يوم الجمعة خطب المحيوي العراقي خطبة عرّض بعدم الطيرة في هذا الشهر. وكان عرضها على سيدي الشيخ محمد بن عراق وهو مريض فتشاءم بها ومقته الناس في عرضها وذلك لسوء طويته، وعدم الموقع لموعظته، [لمحبّته التعاظم وعدم تلبّس سلفه للأبهة] (^١).
واتفق أنّ سيدي الشيخ محمد بن عراق اشتد به المرض بعدها ومات في عصر يوم الأحد ثالث تاريخه. وعُدّ ذلك من شؤمة الخطيب على المسلمين، وظهور ثلمة في الدين.
وكان وجعه برياح القولنج والحمى الشديدة (^٢) التي كانت تمنع غيره من مباشرة أمور عديدة (^٣) وهو مع وجودها شاهدتُه صلّى الظهر جماعة في محله أمس يوم وفاته وهو متفكّر فقرأ في الأوليين بالفاتحة والسماء والطارق والسماء ذات البروج حرصا على السُنة (^٤) في فعل ذلك لما رواه الترمذي في جامعه أن النبي ﷺ كان يقرؤهما في الظهر والعصر (^٥)، ويلازم الصلوات الخمس في وقتها مع سننها وذكر أوراده وتلاوة القرآن فيها ويباشر الفرض قائمًا والسنن قاعدا ما عدا ظهر يوم
_________________
(١) ما بين عاقفتين بخط قطب الدين النهروالي.
(٢) بالأصل: الشديد.
(٣) بالأصل: عديد.
(٤) يُلاحَظ أن ابن عراق صلّى الظهر وهي ليست صلاة جهر حتى يتعرّف المؤلف على السُوّر التي قرأ بها المصلّي.
(٥) الترمذي: الجامع الصحيح ٢: ١١٠ (تحقيق أحمد محمد شاكر).
[ ١ / ٣٨٨ ]
وفاته فإنه صلاها قاعدا، وقال: هي صلاة الوداع، مع وصيته عقبها بعدة من الخيرات والصلة والمبرات، بل عرجت روحه [٩٣ ب] السعيدة، وهو يتلو آيات من القرآن عديدة. وحضر لوفاته (^١) جماعة من الفقراء والمحبين، ممن انتظم في سلك العلماء والصالحين، فعادت بركته عليهم وفاحت نفحاته (^٢) لديهم، فسمع الناس بذلك، فقصده للسلام عليه كل قاطن وسالك.
فكانت ساعة مهولة ذرفت لها العيون ووجلت لها القلوب، فيالَها من ساعة لم يُر مثلها ولم يفْجَع الخلق بأعظم منها، فثَبتَ عندها من وفّقه الله، وتلا عليه ختمة من كلام الله، وكان فراغها عند ابتداء غسله وقت السحر، وجهّز من وقته ووضع عند باب الكعبة والحجر، وصلّى عليه عقب صلاة الصبح يوم الإثنين قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة، بعد نداء الرئيس له بألقاب معتبرة شهيرة، وشيّعه خلق من الأعيان، وغيرهم من الرجال والنساء والصبيان، ودفن بقبر جديد في الشعب الأعلى أمام قبر الشيخ أبي كثير بالمعلاة، وهرع الناس صباحًا ومساءً للقراءة عليه خمسة أيام، وأنشدت عنده مرثيتان (^٣) يوم الختم، وذلك يوم الجمعة عاشر الشهر الحرام، أولاهما (^٤) للشيخ الصوفي الأديب بدر الدين حسن بن الإدلبي الحلبي نزيل مكّة المشرفة وقرأها بلفظه وعدتها سبعة وعشرون بيتا ومطلعها:
فرّق الموت بيننا بالفراق … ما أمرّ المنون عند المذاق
هكذا تفعل المنايا دواما … وطؤها بالمناسم الأعناق
وثانيتهما (^٥) للعلامة البليغ زين الدين عبد اللطيف بن علي بن إبراهيم الأزهري
_________________
(١) بالأصل: بوفاته.
(٢) بالأصل: نفحاتهم.
(٣) بالأصل: مرثيتين.
(٤) بالأصل: أولهما.
(٥) بالأصل: ثانيهما.
[ ١ / ٣٨٩ ]
المعروف بالديربي … (^١) وعدتها نحو ستين بيتًا ومطلعها:
أسهد الناس هول يوم التلاق … مَشهد القطب سيدي ابن عراق
حين قد مات أظلم الجو حتى … أفجع الناس ظلمة الآفاق
فُجِع الناس في إمام وليّ … حجة الله صفوة الخلاّق
ونحب الناس بالبكاء عند سماعهما، فالله تعالى يغفر لأهل الجمع، وينوّر لهما القلوب والسمع. وبعد ذلك أجاز لي الناظمان للقصيدتين (^٢) روايتهما عنهما وأنشدني الثاني بعضها من لفظه مع خمسة أبيات من نظمه بالمسعى الشريف وهي:
بموت ابن العراق أبي علي … ترى الدنيا وساكنها بُكيا
وبيت الله والمسعى وأفضى … أباطحه عليه غدا سجيا
وليّ الله كان بغير شك … على وفق الكتاب محمديا
تنقّل في جوار الله حيا … من الدنيا إلى الأخرى وليا
سقى الرحمن تربته غواد … تسحّ بقبره سَحّا قويا