استهلّ كاملا في ليلة الجمعة.
وفيها انتقلت زوجتي إلى منزلي وعملتُ لها حلوى في منزلي وقدّمتُ للنسوة الذين جاؤوا بها وفرّقتُ بعضها على الجيران وبعض الأصحاب، وأخلف الله عليّ بخير.
وفي ليلة الأحد ثالث الشهر وُلِد الولد عمر بن المعلّم حسين بن عمر البنّاء كأسلافه.
وفي عصر يوم خامس الشهر مات الشيخ المبارك العالم معز الدين طاهر بن العماد محمد بن الغياث محمد بن السيف محمد الهروي الأصل المكي الحنفي بعد انقطاعه مدة وتغير حاله من كثرة شُرب القهوة، فجُهّز في صبح ثاني تاريخه، وصليّ عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة الشريفة، وشيّعه جماعة من الفقهاء إلى المعلاة، ودُفِن شرقيّ تربة شيخه الشيخ عبد المعطي المغربي عند الحجون. وخلّف ولديْن ذكريْن - رحمه الله تعالى ونفع به - فإنه كان من أكابر المعتقدين وله محبّة وتودّدٌ، وعمره اثنتان وثمانون سنة.
وفي ظهر تاريخه مات الفتى جوهر بن عبد الله الحبشي اليماني الصلاحي فتى شيخ الإسلام قاضي القضاة الصلاحي بن ظهيرة الشافعي، وكان ذا عقل واحتشام، وتوعّك مدة أشهر، فحزن عليه سيده وجُهّز في يومه وشيّعه خلق من الفقهاء والتجّار وغيرهم إلى المعلاة ودُفن في تربة أسلاف سيده المستخلاة التي عند الحجون. ﵀ وأخلف سيّده فيه خيرا.
وفي ليلة الجمعة ثامن الشهر وصل إلى مكة المشرفة نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وصحْبته القاضي زين الدين الناظر والمحتسب بجدة لأجل تفرقة القمح التي
[ ١ / ٤٩ ]
أرسل بها الملك المظفر سليم خان بن عثمان من البحر في العام الماضي، وقدرها سبعة آلاف إردب، منها ألفا إردب لأهل المدينة الشريفة وخمسة آلاف لأهل مكة (^١)، ظهر منها ألفا إردب بعد بيع نصفها وهو ألفا إردب بجدة على أركان الدولة، كلّ إردب بخمسة أشرفية جملته خمسة آلاف، وحمل النصف الثاني إلى مكة. فاجتمع بأولهما القضاة الأربعة وتفاوضوا في أمرها فقال لهم: ضبطنا أسماء المقيمين بمكة من أهلها والغرباء الأحرار إثنى عشر ألف نفس، فيعطى لكلّ واحد ستة رباع مكية وثمانية محلّقة، فتشوّش لذلك كثير من الناس، فالله تعالى يُرخّص أسعار المسلمين ويستر أحوالهم ويُغْنيهم مِن سعة فضله.
وكان المباشر لكتابة أسماء المستحقين من أهل مكة والغرباء الفقهاء والفقراء والأغنياء والمتسببين، كما أشار له الأمير مصلح الدين الرومي بأمر السيد الشريف سلطان الحجاز المنيف زين الدين أبي زهير بركات بن محمد - نصره الله تعالى وأيّده - الفقيه العدل المرتضى رضي الدين محمد ابن الشيخ نور الدين علي الحناوي الأصل المكي المالكي. وكتبَ الناسَ بحسب أغراضه فبعضهم كتب جميع ما في بيته من الأحرار والأرقاء وبعضهم اقتصر على الأحرار، وبعضهم زاد لهم أسماء على عياله وأفسد أكثر مما أصلح، وعند الله يجتمع الخصوم.
فتكلم القضاة الأربعة في الزيادة لأنفسهم فلم يوافقهم الأمير قاسم الشرواني نائب جدة، فأرسلوا عرفوا السيد الشريف زين الدين بركات سلطان الحجاز المنيف من جدة بذلك، فطلب المباشر على الصدقة رضي الدين الحناوي المذكور فتوجّه إليه في عصر يوم الإثنين. وشرع الأمير قاسم في صبح يوم الثلاثاء ثاني غيبته في التفرقة بحلقة السلطان الأشرف قايتباي عند الحناطين وحضرها الأمير قاسم
_________________
(١) هو نفس عدد الأرادب التي ذكِرتْ في بعض الوثائق التركية. انظر أوزون: أمراء مكة المكرمة ص ٢٧ هامش ١٣.
[ ١ / ٥٠ ]
والقاضي زين الدين المحتسب بجدة والقضاة الثلاثة خلا الشافعي، فإنه اعتذر لوجعه وأرسل مباشرا من عنده وهو الفقيه العدل المرتضى ولي الدين أبو زرعة محمد ابن الشيخ نور الدين علي المنوفي فساعد المحبي محمد بن الرضي الحناوي الماضي ذكره لغيبة والده.
وكان الحَبّ مخزونا بحواصل فيها يُقال سبعة وقيل تسعة، فتأذّى كثير من الفقهاء وبدأ بإعطاء أهل السويقة كل واحد ستة رباعي (^١) حبّ وثمانية محلّقة ثم بقية الفقهاء متفرقين في حارات مكة. وبعد الفراغ منهم كتب لبقية الناس والأعيان أوصالا على عدّة عيالهم، فتوقف الأعيان في أخذها ثم قبلوها على نية التكلّم في الزيادة لهم. فتكلم القاضي مع الأمير قاسم الشرواني فأعطى كلّ واحد من القضاة - غير الشافعي - ثلاثة أرادب - كما يقال - ولبعض الأروام عدّة أرادب، وأما بقية الأعيان فلم تحصل لهم زيادة فأحاله على الكاتب الرضي الحناوي، فأجاب بحمق ومخاصمة.
وأنا ممن تكلم لنقص بعض عيالي وهم عشرة أنفس وأعطِيتُ عن ستة أنفُسٍ، وتُرك الباقي لعدم معرفة الكاتب بهم وقلة ذوقه ومروءته في إلحاقهم مع أنه كتب كثيرا من التجار والأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة ولا يستحقون الصدقة، وقصْدُه بذلك الشهرة والنفاق، فحصل له من العامة كثير من الدعاء والشقاق، فالله تعالى لا يخطيه من ذلك، ويعين عليه كلّ قاطن وسالك.
وفي ليلة السبت سادس عشر (^٢) الشهر ماتت حرير الحبشية موطوءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن حاتم المغربي المالكي، أم ولده الشرفي يحيى، فجُهّزتْ في ليلتها وصليّ عليها عند باب الكعبة بعد صلاة صبح ثاني تاريخه، ودُفنت بالمعلاة - رحمة
_________________
(١) الربعية: جمعها رباعي: مكيال يستعمل بمصر والحجاز وبغيرهما من البلاد العربية.
(٢) بالأصل: ثامن عشر والصواب ما أثبتناه انظر التواريخ الواردة في النص قبله وبعده.
[ ١ / ٥١ ]
الله عليها - وخلّفتْ ولدها المذكور.
وفي عصر يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر وصل إلى مكة المشرفة قاصد من الأمير مصلح الدين الرومي من ينبع إلى نائب جدة الأمير قاسم الشرواني ومعه عدة أوراق له وما عُلم خبَره، وذكر أنه أقام بالمدينة الشريفة ثمانية أيام وفرّق فيها الصدقة الرومية عن سنة ثلاث وعشرين (٩٢٣ هـ) وقرّر فيها صدقة في قراءة رَبْعة للملك المظفر سليم خان بن عثمان، كما فعل بمكة المشرفة.
وفي يوم تاريخه سافر قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة لزيارة السيد الشريف، زعيم الحجاز المنيف، زين الدين أبي زهير بركات - عاملهما الله بألطافه الخفيات - فواجهه وهو نازل بالرغامة (^١) بالقرب من جدة، فسلّم عليه ورحل الشريف من ذلك المكان إلى جهة الشام بنية التوجّه إلى عسفان فوادَعَهُ القاضي. وعاد إلى مكة في ليلة السبت ثالث عشريْ الشهر، فهرع الفقهاء للسلام عليه.
وكان الأمير قاسم الشرواني نائب جدة المعمورة ثاني يوم سافر القاضي الشافعي وهو يوم فرّق صدقة القمح على أهل الربط الذين بمكة، وكتب لمشائخها أوصالا على بعض الساكنين بها، وقال: مَن أخذ حصّته في البيوت لا يأخذ حصّته مرة ثانية، وذلك بتعليم الكاتب الرضي الحناوي له، فحصل بذلك ضررٌ كبير على كثير من الناس، فإن في ذلك قطع أرزاق لهم، فلا حول ولا قوة (^٢) إلا بالله العلي العظيم، وعند الله يجتمع الخصوم. وقد قسمتْ هذه الصدقة قسمة ما أريد بها وجّه الله، فإنه حرم منها المستحق وأعطى الغني للشهرة والجاه.
وفي يوم الخميس حادي عشريْ الشهر تكلم الأئمة وأرباب الشعائر بالمسجد الحرام مع الأمير قاسم في الزيادة من القمح والقضاة الثلاثة - خلا الشافعي - في
_________________
(١) أرض رملية خارج جدة على يمين القاصد إلى مكة يسيل فيها وادي غليل. البلادي: معجم معالم الحجاز ٤: ٦١.
(٢) كلمتان تكررتا في الأصل.
[ ١ / ٥٢ ]
إعطاء النقد، فأعطى ثاني تاريخه كلّ واحد من القضاة الثلاثة، عشرة أشرفية وزاد أئمة الشافعية الستة إردبين وأئمة الحنفية مثلهم وأئمة المالكية وإماما الحنابلة إردبًا واحدًا وفاتح الكعبة الشريفة وجماعته وخدام الدرجة والمؤذنون والفراشون والوقادون عدة أرادب - لا أعلمُ عدّتها - وبقية الفقهاء وطلبة العلم والصوفية حرموا وصار ذلك أسوتهم بالسوقة وأسافل الناس، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
وفي يوم الأحد رابع عشريْ الشهر وصلتْ إلى مكة المشرّفَة قافلة المدينة الشريفة وأخبروا أنها رخية.
وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه سافر نائب جدة إليها، ووصل إلى مكة الخبر أنّ السيد الشريف زين الدين بركات ولّى وزارة جدة للجمالي محمد بن راجح بن شميلة الحفيصي ورد له وظائفه التي كانتْ له بها، مع أن الناس يشكون منه تحكير القوت من الحب وغيره، لكنه له خبرة بخدمة أهل الدولة والمباشرة والميل إلى الصوفية وحسب الفقراء وقضاء حوائجهم والنقمة على الأغنياء كما أشيع عنه ذلك.
وفي ثاني تاريخه أشيع بمكة أن الخواجا الأجلي المحترمي التاجي تاج الدين الجوكقدار اللّاري أمين الصدقة اللاك (^١) الواصلة من عند ملك الهند الملك المظفر شاه ابن السلطان محمود شاه الكجراتي، قسم الصدقة المذكورة على حكم سنة واحدة وأصلها خمسمائة قطعة لأهل مكة والمدينة بالسوية بينهما، وذلك عن معلوم سنتين ونصف أولها سنة تسع عشرة وتسعمائة (٩١٩ هـ) فقال للمستحقين: إن معلوم نصف سنة وهو مائة قطعة أصرفها في الطريق وكان توّه في بندر عدن. وأخذ السيد الشريف بركات زعيم الحجاز المنيف ثلثها على العادة القديمة، والباقي سُرق لتفريط زين الدين عليها بوضعه لها في أحواش جدة التي بالساحل، وقال بعض الفضلاء في معنى ذلك وشكوْه إلى السلطان مظفر شاه.
_________________
(١) اللاك: استعمال فارسي وهندي للدلالة على مائة ألف، وقد يستعمل لما هو أكثر.
[ ١ / ٥٣ ]
يا أيها السلطان الملك الذي … مناقبه الحسنى وأوصافه الغرر
نشكو إليك تاج الدين الذي … قد مسّنا من فعله أوفى الضرر
لو قيل لي أختاره لك ناظرا … قلتُ العمى، ولا هذا النظر
ورحم الله شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين النجمي ابن يعقوب المالكي قال في المعنى ضمن قصيدة طويلة عند وصول اللاك في سنةِ قبل تاريخه حيث أبدلت التنكات (^١) باللاك كهذه:
يا من غدا فينا يدك … ويبدّل التّنكات لك
إنّ المليك مظفرا … إن يدر أحشاء يصك (^٢)
وتوجّه لذلك إلى جدة قضاة مكة الثلاثة - خلا الشافعي - وكثير من الفقهاء وغيرهم من المستحقين فوجدوا الناظر عليها سافر منها إلى جهة السيد الشريف بركات في ينبع، بسبب أنه وقع بينه وبين الوزير محمد بن راجح مخاصمة، وذلك أن الشريفة أم المسعود ابنة عجل تكلمت في قبض صرّ قاضي المالكية كان الزيني عبد الحق النويري لكونه وكّلها عند سفره، فقال لها الناظر: السلطان أمرني بدفع المعلوم للمتولي، فأهين بسبب هذا القول وضرب غلمانه وأخذ منه المعلوم كرها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.