كانت الأسعار فيه رخيّة والأحوال فيه مرضية ولله الحمد والمنة.
وفي ليلة الأحد خامس الشهر ماتت المعمرة أم ربيع كوكب ابنة عبد الله الزنجية عتيقة الجد الشيخ تقي الدين بن فهد وعمرها نحو التسعين سنة فجهّزت في
[ ١ / ٤٣٤ ]
يومها وصلّي عليها ضحى ودفنت بالمعلاة بتربة معتقها بجانب مصلب سيدنا عبد الله بن الزبير، ﵄، وخلفت ولدها ربيعًا الصائغ، رحمها الله تعالى وعفا عنها.
وفي ظهر يوم الثلاثاء سابع الشهر ولد الطفل أبو عبد الله محمد ابن صاحبنا الشيخ جمال الدين محمد بن أبي بكر بن الشّلْح (^١) السلمي المكي (^٢)، وهو ثالث ولديْن درجا له، فالله يُحييه له ويقرّ عينه به.
وفي ظهر يوم الأربعاء ثاني تاريخه مات الخواجا وجيه الدين عبد الرحمن بن الخواجا جمال الدين محمد بن حسن الطاهر الصعدي الأصل المكي وجهّز في بيت زوج أخته الحاكم بدر الدين علي الجنيدب بالمعلاة وصلّي عليه صبح يوم الخميس ودفن بالمعلاة على قرابته وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم وأخذ العزاء فيه قرابة له وصل من البلاد كان له عليه شفقة وإحسان، وخلف ولدين (^٣) هما محمد وعلي باليمن وابنة بمكة ولم يبق له شيء من الأملاك بل باعها مع جميع جهاته بأبخس الأثمان وأنفقها في لذاته حتى افتقر. وتاب إلى الله تعالى وصار يتهجد في الليل وخُتم له بخير، ﵀ وعفا عنه.
وفي ضحى يوم الخميس تاسع الشهر وصل لمكة صاحبها الشريف الحسني بجماعته وعسكره فتوجّه الأعيان للسلام عليه ما عدا القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة فإنه متوعك في منزله، فتوجّه الشريف في عصر تاريخه لزيارته وفي عوده دخل منزل قاضي الحنفية بديع الزمان ابن الضياء وجلس في دهليزه فعرض عليه الضيافة
_________________
(١) بالأصل: الشيخ، وهو خطأ يتبين لك في ما بعد.
(٢) هو جمال الدين محمد بن أبي بكر الشلح السلمي المكي، مؤرخ مكي، لم نجد له ترجمة. وصفه المؤلف جار الله بن فهد بقوله "صاحبنا" كما وصفه المؤرخ عبد القادر الجزيري في الدرر الفرائد بقوله "صاحبنا" أيضا وقال: ورأيت في قطعة من تاريخ صاحبنا العلامة محمد الشلح السلمي. وجمع الشيخ حمد الجاسر بعض تعاليق مفيدة عنه في مقدمة تحقيق الدرر الفرائد ص ٢٤.
(٣) بالأصل: ولدان.
[ ١ / ٤٣٥ ]
فحلف أنه صائم، وعادته يصوم الإثنين والخميس، فصار أصحابه يتحدثون بذلك ويظهرونه لكل قاطن وسالك.
وفي ظهر يوم الجمعة عاشر الشهر ركب الشريف أبو نمي من المسجد الحرام وتوجّه إلى جهة الحجاز لمحاربته عرب بني لام الذين غزاهم في العام الماضي، فإنه بلغه أنهم قربوا من جهة الحجاز ويقال برُكْبه (^١) وأمر عسكره بلحاقه، فالله تعالى ينصره عليهم ويُظفره بهم.
وفي صبح يوم الإثنين ثالث عشر الشهر اتفقت فيه قضية شنيعة وثلمة في الإسلام وهي أن شخصا يقال له زين العابدين الخانكي ادعى على ابن طليقته قاضي الحنفية بمكة المعزول وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي الغيث بن زبرق الشيباني بمبلغ مائتين وثلاثين دينارا بمسطور كُتب عليه في القاهرة يقال إنه اختلس مرسومه لولاية القضاء من الروم فصالحه على إعطائه له بهذا المبلغ والخصم يُنْكر ذلك ويدعي أنه دفع له المبلغ المذكور دينا وتغلب على إعطائه، فادعى عليه عند قاضي المالكية تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة النجمي محمد بن يعقوب وطلبه للتوجّه إليه، وكان بزيادة دار الندوة من المسجد الحرام، فأغلظ له في الكلام، وأكثر عليه الملام، فضربه القاضي عبد الرحمن بمداسه فشلش (^٢) عليه خصمه وجرّه من ثيابه وتوجّه إلى بيت القاضي المالكي التاجي بن يعقوب وكان عنده جماعة من الأروام وأهل البلد، فقام له المالكي وأكرمه وخاطبه باللطف في المقال، فصار الحنفي يغلظ للمالكي في القول وادعى خصامه في المال فغضب لنفسه وحمي له الجماعة الذين في مجلسه ففهم الحنفي منهم البطش به فبدأ برمي عمامة المالكي من على رأسه فضربه حينئذ المالكي
_________________
(١) ركبة: مكان شمال شرقي الطائف يبعد عنها ٣٥ كلم في طريق حاج العراق. انظر تعليق د / الباز في الهامش ٦ صفحة ٢٥٩ من الجزء الرابع من إتحاف الورى للنجم ابن فهد، وذكرها البلادي في معجم معالم الحجاز مرات كثيرة، انظر فهارسه.
(٢) كذا بالأصل "شلش" ولعله لفظ عامي.
[ ١ / ٤٣٦ ]
بنعله وساعده حينئذ الحاضرون بمجلسه فأوجعوا الحنفي ضربا فقطعوا ثيابه ورموا (^١) عمامته. فسمعت أم الحنفي كمالية ابنة أبي البركات ابن الضياء بما جرى لولدها فخرجت من منزلها باكية وتبعها العامة إلى منزل المالكي، فكانت بينهم كلمات قبيحة وأفعال شنيعة أنكرها كل من حضرها أو سمعها وشدّد المالكي في الحكم على الحنفي بديع الزمان لخصمه، فضمنت أمه ذلك وخرجت بولدها وذهبت به إلى منزلها.
وكان وقع في يوم تاريخه موت النوري علي ابن قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وهو طفل عمره نحو ثمانية أشهر فخرجوا بجنازته ومروا بها من على بيت الحنفي المضروب فقام الحنفي في طاقة بيته فصار يسب المالكي وأصحابه وصهره الخواجا أبا البقاء السكري بلفظ شنيع، فتوجّه السكري إلى منزل الأمير مصطفى نائب جدة الرومي فشكى عليه سبّ الحنفي له ولصهره وأصحابه وادعى أنه مجنون وطبخ له طبخة عنده عقب صلاة العصر بعد تشييع الجنازة إلى المعلاة، وطلع فيها غالب أهل البلد من الكبار والصغار ما عدا والد الميت لتوعكه، فإنه رجع إلى منزله من المسجد الحرام والخواجا السكري والمحبي ابن الشيخ أيوب صاحب المالكي، فتوجّه الأروام إلى بيت الحنفي وأخرجوه منه بعنف وإهانة بالضرب والجر وهو حاف بلا ثياب وعمامة، فرثى له جميع من رآه حتى الشامت منهم المحبي بن أيوب وأعطاه ملوطته ونعله، وشقّوا به من على بيت المالكي والسكري والحنفي المتولي حتى ذهبوا به إلى سوق المسفلة فدخلوا به إلى بيت النائب بالعسه فوجدوا السكري عنده فيقال إنه ضربه بيده على وجهه ورأسه وأحضروا له فلقة وعصا لضربه وتجريسه وخيّروه في ذلك أو وضعه في البيمارستان، فذهبوا به إليه ووضعوا في حلقه جنزيرا حديدا ووضعوه في الطاقة التي على المسجد الحرام. فتألم له كل من رآه
_________________
(١) بالأصل: وأرموا.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وأنكر هذا الفعل الخاص والعام، وعُدّ ذلك من الجرأة والإقدام، وعدم المبالاة بالحكام، ومخالفة الشرع والإسلام، فنعوذ بالله من الغرور والانتقام.
ولما رأت أم الحنفي ذلك تألمت في نفسها ودعت الله بخلاص ولدها وترددت إلى المالكي والسكري فكل منهما يحلف بالتبري من ذلك ويجتري، فاستمر الحنفي في البيمارستان إلى الصباح فتوجّه السكري إلى الأروام وسألهم في إخراجه وتوجّه إليه بنفسه ومعه شاهدان شهدا على الحنفي بتعديه على المالكي والسكري وكتب ورقة بذلك وأطلقه بحضرة الأروام. فتوجّه الحنفي بعد ذلك إلى المطاف ودعا الله تعالى في الملتزم، على السكري ومَن له ظلم، فالله يتقبّل ذلك، ويطهر مكّة من أهل الفتن والمهالك، بجاه سيد الأنام، محمد بدر التمام، عليه أفضل الصلاة والسلام.
وفي يوم الجمعة سابع عشر الشهر جاء الخبر إلى مكّة بنصرة الشريف أبي نمي على عرب سبيع، قبيلة من بني لام في جهة الشرق، وأنه واجههم في يوم الثلاثاء وكاد لهم فقُتل له مملوك وبعض جماعته وجرح آخرون وقتل من العرب نحو العشرين نفسا وقيل خمسون واضطرب الناس في الخبر وتحققت النصرة وترادفت الأخبار بها.
ثم في يوم الخميس ثالث عشريْ الشهر وصل عسكر الشريف من بني حسن وغيرهم إلى مكّة، ثم هو في صبح ثاني تاريخه يوم الجمعة ودخلها بعرضة على ركاب والخيل أمامه مجردة نحو العشرين يقال إنه كسبها من العرب مع أغنام كثيرة يقال نحو عشرة آلاف قسمها على عسكره منها للخيال ستة وللراجل ثلاثة وبعضهم أزيد من ذلك، وبيع الكسب من القماش وغيره بالمسعى. وتوجّه الأعيان للسلام على الشريف أبي نمي وتهنئته بالسلامة والنصرة وأقام بمكة إلى بعد صلاة الجمعة ثم توجّه إلى فريقه جهة اليمن في وادي الآبار، ولله الحمد.
وفي مغرب ليلة الخميس عقد صاحبنا العلامة المدرس جمال الدين محمد ابن شيخنا عبد الله باكثير المكي الشافعي على زوجته البنت
[ ١ / ٤٣٨ ]
الشريفة. . . . (^١) ابنة السيد زين العابدين الحسيني المالكي وذلك في منزل ابن عم والد الزوجة قاضي القضاة التاجي عبد الوهاب بن يعقوب بحضرة جماعته، وأسقوا سكرا ودخل بها في ليلته وخرج في صباحها.
وفي عصر يوم الإثنين سابع عشريْ الشهر مات. . . . (^٢) ابن قاضي القضاة أبي حامد محمد ابن الشيخ عطية بن ظهيرة الحنبلي وعمره نحو سنة ونصف وصلّي عليه بعد صلاة العصر عند الحجر الأسود كعادة سلفه وشيّعه الأعيان وغيره ودفن في تربة بني ظهيرة المجاورة للشيخ علي الشولي، نفع الله به.
وفي آخر يوم تاريخه وصلت قافلة المدينة الشريفة مع الشيخ ابن مرزوق اليمني وفيها أئمة الشافعية الأخوان الثلاثة الأشقاء هم المحمدان أبو الخير وأبو اليمن وإبراهيم بعيالهم والشرفي أبو القاسم ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن صالح المرشدي بعياله وجماعة آخرون، وتوجّه الناس للسلام عليهم وأطاف الأولان إخوانهم (^٣) فعمل الإمام محمد المدعو عبد البر وليمة في الصباح فيها أطعمة ملونة حضرها جماعة من الأعيان وغيرهم.
وفي آخر النهار عمل الإمام إسماعيل جذابة سرا (^٤) ومأمونية ولبنًا مخردلًا وحضره جماعة من أهل البيت ووقع خصام بين فاعلها وبين زوجة أخيه أبي الخير ست الجميع ابنة قاسم الدب المغربي بسبب أنه أرسل لها لمنزلها فردته عليه لسابق عداوة له، فاستطالت عليه بالكلام وعلى زوجته حتى أنكر عليها جميع مَن سمعها، فحلف الإمام إسماعيل بالطلاق أنه لا يسكن مع أخيه في دارهم حتى يسكن عوض سكنهم نحو عشرين سنة، فتشوش إخوانه من ذلك وبعضهم لامَهُ، وأما زوج المرأة
_________________
(١) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٢) بياض بمقدار كلمتين بالأصل.
(٣) بالأصل: الأولين أخواهم.
(٤) كذا بالأصل.
[ ١ / ٤٣٩ ]
فحمي لها ووقعت (^١) بينهما كلمات، ويقال إن أخاه أبا الخير سطا عليه بضربه وخرج من المنزل بأهله، وكانت حركة غير صالحة، نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
ووصل مع القافلة خبَر موت القاضي بجدة شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة بمكة كان نور الدين علي بن ناصر المكي الشافعي في بلاد الروم، ووصل بذلك شهوان بن ملوح الحسيني، وكان وصل من البحر عقب خروج الحاج من مصر. وذكر أنه حضر عيد رمضان بإسطنبول، ومات ابن ناصر بها في سادس شوال وعمل وصيّه القاضي مهنى الشافعي المصري ودفنه، وبرز منها في ثاني يوم وفاته، ولم يصدق إخوانه ووالدته بذلك، وتتابع الخبر بوفاته، فالله تعالى يرحمه ويعوضه خيرا من القضاء الذي توجّه بصدده ويجعل قراه الجنة. فإني اجتمعتُ به في مدة سفره ورأيتُه عشيرا موافقا.