استهل ناقصًا بالأحد من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٢٩ م)
وفي أوله فُرّقتْ صدقة أمير الصعيد الأمير داود بن أحمد بن يونس بن عمر الهواري من الحب المصرية على يد مباشره بجدة والمحيوي عبد القادر الحضرمي الخراز وذلك بأوصال يكتبها الشيخ ولي الدين أبو زرعة وعليها خاتم قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة. فكتب لكل نفر من الفقهاء وأتباعهم وأهل الأربطة فقط، لكل نفر ويْبَة حَب، وأصلها ألْف وأربعمائة ويْبة، خرّج منها مائة لجماعته بنفسه والباقي كتب بها قائمة وضع عليها ختمه وتركها عند مباشِرِه الزيني موسى والمحيوي الحضرمي، وتوجّها بها لجدة في محل الحب، وكل من جاءهم بوصل أعطوه ثلاثة أرباع ويْبة، وترك الربع لأجْل المعشّر وغيره. فالله تعالى يجْزيه خيرا ويكتب سلامته وجميع المسافرين.
وفي ضحى يوم الأحد ثاني الشهر وصل لمكة أميرها السيد أبو (^١) نمي الحسني - وهو صحيح من ألمِهِ - للطواف والسعي، فذهب الأعيان للسلام عليه فطاف وسعى بالليل وعاد لفريقه في ثاني تاريخه.
وفي يوم تاريخه اجتمع بعض أهل المدرسة الأشرفية ومعهم الجابي لوقفها الشهابي أحمد بن رجب المزين النائب عن الجمالي محمد بن مدهش كاتب صاحب مكة بالمسجد الحرام في مجلس قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة، فحاسبه الشيخ أبو زرعة وكتب القوائم التي معه لسنتين قبل تاريخه، فوجد
_________________
(١) بالأصل: أبي.
[ ١ / ٤٨٧ ]
فيها التصرف في العمارة وإعطاء بعض المستحقين وطرح الشراب (^١) وثمن بهائم وعلفها بما لا يسوغ له شرعًا بخلاف شرط الواقف. وفضُل عليه بعد ذلك نحو ستمائة أشرفي من السنة التي قبل تاريخه، وقبض بعض الأجرة من السكان في عام تاريخه فمُنِع من ذلك لخيانته. وتسلم متحصل هذه السنة شخص جاركسي من جهة أمير الحاج تَنَم الجاركسي، ووعد المستحقين بالصرف لهم عن الماضي. وأمرَهُم بملازمة الحضور فحضروا في يوم الأربعاء حادي عشر الشهر وكانت البدْأة من أوله.
وفي عصر يوم الخميس تاسع عشر الشهر مات الشيخ الأوحد الأصيل ذو الهمة العلية شهاب الدين أحمد ابن الشيخ العلامة نور الدين علي محمد بن علي الفاكهي المكي بعد توعّكه نحو جمعة بالإسهال، وأوصى لأولاده الأربعة؛ الفاضل عفيف الدين عبد الله والسراجي عمر والطفلين الشقيقين المحيوي عبد القادر وأبو السعادات وابنة من موطوءة له اسمها زينب. وجهّز في ليلة الجمعة وصلّي عليه عقب صبْحِها عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة على والده بجانب الفضيل بن عياض وبني شيبة في الشعب الأقصى.
وفي ليلة موته عمل نجم الدين محمد بن الكمالي أبي البركات بن أبي الفضل الزين زفة من المروة لطهار ولده أبي القاسم من سعادة ابنة قاضي الحنفية كان. الشرفي أبي القاسم بن الضياء العمري وحضرها القضاة وبعض الفقهاء والعامة، وعِيبَ ذلك على أهله لقرابتهم بالفاكهي المتوفى.
وفي يوم الأحد ثاني عشريْ الشهر ختم الولد وعملتُ له وليمة حضرها القضاة وغيرهم.
وفي يوم تاريخه ادّعى بعض التجار عند قاضي القضاة المالكي الشرفي أبي القاسم الأنصاري على شخص مغربي قال له عند خصامه له: أنتَ أمّيٌّ، فقال:
_________________
(١) بالأصل: وترح السراب.
[ ١ / ٤٨٨ ]
النبي محمد ﷺ أمّيّ، وجاء بشهود عليه بذلك. فأغلظ له القاضي في القول وقال: ذكرك لهذا غير لائق، وأمر بوضعه في السجن ثلاثة أيام، ثم في اليوم الرابع وهو يوم الأربعاء خامس عشريْ الشهر أحْضره القاضي إلى مجلسه بحضرة جماعة من علماء المالكية وأمر بكشف رأسه وضربه خمسين سوطا وتجريسه وعودِه إلى السجن. وحصل للقاضي عبرة في المجلس وكذا جميع من حضره. ولما خرج به من المجلس جاء الوزير كمال الدين أبو الفضل بن أبي علي ليشفع فيه فرده القاضي وقال: هذا وقع في حق الرسول ولا يمكن التكلم في أمره حتى استوفي عليه الوجه الشرعي. وأمر بوضعه في السجن نصف شهر. ثم بعد تمامه طلبه إلى مجلسه فاستتابه وأفرج عنه. وعُدّ ذلك من محاسنه لنُصرته للرسول وإحياء شرعه المنقول. كثّر الله من أمثاله، وزاده من خيره وأفضاله.
وفي ليلة الجمعة سابع عشريْ الشهر عمل بالمسجد الحرام أمام الرواق الشرقي عقد حافل للشاب الأصيل المحيوي عبد القادر ابن الشيخ نور الدين علي بن محمد الشيبي العبداري على لطيفة ابنة المرحوم قاضي الحنابلة المحيوي عبد القادر ابن الشيخ نجم الدين محمد بن ظهيرة القرشي حضره القضاة الأربعة والأعيان وغيرهم، واعتنى به الناظر قريب الزوجين ببذل شمع الحرم وغيره. وكان بهجا مع كثرة السكر والطيب وهنّأهم الناس في صباحها، وأخّروا الدخول إلى شهر ربيع الأول.