ورد عنوان الكتاب على الورقة الأولى من المخطوطة الوحيدة، كما يلي: كتاب نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى، وقد كتب هذا العنوان المؤرخ قطب الدين النهروالي بخطه.
نلاحظ أولا أننا لم نجد لهذا الكتاب ذكرا في مؤلفات جار الله بن فهد الكثيرة التي اطلعنا عليها في حين أنّه بدأ تأليفه في شهر ذي الحجة سنة ٩٢٣ هـ / ١٥١٨ م. ومن عادة جار الله أن يتحدث عن كُتُبه في مؤلفاته الأخرى ويحيل عليها. ولعل ذلك يعود إلى أنّ المؤلف لم يُرد أن يشهر أمر الكتاب ويذكره بين الناس لما فيه من نقد تناول فيه ثلاثة أنماط من القوى السياسية والاجتماعية المعاصرة له:
(أ) بجد في كتاب نيل المنى نقدا كثيرا للسلطة الجديدة العثمانية التي بسطتْ سلطانها على الحجاز بداية من سنة ٩٢٣ هـ. ومن الطبيعي أن تختلف سياسة العثمانيين عن سياسة المماليك، وتظهر بعض القوانين والميول التي لم تكن موافقة لما تعودّه المكّيّون من النظام السابق، خاصة وأن المماليك كانوا شوافع، وفي عهدهم غلب عدد الشوافع في مكة على عدد أتباع المذاهب السنّية الأخرى. في حين أن الدولة العثمانية حنفية المذهب والميل وظهرت منها بعض البوادر التي لا تعجب الشوافع ولا تروقهم.
والمؤلف شافعي المذهب، وهو مذهب أغلب العوائل المكّيّة الكبرى ذات الأثر في مجتمع أم القرى.
فقد كان جار الله بن فهد يتحدث عن أخطاء المسؤولين العثمانيين في سياستهم الاجتماعية والعسكرية التي يسلكونها في مكة وما حولها، وذكر كثيرا مما وقعوا فيه من مخالفات منها:
[ ١ / ١٦ ]
- سوء معاملة الأتراك لأبناء العرب.
- منع أولاد العرب من دخول بلاد الترك.
- تفضيلهم الأعاجم على العرب.
- تولية أمراء جدة ممن لا يعرفون لغة العرب ولا عاداتهم وخصائصهم.
- سوء أعمال الجيش العثماني عند إقامته بمكة.
- أخذهم الرشوة على ولاية الوظائف.
- ظلمهم في الحكم بين الناس.
- وضعهم قوانين جائرة في ما يتعلق بالمواريث.
(ب) ونجد في الكتاب نقدا لبعض الفقهاء وأرباب الوظائف الدينية والقضائية والإدارية من بعض معاصريه، ذاكرا أخطاءهم وسوء معاملاتهم وجهلهم وظلمهم وتعاملهم بالرشوة وتحاملهم في ما يصدر عنهم من الأحكام منها:
- وُجود بعض الأيمة ممن لا يحفظ من القرآن ما يصلّي به جماعة صلاة جهر
- جهل بعض خطباء الحرم بحيث كانوا غير قادرين على أداء خطبة قويمة.
- نقد القضاة وسوء تصرفهم في الصدقات على أهل مكة.
- كشف ما اشتهر عن بعضهم من الرشوة.
- فضح ما وقع فيه بعضهم من الأيمان الكاذبة وإنكار الأمانات.
- ذكر ما كان بينهم من العداوات الشديدة، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى المضاربة والسباب والفحش في شوارع مكة.
(ج) لم نجد في الكتاب نقدا مباشرا لسلطة الأشراف، وإنما كان المؤلف على العكس من ذلك، لا يذكر الشريف المتولي صاحب السلطة إلا بالمدح والدعاء له ولأهله بطول العمر وغير ذلك. لكننا نلاحظ أنه يذكر من أخطاء السياسة الداخلية - للأشراف ما يُعتبر في الحقيقة نقدا رغم ذلك الغطاء من المدح ومن المدح والتأييد. ومن ذلك:
[ ١ / ١٧ ]
- ذكر المؤلف أن الشريف كان يأخذ الثلث من كل الصدقات الواردة لأهل مكة.
- نقد ما كان يقع من ظلم بعض الموظفين الكبار التابعين لإدارة الأشراف.
وبالجملة فإنه يمكن أن نقول إنّ جار الله بن فهد جمع أخبار مكة صغيرها وكبيرها بأسلوب مفصل لا يخلو من النقد النزيه اللاذع - أحيانًا - لكل ما ظهر له في مجتمعه من أخطاء وتجاوزات للشرع أو الأخلاق الاجتماعية الصالحة أو أصول السياسة والحكم.
والمطالع للنص سوف يجد أنّ جرأة جار الله بن فهد على تسجيل النقد دليل على أنه لم يكن ينوي أنْ يُظهره في حياته.
ولعل النقد الصريح الذي يشتمل عليه الكتاب كان السبب الحقيقي في ما يلي:
(١) عدم ذكر المؤلف كتابه نيل المنى في مؤلفاته الأخرى.
(٢) عدم وجود نسخة مبيضة من الكتاب في عهد المؤلف ولا بعده. فإن ناسخ المخطوطة الوحيدة التي بين أيدينا نقلها عن نسخة مسودة بخط المؤلف وصفها بأنها "كثيرة الخبط والتخاريج والتقليب".
(٣) عدم انتشار الكتاب جعَل نُسَخهُ قليلة ومحدودة، لم تصلنا منها إلا نسخة واحدة، حسب علمنا بعد البحث والتقصّي.
(٤) عدم توفّر نُسخ كافية منه بين أيدي المؤرخين المعاصرين له ومن جاء بعدهم، لذلك لم نجد له إلا أثرا محدودا جدا في مؤلفاتهم التاريخية. فلم نعرف مَن نقل عنه مباشرة من معاصريه إلّا مؤرخيْن وهما:
- عبد القادر الجزيري في كتابه الدرر الفرائد حيث نقل عن كتاب نيل المنى ثلاثة نصوص، وذكره إشارة وتعريفا دون ذكر عنوانه.
- فهو يقول في ج ٢ ص ٨٥٦: "قال صاحبنا الشيخ جار الله بن فهد القرشي في تاريخه الذي ذيّل به على ذيل والده لتاريخ جدّه إتحاف الورى".
[ ١ / ١٨ ]
- وفي ج ٢ ص ٨٦١ يقول الجزيري: "قال صاحبنا العلامة ابن فهد المؤرخ".
- وفي ج ٢ ص ٨٤٩ يقول: "ذكر العلامة ابن فهد في تاريخه".
- وثاني المؤرخيْن هو قطب الدين النهروالي الذي نقل عنه بعض الأخبار المحدودة في كتابه البرق اليماني دون ذكر عنوان الكتاب.
- فإنه في ص ٤٤ منه يقول: "رأيتُ بخط الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله تعالى "، وينقل نصا واردا في كتاب نيل المني، إلا أنّه منقول بتصرف واختصار.
- وبعد المقابلة بين الأخبار التي وردت عند النهروالي في البرق اليماني وبعض أخبار جار الله بن فهد في نيل المنى لاحظنا أنّ بعضها منقول بالمعنى في كتاب النهروالي دون الإحالة على مؤلف ابن فهد. انظر مثلا ص ٤٦، ٤٧.
أما من جاء بعدهما من المؤرخين الناقلين عن كتاب نيل المنى ممن لم يعاصروا المؤلف فقد عرفنا منهم:
- السنجاري في الجزء الثاني من منائح الكرم، ورقة ٤٩ ب.
- محمد الطبري في إتحاف فضلاء الزمن، لوحة ١٧٧ و١٨٠.
* * * * *
[ ١ / ١٩ ]